د. فياض هيبي

"غيبة الغنمة" المولود السرديّ البكر"للكاتب د. محمد حمد، آملين ألاّ يترَك المولودُ واحدا ووحيدا، فالإنجاب في هذه الحالة ضروري ومطلوب بصفة خاصة، في ظلّ ما يشهدُه واقعنا من تشويه وعدائية، وما تشهده بالتالي ثقافتُنا وإبداعُنا من تراجع لا ينذر، للأسف، إلاّ بالخراب.

يعيد الكاتب محمد حمد في مجموعته القصصية إلى الذاكرة جدليةً طالما دارت، ولا تزال، بين الأوساط الثقافية والنقدية عموما: هل يمكن للناقد أن يكون كاتبا جيدا؟ هناك من يرى أنّ الناقد (وكاتبنا كذلك كما تعلمون) لا يمكنه أن يكون كاتبا جيدا، أو الناقد هو كاتب رديء في صياغة أخرى للفكرة نفسِها. يلاحظ المتابع للحركة الأدبية العربية من ناحية، والفلسطينية من ناحية أخرى، أنّ الجدلية السابقة أفرزت معادلات كثيرة، نختصرها في اثنتين، هما: الكاتب – الناقد، وهي تضم الشعراء والكتاب الذين جرّبوا حظّهم في النقد، أدونيس، ادوار الخرّاط، محمد برادة، محمود درويش، غسان كنفاني، زكي درويش وسهيل كيوان في أدبنا المحلي وغيرهم الذين ساهموا في دراسات أدبية نوعية لا تزال تثير اهتمام الدارسين والباحثين على حدّ سواء. أما المعادلة الثانية، هي: الناقد – الكاتب، المعادلة التي تهمنا في الأساس وفي الحالة الفلسطينية بصفة خاصة. يُلاحظُ المتابعُ للحركة الأدبية المحلية أنّ الظاهرة قائمةٌ، وتشهدُ اتساعا مستمرا. كتابنا المحتفى به الليلة مثال جيد لما نقول، الكاتب د. نبيه القاسم، الكاتبة د. راوية بربارة، الكاتب د. محمد هيبي، الشاعر د. إياس ناصر، وهناك ربما أسماء أخرى لا تحضرني في الذاكرة الآن!

يطول النقاش والجدل في هذه المسألة، دون شكّ، ولكن يهمّنا في المقام الأول التأكيد أنّ العمل بمستوياته الأدبية والفنية، وبعيدا عن الخلفية العلمية والأكاديمية لكتابِه، هو المقياسُ الذي يحدّد قيمتَه. وفي هذا العمل ما يُقال بكلّ موضوعية واستحقاق. 

 

في باب الاستحقاق:

  • نقول إنّ الكاتب ملتزم بالحكاية الفلسطينية، أعني بذلك الاهتمام بتصوير الفضاء الفلسطيني القروي بكلّ مقوماته وتفاصيله، من باب الحرص على التوثيق وحماية الحكاية والذاكرة على حدّ سواء، وهو بذلك يتابع مسيرة الجيل الأول من كتاب القصة القصيرة الفلسطينية، وهي مسيرة هامة وضرورية كما أسلفنا. تظهر القريةُ ببيوتها العتيقة وحاراتها وازقتها، كرومِها وسهولها فلسطينيةً بامتياز، كما فعل وأجاد الكاتب في قصته الأولى والمهمّة " مقصّات وسكاكين في الذاكرة". أدرك حمد مبكرا أن الرواية / الحكاية الفلسطينية لا بدّ لها أن تحافظ على "ثوابت" سردية ألزمتها بها الظروف السياسية – التاريخية، التي ميّزت ولا تزال الرواية الفلسطينية عن غيرها من الروايات.  تساهم هذه الثوابت مساهمة جادّة واعية لحفظ الرواية من التهميش والتزييف والضياع! وهذا هو "المشروع" الأدبي الذي يساهم فيه كلّ كاتب فلسطيني ملتزما ومؤمنا بأهمية الثوابت ودورها في صيانة الهوية الفلسطينية الجمعية عموما.

