news-details

الناتو وسيلة ترامب للسيطرة والابتزاز

صلاح دباجة

 

أصدر قادة حلف شمال الأطلسي بيانا ختاميا مشتركا، أمس الأول الأربعاء في لندن، تحدثوا فيه عن وحدتهم وضرورة ما سموه "التطلع للمستقبل سويا من اجل الحفاظ على الامن". وأقر البيان بالتحديات التي يمثلها تصاعد نفوذ الصين متعهدا بتحرك أقوى.

وقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ينس ستولتنبرغ في مؤتمر صحفي: "لدينا خطط لحماية جميع الأعضاء بما فيها دول البلطيق"، مضيفا أن "كندا والدول من خارج أوروبا اتفقت على زيادة الإنفاق في الحلف"، كما اتفقت الدول الأعضاء في الحلف على تشغيل أنظمة الجيل الخامس من الاتصالات وذلك من خلال شبكات مؤمنة فقط.

وفيما يتعلق بروسيا، قال ستولتنبرغ : "حلف الناتو دائما ما يفضّل الحوار مع روسيا، وعلينا تجنب سباق تسلح معها لأن ذلك سيكون مكلفا وخطيرا".

وعشية انعقاد اجتماع قادة حلف الناتو في لندن قلل المتحدث باسم الحلف من أهمية هذا الاجتماع ورفض ان يطلق عليه اسم قمة، رغم انه ينعقد بعد مرور 70 عامًا على انشاء الحلف في العام 1949. وأوضح انه لن تصدر عن الاجتماع أي بيانات مطولة تكشف عن النتائج والخطط المستقبلية للحلف كما هو متبع. وهنا يطرح السؤال: لماذا هذا التحفظ هل هو استباق لفشل قد يحصل او انسحابات متوقعة من الحلف او مجرد الحفاظ على السرية ام انه يعكس حالة من التشاؤم بين الدول الأعضاء فيه؟ خصوصا بعد ان وصف الرئيس الفرنسي الحلف بانه في "حالة موت سريري"، وفي خضم تهديدات ترامب بشأن ميزانية الحلف ورفض إدارته الاستمرار في "تمويل مصروفات الدفاع عن دول أوروبا" وتقليص مساهمتها في ميزانية الحلف، من 22% إلى 16% من المبلغ الإجمالي لإرغام دول أوروبا وكندا على تعويض الخسائر. وفي ظل احتدام التناقضات بين دول الحلف وتقوي النزعة الانفرادية لدى بعضها وخاصة الولايات المتحدة وتركيا. يبدو ان هذا الوضع المأزوم لحلف الناتو اليوم قد يبرر نظرة التشاؤم والإحباط تلك. 

تأسس حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كتحالف عسكري سياسي ضد الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية سابقًا وحركة التحرير الوطني، بمبادرة من الولايات المتحدة بادعاء وجود تهديد لأمن أوروبا الغربية وعدم كفاءة الأمم المتحدة بسبب مبدأ إجماع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.

بدأت أنشطة الحلف في أوج الحرب الباردة، على أساس معاهدة شمال الأطلسي، الموقعة في واشنطن في 4 أبريل 1949 من قبل ممثلي حكومات الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا، بلجيكا، هولندا، لوكسمبورغ، كندا، إيطاليا، البرتغال، النرويج، الدنمارك وأيسلندا في عام 1952 انضمت اليونان وتركيا إلى المعاهدة، في عام 1955 – ألمانيا. وهو يضم اليوم 29 دولة. وهدفه المعلن "ضمان الأمن الجماعي لأعضائه"، رابطًا أمن الولايات المتحدة بأمن حلفائها الأوروبيين في مواجهة الاتحاد السوفييتي سابقًا. وفي هذا يتجلى الهدف الحقيقي لحلف الناتو وهو محاربة الشيوعية وحماية المصالح الكونية للدول الامبريالبة وهذا بالذات ما هو مشترك بين أمن الولايات المتحدة وبين أمن الدول الأوروبية.

شارك حلف الناتو في الحرب في البوسنة عام 1995 وفي الحرب في يوغوسلافيا في 1999 وفي الحرب في أفغانستان في2001 وفي العدوان على ليبيا 2011. وسقط في هذه الحروب عشرات الألوف من المدنيين وخلفت الدمار والمآسي في هذه الدول.

ويعمل الناتو اليوم على نشر نظام الدفاع الصاروخي على طول الحدود مع روسيا، البالغ طولها 1600كم، بزعم حماية أوروبا من هجمات الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.

