news-details
حدث وموقف

ترامب يقود الاقتصاد نحو ازمة خطيرة

انطلقت يوم الثلاثاء في مدينة دافوس السويسرية أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دورته الخمسين، تحت شعار "نريد أن نجعل العالم مكانا أفضل". وينعقد المنتدى في ظل تصاعد التوتر في منطقة الشرق الأوسط، وارتفاع مخاطر التغير المناخي وفي ظل قلق بشأن وضع الاقتصاد العالمي، إذ خفض صندوق النقد الدولي عشية المنتدى توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي للعام الحالي بـ0.1%.

ويشارك في المنتدى أكثر من 3000 من قادة دول وحكومات ومنظمات ورجال أعمال وشخصيات قيادية بارزة في مجالات أكاديمية وأعمال خيرية من حول العالم. وينتهز الكثير من المشاركين هذه الفرصة لعقد اجتماعات خاصة تتناول قضايا مثل الاستثمار في بلدانهم، ولإبرام صفقات تجارية.

وغالبًا ما تستغل شخصيات بارزة منصة المنتدى للتأثير في عملية تحديد أولويات السياسة العالمية والدفع بقضايا معينة إلى مقدمة الاهتمام العالمي.

في المقابل تستغل القوى المناهضة للعولمة والاستغلال البشع وكذلك أنصار البيئة هذه المناسبة كل سنة للتظاهر والاحتجاج ورفع الشعارات المنددة بجشع أصحاب رؤوس الأموال وبالسياسة التي تحمي مصالحهم حول العالم والمطالبة بإلزام الشركات، التي تقدم نفسها كطرف لحل المشاكل التي هي ذاتها اوجدتها، بتحمل مسؤوليتها في مجال حقوق الإنسان والانتهاكات البيئية.

وفي هذا العام استغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منصة المنتدى للتحريض، كعادته، على من وصفهم بـ"نذر الشؤم" في مجال البيئة، واصفًا التحذيرات من أزمة مناخية بـ"الحمقاء"!! ولم يتورع عن الترويج للوقود الأحفوري (الوقود الذي يعتصر من الصخر)، في رسالة تتناقض كليًا مع التحذيرات المصيرية التي يطلقها نشطاء الدفاع عن البيئة!! ويأتي هذا بعد حرائق الغابات الهائلة التي اجتاحت مناطق كبيرة في أستراليا تزيد عن مساحة سويسرا بعدة أضعاف.

ترامب فاخر بالتحسن الذي يشهده الاقتصاد الأمريكي من خلال سياسة الابتزاز التي مارسها منذ دخوله البيت الابيض والتي تتعارض بشكل صارخٍ مع كل ما هو متفق عليه في مجال التجارة الدولية!!  سياسة ترامب التي قادت الى زيادة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، واحتدام القلاقل الاجتماعية في العديد من دول العالم، وتدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين، وزيادة عمق الاحتكاكات الاقتصادية وعدم الاستقرار في الأسواق العالمية حملت صندوق النقد الدولي، عشية المنتدى، على خفض توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي هذا العام من الـ3.4% التي كان قد أعلن عنها في تشرين الأول الماضي، إلى 3.3%. كما خفّض صندوق النقد الدولي أيضًا توقعاته للنمو الاقتصادي في العام 2021 بنسبة 0.2%، لتبلغ 3.4%، مشيرًا في تقريره أنه "لا توجد أي علامات تذكر على نقاط تحول في بيانات الاقتصاد الكلي العالمية". وقالت رئيسة صندوق النقد الدولي إن الحرب التجارية التي يخوضها ترامب ستكلف النمو العالمي نحو 700 مليار دولار بحلول العام 2020.

كذلك توقع صندوق النقد الدولي أن ينخفض النمو في الولايات المتحدة الأمريكية من 2.3% في 2019 إلى 2% في 2020، ثم إلى 1.7% في 2021. هذا على الرغم من توقيع اتفاق التجارة مع الصين الذي أعاد بعض الاستقرار للأسواق العالمية. ويعتبر بعض الاقتصاديين ان نسبة النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة ليست مؤشرًا حقيقيًا على انتعاش اقتصادي وانما بسبب زيادة نسبة الاستهلاك نتيجة ضخ سيولة زائدة الى الأسواق مع انخفاض سعر الفائدة وهذا ما يعتبر في الاقتصاد المال "السهل" او "الرخيص". وهذا بالذات ما قاد الى ازمة 2008.