  • التقنيات الأدبية: حرص الكاتب على توظيف التقنيات الأدبية والفنية الحديثة، التي تثري النصّ وتعمّق من دلالته، كما تستفز القارئ ولا تدع له مجالا للحياد والتلقي السلبي، وتحقق بذلك شرطا قبليا هاما من شروط العمل الأدبي الجيد وهو تأكيد مبدأ الحوارية بين النصّ والقارئ. حفلت معظم نصوص هذه المجموعة بالتناص والنستولجيا، الفنتازيا، والأهم الميتاقصّmeta-fiction  النصّ بمرآة ذاته (الأدب الذي يتحدث عن الأدب والعملية الإبداعية عموما). ولماذا تغدو التقنية الأخيرة "الأهم" على حدّ زعمنا؟ مردّ الأمر بتقديري إلى خلفية الكاتب الأكاديمية فهو من بحث ودرس وتعمّق، وخبر بالتالي هذه التقنية (في دراسته الأكاديمية العليا) بصفة خاصة. كما فعل في قصة: "المصوّر"، "زهرة متوحشة"، " أبو السعود يعود". وكان للتناص حظّ كبير في هذه المجموعة، الذي تنوّع بين الأدبي، التاريخي والسياسي، كما هو الحال في قصة: "زهرة متوحشة"، "أبو السعود"، "المرأة التي تلد الخراف" و " ألفية". يفرض التناصُ، كما أسلفنا، الكثيرَ من التساؤلات، ويدفع التناصُ القارئَ للبحث والاستقصاء عن مضمونه الأصلي- التاريخي أولا، وعن مسوّغ توظيفه أدبيا في النصّ لاحقا. حضر الإغراب كذلك في هذه المجموعة، وتحديدا في القصة التي تحمل عنوانَها (غيبة الغنمة)، ليسقط بالتالي، كما هو الحال مع التقنيات الأخرى التي أشرنا إليها سابقا، على الواقع وليؤكّد معاناةً تاريخيةً مرةً، لا تزال آثارُها حاضرةً في تفاصيل حياتنا اليومية. إضافة إلى واقعنا الذي تحكمه العدائية (كما هو الحال في قصة "المرأة التي تلد الخراف") مرةً أخرى.

  • بعيدا عن عالم السياسة المباشر: عالجت نصوص هذه المجموعة الكثيرَ من الأسئلة النفسية الداخلية، والفلسفية أحيانا، دون الخوض في الهم السياسي المباشر، الذي امتازت وتميّزت به القصة القصيرة الفلسطينية ولا تزال. حضرت السياسة بشكل غير مباشر (قصة "أبو السعود" مثالا). بتقديري سعى الكاتب إلى تناول مختلف للحكاية الفلسطينية عموما، وإلى تصوير مغاير للواقع والمرجعي بتفاصيله المختلفة. بعيدا عن التناول التقليدي والمكرور الذي سيطر على القصة القصيرة الفلسطينية، ولا يزال كذلك عند البعض. تأتي السياسة مغلّفةً مبطنةً، وهذا ما يفسّر حضور التقنيات الأدبية، والتي أشرنا إليها سابقا، بهذا الكم والزخم.

  • اللغة: تبقى اللغة من أهم المستويات التي تتميّز بها القصة الفلسطينية عموما. ونقصد تنوّعَ مستواها حين يستدعي السرد ذلك. كاتبُنا لم يخالف هذا التقليد في القصة الفلسطينية، فطعّم نصوصه أو بعضَها بالمحكية الفلسطينية الجليلية كما يقتضي السرد، وإن كان التطعيم محدودا عندَه مقارنةً مع نصوص أخرى في القصة الفلسطينية، نذكر على المثال لا الحصر: محمد نفاع، محمد علي طه وسهيل كيوان وغيرهم من كتاب القصة الفلسطينية. لا شكّ أن المحكية تعزّز واقعيةَ النصّ وتؤكّد صلتَه المباشرة بالواقع والأرض، وهذه بحدّ ذاتها غايةٌ يسعى كلّ كاتب إلى ترسيخها، فكم بالحري إذا كان فلسطينيا. لكنّ كاتبنا يجتهد في باب اللغة ويبتكر مصطلحات جديدة في ما يعرف بالنحت: مرآفيا (من مرآة وجغرافيا)، الإنساهيمي (من الإنسانيّ – البهيميّ). لا شك أنّ الظاهرةَ غريبةٌ وغيرُ مألوفة في القصة الفلسطينية، والمصطلحات المنحوتة بعيدةٌ عن الواقع الفلسطيني، بل هي فلسفية بامتياز. يمكن بتقديري أن يضاف هذا المجهود في النحت إلى سعي الكاتب للتناول المختلف للحكاية والواقع على نحو ما أشرنا إليه سابقا.