ويحتوي النظام على معدات أمريكية وعسكريين لإدارة مواقع صواريخ على الأرض في رومانيا وأخرى في طور البناء في بولندا، فضلا عن نظام رادار تديره الولايات المتحدة في تركيا، وصواريخ اعتراضية تحملها سفن حربية أمريكية في البحر الأبيض المتوسط.

وفي 2016، وافق وزراء حرب الناتو على نشر قوات عسكرية تابعة للحلف في لاتفيا وليتوانيا وإستونيا وبولندا.

وعلى الرغم من الشكوك التي أثارها ترامب حول جدوى حلف شمال الأطلسي والالتزام الجماعي بالدفاع وتهديده بأن الحماية الأمريكية لن تكون إلا لأولئك الذين يدفعون ما يكفي من المال، فان ما يريده هو ابتزاز حلفائه من خلال اختلاق المخاطر وتهويلها بشأن أمن دول أوروبا "المهدد" من جانب روسيا والصين لهدفين أثنين، الأول والملازم لترامب كرجل أعمال، ابتزاز المزيد من المال، أي ان تمول الدول الاوربية تكاليف انتشار القوات الامريكية وقواعدها العسكرية في أوروبا، كما هو الامر في السعودية!  والثاني ان الحماية الامريكية لهذه الدول تمكن ترامب من التدخل في التطورات التي تشهدها أوروبا، الامر الذي يُبقي هذه الدول ضمن السيطرة الامريكية وهذا ما يعطيه الدعم في مواجهة روسيا والصين وفي تنفيذ أي من مخططاته العدوانية ضد دول لا يروق له أنظمتها.

ويعي ترامب حقيقة عدم رغبة الدول الأوروبية الأعضاء بالناتو، بالمجازفة بفقدان الدعم الأميركي في حال عدم تقديم المساهمة المطلوبة للحلف. لذلك يواصل الضغط لإرغام هذه الدول، إرغامها على تخصيص المزيد من الدعم للناتو.

ففي العام 2019، العام الخامس الذي يشهد زيادة في إنفاق أعضاء آخرين في الناتو غير الولايات المتحدة. وكانت الزيادة الكبرى في مساهمات دول شرق ووسط أوروبا وتركيا.

وأظهر تقديرات الحلف لعام 2019 أن ثمانية أعضاء، إلى جانب الولايات المتحدة، ينفقون الآن 2 في المئة أو أكثر من إجمالي الدخل القومي على الامن. وهذه الدول هي اليونان وبريطانيا وأستونيا ورومانيا وبولندا ولاتفيا وليتوانيا وبلغاريا.

أما الدول الأوروبية الأخرى الأعضاء في الحلف فقدرت نسبة إنفاقها في عام 2019 ما بين 1 إلى 1.99 في المئة. ووصل إنفاق فرنسا إلى 1.84 في المئة وألمانيا إلى 1.36 في المئة.

ويقول المسؤولون الأوروبيون إنه في الوقت الذي يشكل فيه الإنفاق العسكري الأمريكي 70 في المائة من الميزانيات العسكرية لدول التحالف مجتمعة، فإن 15% فقط من الإنفاق الأمريكي ينفق في أوروبا على شؤون عسكرية مرتبطة بحلف الأطلسي. ومع ذلك، يؤكد رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك أن الاتحاد الأوروبي ككل ينفق على الأمن أكثر من الصين وروسيا.

وزيادة الإنفاق العسكري للناتو يجب ان تزيد من القلق بشأن أنشطة الحلف خاصة على ضوء عدم وجود تهديد حقيقي!! ويبدو أنَّ الناتو إما انه يخطط لأنشطة عدوانية وتوسعية على نطاق واسع في العالم واما انه يستهدف جر روسيا والصين الى جولة ثانية من سباق التسلح تكون نتيجتها انهيار الصين كما سبق ان انهار الاتحاد السوفييتي في الجولة الأولى من هذا السباق، وكذلك الحد من تساع نفوذ روسيا في العالم.

وهذا ما حذر منه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بالقول إن أعمال الناتو على حدود روسيا تهدف إلى "تقويض عقود من التكافؤ العسكري". اما وزارة الخارجية الروسية، فأكدت إن تعزيز الإمكانات العسكرية للناتو بالقرب من حدود روسيا يهدد الاستقرار والأمن في أوروبا.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب