بقلم: توفيق كناعنة

ها هي الأيام تمر بسرعة وما زلت اذكر عندما جاءني ابن اخي محمد في صباح يوم السادس من شباط من السنة الماضية ليبلغني بوفاة اخي اسعد هذا الأخ الذي لم يحالفه الحظ ان يتعلم في المدرسة ولكنه تعلم الكثير من مدرسة الحياة التي عاشها واكتسب محبة وتقدير الكثيرين من الناس في مختلف القرى والمدن العربية وبشكل خاص في قرى بني معروف اذ انه كان محبا للطرب وكان يشارك دائما في الافراح والاتراح في جميع قرى بني معروف وباقي قرانا العربية.

ان اخي اسعد امتاز بصفات حسنة كثيرة منها الصدق والكرم والأمانة والجرأة والإخلاص في عمله هذا بالإضافة الى الروح المرحة التي كان يتحلى بها ونتيجة لهذه الصفات الحميدة التي تمتع بها اكتسب أيضا العديد من الأصدقاء والمعارف الذين احترمهم واحترموه حيث كان وفيا لأصدقائه الى ابعد الحدود.

لقد كان اخي اسعد من الشباب الأوائل الذين تعرفوا على الحزب الشيوعي حيث انضم الى صفوف الشبيبة الشيوعية في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، ومنذ بداية طريقه المشرّف هذا تعرّض للاعتقال عدة مرات وكان أولها في سنة 1952 عندما اصطدم مع الشرطة الذين أرادوا ان يفرضوا عليه هو واخي يوسف بنقل براميل من الزيت التي أرادوا مصادرتها من بيت امرأة ارملة تربي أطفالا صغارا، ورفضوا طلب الشرطة وقالوا لهم انهم لن يساعدوا في نهب ومصادرة زيت هذه الارملة لأن اطفالها أولى بهذا الزيت منكم، عندها جرى صدام مع افراد الشرطة وجرى اعتقاله هو واخي يوسف. وكذلك جرى اعتقاله في احداث أيار 1958 لمدة شهر وبعدها حُكم عليه بإثبات الوجود في مركز بوليس شفاعمرو لمدة ستة اشهر، وكذلك كان مساعدا جديا لفرع الشبيبة الشيوعية في سنوات الخمسينات من القرن الماضي، حيث كان من المساهمين في شراء بعض الألعاب لنادي الشبيبة الشيوعية في تلك الأيام الصعبة التي كانت عمليا مرحلة البناء الصعبة لفرع الشبيبة الشيوعية في عرابة.

الحقيقة انه كانت لي علاقات خاصة ومميزة مع اخي اسعد منذ صغرنا وحتى في المراحل الأولى عندما كانت تسميه والدتي ب"عامود البيت" لأنه كان مطيعا لها الى ابعد الحدود وكان يساعدها اكثر من باقي اخواني ومثل ما بقول المثل "كان خفيف مروّة". لقد كان دائما حريصا على مساعدتي في الأوضاع الصعبة التي كنت امرّ بها وكان صادقا معي الى ابعد الحدود.

اذكر في جلسة لوالدي مع اخواني حيث قال لهم انني قررت ان يكون منتوج الأرض لأخوكم توفيق حتى يستطيع ان يبني بيتا ويتزوج وبعدها تُقسم الأرض على الجميع فما كان من اخي اسعد الا ان يكون اول المبادرين ويقول لوالدي انه سيفلح الأرض ويعطي ضمانها لي، وفعلا هذا ما كان والحقيقة انه كان وفيا وصادقا لأبعد الحدود.

في احد الأيام حدثتني ام محمد (زوجته) انه في احد الليالي افاق من نومه مهموما وعندما سألته ما الامر قال لها ان والدي جاءه في المنام وأوصاه عليك، وهذه الحادثة اكدها هو أيضا لي، وللحقيقة انه كان حافظا لوصيّة والدي الى ابعد الحدود، لأنه تمتع بالصدق وطيبة القلب.

لقد كان اخي اسعد يتمتع بفطنة وذكاء، حيث بفطنته وذكاءه استطاع ان ينقذ اخي سليم والرفيق إبراهيم شكري من محكمة أخرى حيث كان مفروض عليهم اثبات الوجود يوميا في مركز بوليس مجد الكروم بعد الاضراب الذي جرى في مدرسة عرابة ضد ضريبة الرأس الجائرة التي كانت مفروضة على الجماهير العربية في سنة 1954، وكان حسب هذا الحكم ممنوع ان يغادروا البيت منذ ساعات المساء حتى ساعات  الشرطة ولم تجد اخي سليم في البيت وخرجوا وقالوا انهم سوف يعودون، عندها ركض اخي اسعد الى المكان الذي تواجدوا فيه ودعاهم بسرعة وبالاتفاق مع والدتي وعندما عادوا دخلوا الى احدى الغرف في البيت التي لم تتفقدها الشرطة، وعندما عادت الشرطة مرة ثانية قال اخي اسعد لوالدتي ربما هم نائمين في هذه الغرفة، وعندما فُتحت الغرفة وجدوا بداخلها وعاد افراد الشرطة بخفي حُنين وانقذتهم من محكمة إضافية جديدة.

لأبي محمد نكتة مع الرفيق إبراهيم (أبو نادر) عندما جاء ليطلب تبرع مبلغ خمسين ليرة في ذلك الوقت، فقال له أبو محمد "معك خمسين حتى اعطيك مائة ليرة؟" فأعطاه أبو نادر الخمسين، عندها ضحك أبو محمد وقال له "والله ما معي مصاري، وبدي اروح على الشغل في تل ابيب وكنت متحيّر من وين بدي استقرض المصاري، بس هياك انت انقذتني يا أبو نادر، بس وحياتك الأسبوع القادم سوف تأخذ الخمسين ليرة مائة ليرة" وفعلا هذا ما كان عندما عاد من العمل في تل ابيب.

يمكن ان اتحدث الكثير الكثير عن ابي محمد وصدقه ووفاءه وكرمه، لقد كان بالنسبة لي خسارة كبيرة لا تعوّض وسوف لن انساك يا اخي العزيز الصادق المعطاء ولتبقى ذكراك خالدة يا أبا محمد والى جنّات الخلد.

 

عرابة البطوف

إعلانات

;