 

في باب الموضوعية الخالصة نقول في ملاحظتين اثنتين:

  • كمية التقنيات الأدبية (والتي أشرنا إليها سابقا) يمكن أن تشكل بتقديري عبئا إلى حدّ معين على القارئ، نظرا للاختلاف الطبيعي في قدرات القراء. والملاحظة لا تقلّل أبدا من شأن القارئ ودوره وقدرته، بل هي خشية عندي من أن تغدو هذه التقنيات كمًا ونوعا مدعاةً لنفور بعض القراء وأشدّد القول على بعض القراء فقط!

  • جاءت بعض التشبيهات بعيدة عن الواقع الفلسطيني الفلاحي، كما جاء في قصته الأولى " مقصّات وسكاكين في الذاكرة"، والتي تصوّر واقعا فلسطينيا قرويا فلاحيا بامتياز. التشبيهات التي تصوّر خواطر "محمود الكبش" وأفكاره في سعيه لمصارحة وردة بحبّه لها، بعيدة عن الواقع القروي الفلسطيني (كأعاصير التايفون، كأندروميدا المرأة التي تمتلكُ مجرةً بكاملها، أصابع الديناميت وانفجارات السوبر نوفا التي حلمت بها المجرّات). يمتحُ الكاتبُ من واقعه عادة، ويحرصُ على ترسيخ هذا الواقع كمعادل للوجود، وعند الفلسطيني المسألة ملزمة بالضرورة لا المشيئة. الواقع الفلسطيني طافح بتشبيهات تعين الكاتب، ومحمود الكبش بالتالي، على تصوير حبّه المتأجج الذي وصل حدّ الغليان لوردة. وهي بذلك تبقى وثيقةَ الصلة بالواقع ووفيةً أكثر للتراب والجذور.

 

في الختام

نقول بكلّ موضوعية وقناعة إنّ الكاتب محمد حمد في مجموعته القصصية الأولى، يملك من القدرة و"العتاد" ما يخوّلُه من الاستمرار في الكتابة، ولا شكّ أنها تمنحه تأشيرةَ دخول إلى عالم القصة والكتابة دونما خجل أو تأتأة. بالرغم من كلّ ما قيل في باب الموضوعية، إلا إنّه نجح في استفزاز القارئ مرة، وإضحاكه مرة أخرى، وهذه من أهم الشروط القبلية للعمل الجيد عموما. ولا شكّ أن المجموعة تستحق منا دراسةً أوسع وأشمل لا يتسع لها المقام الآن، ولكنّنا ملزمون بذلك كما هو التزامُنا بمواكبة أدبِنا المحلي عموما لأنّه يستحق منا هذا الاهتمامَ وأكثر! رسّخ حمد في باكورة أعماله السرديّة الكثير من "الثوابت" السردية الفلسطينية بصفة خاصة، على نحو ما أشرنا في باب الاستحقاق. وهو بذلك يساهم في مسيرة الرعيل الأول من كتّاب "الرواية الفلسطينية"، محافظا على الرواية من التهميش، التزييف والضياع، والأخيرة هي الأهم دون شكّ! وإن أثارت التقنياتُ الأدبيةُ، المعتمدة في المجموعة، علامات استفهام واستغراب عند القراء أو بعضهم، لكنها أحدثت حالة من الاستفزاز والتساؤل، وهما شرطان قبليان هامّان في ضمان "تورّط" القارئ في التأويل أو محاولة التأويل على أقلّ تقدير. وبذلك يكون الكاتب واعيا لأهمية تورّط القارئ وتفاعله مع النصّ الأدبي، كشرط أساسي حتمي لتحقّقه.

إعلانات

;