// شادي خليلية

كانت وحدة الصف مطلب الجماهير الأول على مدار أعوام طويلة، وأذكر قبل انتخابات الكنيست التاسعة عشرة مقالاً كتبه د. حنا سويد، في أيار 2012 بعنوان "واجب الساعة تشكيل قائمة ديمقراطية موحدة لخوض معركة الانتخابات"، احدث هزة في مفاهيم التفاوض والاعلان عن النوايا الحقيقية لدى الأحزاب الفاعلة في المجتمع العربي، باتجاه وحدة حقيقية. كانت حينها حكومة نتنياهو الأولى (2009)/ الثانية (1996) – تحتضر وقد صوتت الكنيست على اقتراح قانون لحل نفسها، ونجح نتنياهو في اللحظة الأخيرة بضم حزب كاديما ممثلاً برئيسه الجديد آنذاك الجنرال موفاز وإبقاء حكومته حتى نهاية العام 2012.

ذهبت نوايا ذلك المقال حينها أدراج الرياح، لكنها لم تبتعد كثيرًا، فعادت مطالب الجماهير الباقية في وطنها تتجدد وتشتد في العام 2013، لتتعالى أصوات المطالبين بالوحدة أكثر فأكثر. وللحقيقة كان لرفع نسبة الحسم الأثر الأكبر لوضع مسألة التوافق والوحدة بين الأحزاب والحركات السياسية الفاعلة في المجتمع العربي، على محمل الجد، وفتح مسار المفاوضات الجدية، مع مرافقة ومتابعة من قبل لجنة الوفاق التي نجحت بدورها وأثبتت ان الأمر ممكن فعلاً، وليس مجرد شعار.

 

بين الهامش والتهميش..

كنت شاهدًا على تلك الحقبة الزمنية في الكنيست، بين الكتل الثلاث – الجبهة، التجمع والقائمة الموحدة، وبين القائمة المشتركة. حيث عملت مساعدًا للنائب د. حنا سويد منذ العام 2009، وتابعت العمل مع النائب ايمن عودة حتى نهاية العام 2015. شاهدت الفرق بالتعامل معنا كقوة برلمانية كبيرة، القوة الثالثة في الكنيست، وتوجهات الصحفيين لأعضاء القائمة المشتركة بشكل مغاير لما كان عليه من قبل.

رأيت بأم عيني التعامل البرلماني المختلف من إدارة وطواقم البرلمان في اللجان وفي مختلف المحافل. كنت شاهدًا على توجه أعضاء الطواقم الدبلوماسية بشكل مختلف كليًا عما كان عليه الامر سابقًا، وزراء خارجية يتوافدون لمقابلة رئيس وأعضاء القائمة المشتركة. كنت حاضرًا أمام طواقم الكنيست ومدير العلاقات الخارجية، وممثلي وزارة الخارجية الإسرائيلية، عندما رفض رئيس واعضاء القائمة المشتركة اشراك ممثلين عنهم في لقاءاتهم مع وزراء خارجية أوروبيين وممثلين رفيعي المستوى من الخارجية الأجنبية. جن جنونهم حينها، وهددوا بمنعنا من استخدام غرفة الاستقبال الرسمية في الكنيست فتحول مكتب النائب ايمن عودة وأعضاء القائمة المشتركة لوزارة خارجية جديدة للقائمة المشتركة ولشعبنا.

كنت شاهدًا على قوة الطلبات المقدمة للجان الكنيست، كثالث اكبر كتلة برلمانية، والتعامل المغاير في قبول طلباتنا، ومتابعة القضايا التي يرفعها نواب القائمة المشتركة. كنت عندما دخل النائب ايمن عودة الى وزارة المالية في ربيع العام 2015، وتابع امام كحلون وطاقم المالية الكبير قضايا الجماهير العربية والمساواة في الحقوق والميزانيات، ورأيت صلابة الموقف وشدة العزم، وطرق كل باب من أجل رفع مستوى التحصيل، وجلب المكاسب لبلداتنا.

رأيت يوم جن جنون أعضاء يش عتيد بعد ان حصلت النائبة عايدة توما على رئاسة لجنة النهوض بمكانة المراة، ومحاولاتهم عرقلة الاتفاق، واشتراطه ليكون لنصف الدورة البرلمانية، وثبات مكونات القائمة المشتركة الأربعة أمام حملات التهديد والترغيب. كنت هناك عندما تهافت الصحافيون على مكاتب أعضاء القائمة المشتركة يتساءلون عن اختلاف انتماءاتهم، يبحثون عن مغز ابرة لبعث الخلافات وتأجيجها، وعادوا ادراجهم خائبين!

كنت شاهدًا على تحويل عملنا البرلماني من منافسة حزبية الى منافسة تعاونية، وتنسيق مهني بمستوى اعلى وافضل، من أجل قضايا شعبنا. كانت وما زالت الأحزاب والحركات السياسية تتسابق على طرح القضايا والمطالب المختلفة، لكننا مع الانتقال الى نموذج العمل الجديد في القائمة المشتركة اصبحنا نعمل معًا بشكل منظم أكثر، وبتناسق يتنامى ويرتقي رويدًا رويدًا.

أفتخر بأن كتلة الجبهة على تبادل أعضائها كانت دائمًا تغلّب العمل المشترك والتعاون مع باقي الكتل والأحزاب، بشكل مهني وبأخلاق عالية. وانها تقود هذا النهج قبل وبعد القائمة المشتركة.

 

كنت شاهدًا على بداية تشكيل نموذج جديد من العمل المشترك، يحترم خصوصية كل حزب وكل حركة، ويغلّب المصلحة العامة على الفئوية الضيقة. وبحق اقولها نجحت القائمة المشتركة باجتياز محن عديدة ومطبات كبيرة، لأن الغالب كان وحدة الصف والمصلحة العامة.

ولا يجوز تفويت هذه الفرصة لتعزيز عملنا المشترك واعادتنا الى دائرة التناحر والمنافسة التي تعكر صفاء وحدة جماهيرنا.

 

الانشقاق له ثمن..!

في الأشهر الأولى بعد دخول القائمة المشتركة للكنيست، بات واضحًا ان اختلاف التوجهات الأيديولوجية سيكون عاملاً ذو شأن كبير في كيفية صياغة وبلورة التوجهات المشتركة، وللحق أقول بات هذا الأمر في طي النسيان لأننا نجحنا غالبًا بتذليل كل العقبات ووضع الصياغات التي تتلاءم مع توجهات وطموحات كل مركبات القائمة المشتركة. لم يكن هينًا في بداية الأمر التنازل عن امر ما لصالح حزب / نائب من حزب آخر، لكننا تعلمنا كيف نجتهد ونبدع اليات عمل جديدة تفيد التعاون المشترك، ونجحنا بذلك.

نجحت القائمة المشتركة بتذليل اختلافاتنا الهامشية، وفرضت اجواءًا جديدة من العمل المشترك، وتقاسم المنصات بين مركباتها الأربعة، وفرض أجواء إيجابية لم ننجح بالوصول لمثلها من قبل. وما زلت أذكر فترة الاستعداد للانتخابات البرلمانية واللقاءات المشتركة مع باقي الأحزاب والنواب، نعمل معًا ونتقاسم الرغيف سويًا، مع هؤولاء اللذين كانوا بالأمس خصومي السياسيين! وأصبحوا شركائنا وحلفائنا، في وضع منظومة جديدة من العمل الجماعي، أذهلت عقول وأفكار العلماء السياسيين، وجنرالات المخابرات!

 

من المستفيد من حل القائمة المشتركة؟!

ما زلت اذكر مهاتفة سكرتير وزير الخارجية الألماني حينها في صيف العام 2015، لترتيب لقاء مع السيد فرانك فالترشتاينماير، الذي حضر الى البلاد في زيارة مكوكية، تنقل بين رام الله وتل ابيب والقدس حينها، لنتدارك عامل السرعة من أجل ترتيب لقاء عاجل مع النائب عودة رئيس القائمة المشتركة. قلت في نفسي حينها، وزير خارجية أكبر اقتصاد أوروبي يبحث عن لقائنا؟! ماذا حصل؟ هل اصبحنا على هذا القدر من الأهمية؟ نحن أبناء هذا الشعب الباقي في وطنه.. وكنت ابان عملي مع النائب سويد قد قمت بترتيب العديد من اللقاءات مع وزراء خارجية وسفراء وممثلي العديد من الدول، بمشاركة النائب الطيبي في العديد من المناسبات. لكن ان يتم الاتصال بنا مباشرة، وبرفض واضح من قبلنا عدم ادراج او اشراك الخارجية الإسرائيلية في الأمر، من قبل الخارجية الألمانية وترتيب لقاء مستعجل مع وزير الخارجية في البلاد، كان هذا ارتقاءً في مستوى عملنا الجماهيري والدولي والبرلماني.

واستمرارًا لهذه الجهود قاد النائب يوسف جبارين العمل الدولي في القائمة المشتركة الى مستويات ومنصات جديدة، أتت بفعل تمثيل القائمة المشتركة الواسع لجماهير شعبنا، لتكون عنوانهم الأول في المحافل الدولية، في الاتحاد الأوروبي ومنظمة الدول المتقدمة والأمم المتحدة و.. وغيرها وغيرها.

علينا ان نسأل أنفسنا الأسئلة الصعبة دائمًا، وان نضع امام شعبنا كافة التساؤلات والمعضلات. لكن السؤال الأول هو من المستفيد من حل القائمة المشتركة؟! من الجهة/ الجهات التي ستفرح لحل القائمة المشتركة؟ من يفرح لتفرقنا وتشتتنا، ويعمل من اجل ذلك.. من حاول منع وزراء الخارجية وممثلي الدول الأجنبية من لقاء النواب العرب.. والمشاركة في العديد من المؤتمرات والفعاليات المجتمعية والسياسية.. بحجج سياسية تقف ورائها ادعاءات يمينية..

علينا ان نطرح هذا السؤال على أبناء شعبنا، وقياداتنا السياسية – من المستفيد من حل القائمة المشتركة وجعل الانشقاق سيد الموقف.. ومن سيدفع ثمن الانشقاق هو المنشق لا محالة، وهذه بداية الكلام – والسلام.

إعلانات

;