news
حدث وموقف

السودان.. لماذا السير في الطريق الذي قاد للأزمة والثورة؟!

يبدو أن سياسة وزير المالية ابراهيم البدوى تهدف للسير في الطريق الذي قاد للأزمة، من خلال التوجه الخارجي بالتعويل علي العون الخارجي من الإمارات والسعودية والمزيد من القروض من البنك الدولي (مليارا دولار من البنك الدولي، إضافة للمنحة الإماراتية السعودية 3 مليارات دولار)، وشروط صندوق النقد للتمويل، رغم تصريحه انه لن يرفع الدعم حاليا عن السلع، ولكن سوف يتم رفعه لاحقا، وتبني سعر الصرف المرن، ورفع الدعم العيني، واستبداله بالدعم النقدي ( 300 جنية لكل مواطن، غير معروف علي أي أساس تمّ تقديرها، علما بأنها لا تكفي حتى مواصلات فقط !).

 معلوم أن قروض صندوق النقد الدولي مشروطة علي حساب الكادحين، وبتخفيض العملة، وتحرير سوق الصرف، والخصخصة وتشريد العاملين، وتحرير التجارة الخارجية، وفتح الباب للاستثمار الأجنبي، وتسهيل تحويل الأرباح، ودمج السودان بالنظام الرأسمالي العالمي في تبادل غير متكافئ يكرّس المزيد من التبعية واثراء القلة علي حساب  افقار الملايين من الكادحين. وهذه السياسة تقودنا للطريق الذي سارت عليه طغمة (الانقاذ)، وكانت النتيجة المزيد من تعميق الأزمة، مما أدي لثورة ديسمبر التي ما نزال جذوتها متقدة، ومستمرة حتى تحقيق أهدافها.

أكدت تجربتنا بعد الاستقلال أنه لا خير في تنمية لا تراعي واقع وخصائص السودان واحتياجاته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتستهدف تلبية احتياجات الانسان السوداني الأساسية في: تحسين المعيشة وتركيز الأسعار ورفع الأجور، وتخفيض الضرائب، والتعليم والصحة  وبقية الخدمات وتطويره من كل الجوانب ، والتوجه الداخلي بدلا من التنمية التابعة والدائرة في فلك الرأسمالية العالمية التي جربها شعبنا لأكثر من 60 عاما بعد الاستقلال، وكانت النتيجة الفشل والعجز عن انتشال الانسان السوداني من وهدة التخلف، والفقر والحروب والقمع، والاعتماد علي العون الخارجي بدلا من الإنتاج الزراعي والحيواني والخدمي، وتنمية فئات رأسمالية محددة علي حساب الأغلبية الساحقة من الفقراء والكادحين. وديون خارجية بلغت أكثر من 62 مليار دولار في حين أن أصل الدين 18 مليار دولار والباقي تراكم للفوائد!

لقد عمّق نظام (الانقاذ) التخلف، وسار في طريق التنمية الرأسمالية بشكل وحشي ودموي، رغم رفع شعارات الاسلام، الا أنه نفذ سياسة البنك والصندوق الدوليين والليبرالية الاقتصادية فتم : تحرير الاقتصاد والأسعار، واقتصاد السوق، والخصخصة وتشريد العاملين، وتصفية حتى مؤسسات القطاع العام الرابحة!، والتخفيض المستمر للجنية السوداني. الخ وكانت النتيجة: تزايد الفقر ليشمل 95 % من السكان، إضافة للبطالة وتشريد الآلاف من العاملين؛ تدهور قيمة الجنية السوداني وتفاقم التضخم والغلاء، ورفع الدعم عن التعليم والصحة وفرض الرسوم المباشرة وغير المباشرة؛ تدهور الإنتاج الزراعي والصناعي ، وتفاقم النشاط الرأسمالي الطفيلي والفساد؛ تبديد الفائض الاقتصادي في الصرف البذخي، والصرف الضخم علي جهاز الدولة، وزيادة ميزانية الأمن والدفاع لتصل 76 %، وتهريب عائدات البترول والذهب والأموال للخارج؛ التفريط في السيادة الوطنية الذي فتح الباب  للاستثمار الأجنبي الضار بمصالح البلاد، وتخصيص أراضي واسعة لهم تصل لملايين الأفدنة، ولفترات زمنية تصل إلي 99 عاما!!، مما أضر بأصحاب المصلحة من الرعاة والمزارعين، مما يتطلب إعادة النظر فيها.  