ويبدو ان هذا التراجع في النمو الاقتصادي على مستوى العالم وفي الولايات المتحدة -أكبر اقتصاد عالمي - في ظروف تعاظم الدين العالمي الذي تجاوز 3,22 مرة حجم الإنتاج العالمي الكلي اذ بلغ 253 ترليون دولار، واتساع رقعة الاضطرابات الاجتماعية في العديد من دول العالم، في الشرق الأوسط وامريكا اللاتينية وحتى في الدول المتقدمة في أوروبا، وتلاشي الآمال في التعاون الاقتصادي الدولي بفعل الحرب التجارية. أضافة الى تصعيد التوتر في العديد من المناطق وخاصة في منطقة الشرق الأوسط بسبب سياسة الهيمنة والابتزاز العدوانية التي تقودها واشنطن وحلفائها في المنطقة، كل ذلك يضعف من إمكانيات مواجهة هذا التدهور، الذي قد ينذر بأزمة اقتصادية قريبة وأشد وطأة من أزمة 2008.

وفي مثل هذه الأوضاع فان الخروج من مثل هذه الازمة لن يكون سهلًا ولن تنجح الولايات المتحدة في تصدير أزمتها الى اوروبا او الى دول أخرى كما حصل في ازمة 2008 بسبب تلاشي الثقة بالإدارة الامريكية وعملًا بمثلنا الشعبي "لا يلدغ المرء من الجحر مرتين". لكن سيكون لهذه الازمة أثارٌ سلبية كبيرة على مجمل التطور الاقتصادي في العالم، كون الاقتصاد الأمريكي يساوي 25% من الاقتصاد العالمي. وكون الولايات المتحدة لا تزال تمتلك الوسائل والامكانيات لتحقيق ما تصبو اليه.

فهناك مجموعة من المتغيرات الجذرية في النظام الاقتصادي العالمي والتي مكنت ارباب رؤوس الاموال من الهيمنة في العلاقات الدولية وإخضاع السياسات الاقتصادية لخدمة توجهاته الرامية إلى تركيز الثروة في أيدي المُجَمَّعِ المالي، ففي الولايات المتحدة يملك 1% من السكان فقط أكثر من %40 من الثروة. ويحاول هذا المجمع فرض أجندته الخاصة المتميزة بالفوضى والتلاعب بأسعار السلع وخلق مشتقات مالية يمكن من خلالها الاستحواذ على مدخرات الأفراد محليًا ودوليًا وامتصاص ثروات البلدان الصاعدة واستثماراتها وأصولها الخارجية.

ومن الطبيعي ان يكون أكثر ضحايا الازمات الاقتصادية تضررًا هم العاطلون عن العمل والمتقاعدون والفقراء والعمال الذين يفتقدون مكان العمل والفلاحين الذين يتوجب عليهم جميعًا التأقلم سريعًا مع الازمة من خلال الاستغناء عن بعض "كماليات" القرن الواحد والعشرين مثل استبدال المسكن بمسكن اقل ثمنًا او بيع السيارة اذا ما وجدت او الاستغناء عن وجبة طعام او الامتناع عن نوعيات معينة من الأطعمة او عدم شراء الدواء او سحب الأبناء من المدارس وكل هذه الإجراءات تزيدهم فقرًا على فقر ويبقوا محاصرين فيه لأجيال عديدة. هذا هو الاذلال الحقيقي للإنسان المنتج في ظل الرأسمالية الجشعة.

هذه الحقائق القاسية للمشهد العالمي غير الإنساني وغير المتكافئ للغاية بسبب عدم المساواة وانعدام الأمن الوظيفي وإملاءات صندوق النقد والبنك الدولي فجرت احتجاجات جماهيرية في عشرات البلدان المتقدمة والنامية وان العديد منها لا تزال مستمرة. وان استمرار هذه الاحتجاجات لأشهر طويلة ما هو الا دليل على إصرار هذه الجموع على حياة حرة كريمة.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب

المزيد..