بدلا من هذه السياسة التي قادت للأزمة مهم التوجه للداخل أولا، أي التوجه لاستعادة ممتلكات الدولة والأموال المنهوبة، ومصادرة أصول المؤتمر الوطني، ووضع الدولة يدها علي عائدات الذهب  وشركات الذهب والبترول، ولجم النشاط الطفيلي وسيطرته علي البنوك، ووقف تهريب الذهب والدقيق والوقود الخ.. وتقليص الصرف علي الأمن والدفاع والشرطة  والقطاع السيادي الذي استحوذ علي 88% من تقديرات الانفاق في موازنة 2018، في حين بلغت تقديرات الانفاق علي الصحة والتعليم والزراعة والصناعة مجتمعة 5,2 % فقط! إضافة لوقف الحرب وتحويل عائدها للتنمية والتعليم والصحة…الخ. بعد وضع كل ذلك العائد الضخم في يد المالية والدولة ، نبحث عما اذا كنا نحتاج لعون خارجي غير مشروط.

لا يمكن نجاح الفترة الانتقالية، والوصول إلي أهداف الثورة، في ظل السير في الطريق القديم الذي قاد للأزمة والاعتماد علي الخارج والمنح والقروض التي تتزايد أعباؤها، بل يجب الخروج من هذا المسار، فلا توجد دولة في العالم تحترم نفسها تعتمد علي الهبات والقروض وتضطر لتنفيذ روشتة صندوق النقد الدولي الذي يعني المزيد من الافقار والتبعية والتفكك كما حدث في فصل جنوب السودان، ولا سيما في بلد كالسودان غني بموارده .

  فما هو البديل؟ البديل هو السير في طريق التنمية المستقلة التي لا تعتمد فقط علي القروض والهبات، دون الانغلاق عن العالم؛ اتوجه الداخلي للتنمية الذي يفجر الفائض الاقتصادي لمصلحة شعب السودان وتوفير الغذاء واحتياجاته الأساسية من تعليم وصحة وخدمات وتنمية متوازنة بين كل أقاليمه؛ التخطيط والتقليل من استيراد السلع الكمالية، وتوسيع التعليم المهني اللازم للتنمية، ووقف تهريب الذهب والأموال والسلع النادرة والآثار؛ أن تكون المساعدات الخارجية مندمجة في خطة التنمية ، وأن تكون القروض قليلة الفائدة، وعدم الاعتماد فقط علي الهبات والمعونات الضارة بالبلاد؛ السيادة الوطنية، وعدم الدخول في المحاور، والمنفعة المتبادلة مع كل دول العالم، وخروج البلاد من محور حرب اليمن وسحب قواتنا منها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتصفية كل خلايا الارهاب من كل مفاصل الدولة  التي زرعها نظام الانقاذ الارهابي، وتصفية مليشيات "الدعم السريع، الوحدات الجهادية الطلابية، الدفاع الشعبي، كتائب الظل" ، وإلغاء قانون الأمن ليصبح لجمع المعلومات وتحليلها ورفعها،  وبذلك نضمن فعلا لا قولا  خلو البلاد من الارهاب الذي يهدد شعب السودان والدول المجاورة، ورفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لضمان استقرار الاستثمار في السودان، وتقديم المساعدات اللازمة؛ عودة أراضي البلاد المحتلة "حلايب – شلاتين – الفشقة"؛ ترسيخ الديمقراطية والتعددية وتفكيك الشمولية ودولة الحزب الواحد لصالح دولة الوطن المدنية الديمقراطية التي تسع الجميع غض النظر عن الدين أو العرق أو اللغة أو الثقافة، مما يرسخ السلام والحل الشامل والعادل في مناطق النزاع والحروب.

 واخيرا، بدلا من الحديث العام عن دعم الفترة الانتقالية، يجب اتخاذ  تلك خطوات المهمة لنجاحها، بهدف والوصول للسلام الشامل والعادل ووقف الحرب، وعقد المؤتمر الدستوري في نهاية الفترة الانتقالية ليقرر شكل الحكم في البلاد، واقرار دستور ديمقراطي بمشاركة الجميع، وقانون انتخابات ديمقراطي، ولجنة انتخابات مستقلة ومحايدة لضمان انتخابات حرة نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية.

(موقع الحزب الشيوعي السوداني)

 

كلام الصورة: "البديل هو السير في طريق التنمية المستقلة" – الصورة: سودانيون يحتفلون باتفاقية تقاسم السلطة (رويترز)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب