news
حدث وموقف

هَرَبًا من أزمتهما ترامب ونتنياهو يقامران بالحق الفلسطيني

سارع النظام السعودي إلى مباركة جهود ترامب لتصفية القضية الفلسطينية. واعتبر نظام الإمارات الصفقة نقطة انطلاق مهمة الى المفاوضات بقيادة أمريكا. اما النظام القطري فاعتبر الصفقة مسعى لإيجاد حلول رابطًا رفاهية الشعب الفلسطيني بتحقيق السلام وواعدًا بانه لن يتأخر عن تقديم المساعدة، كعادته في شراء الدمم. ودعا النظام

المصري، الذي لم يتورع عن تقدير جهود أمريكا، إلى فتح قنوات الحوار!!

والمخزي والمريب أكثر هو مشاركة دول عربية، الامارات وعُمان والبحرين، بكل وقاحة ودون أي خجل، في مسرحية ترامب ونتنياهو التي أعلن فيها عن الصفقة - عن جريمة القرن - على الرغم من مناشدة القيادة الفلسطينية للدول العربية "الشقيقة" بمقاطعة هذه المهزلة!! هذا بعض ما كشفت عنه وسائل الاعلام وبالتأكيد أنَّ المخفي من التآمر العربي والخيانة العربية أعظم. والدليل على ذلك تباهي نتنياهو شبه اليومي بعمق واتساع عملية التطبيع مع الدول العربية والزيارات المكوكية السرية والعلنية لمسؤولين إسرائيليين الى الدول العربية واستقبال الوفد العربية الرسمية، المعلن عنها وغير المعلن، في إسرائيل.

يبدو للوهلة الأولى ان التاريخ يكرر نفسه، فقبل أكثر من مئة سنة كان وعد بلفور المشؤوم، الذي مهد لنكبة شعبنا في 1948 والمستمرة حتى الان، واليوم جاءت صفقة القرن تمهيدًا لاستكمال المخطط الصهيوني-الاستعماري الاجرامي للسيطرة على ما تبقى من الأرض الفلسطينية وتصفية حقوق شعبنا بالكامل وكل ذلك بالطبع بموافقة أنظمة العمالة والخنوع في العالم العربي بالسر والعلن.

ففي الحالة الأولى تمكنت الدول الامبريالية من كسب تأييد الرجعيات العربية من خلال تهويل التخويف من "المد الشيوعي" وظهور حركات قومية ووطنية في العديد من دول المنطقة الأمر الذي يتهدد مستقبل هذه الأنظمة.

أمّا في الحالة الحالية فقد نجحت إدارة المأفون ترامب في اذكاء نار الفتنة بين السنة والشيعة في المنطقة من خلال تهويل الخطر الإيراني على أمن واستقرار المنطقة الى حد ان ذلك يستوجب إقامة تحالف عسكري من دول المنطقة بما فيها إسرائيل للتصدي لـ"التهديد الإيراني" وهذا الامر يستدعي تعميق التطبيع بين الدول العربية وبين إسرائيل.

وأنَّ ما يعيق هذه العملية هو القضية الفلسطينية. هذا أهم المُمَهِّدات لصفقة القرن.

اما فيما يخص التوقيت فقد جاءت بعد قبول محكمة الجنايات بفتح تحقيقات بملفات ارتكاب إسرائيل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الضفة الغربية وقطاع غزة الامر الذي يشكل تهديدًا للسياسيين والعسكريين الإسرائيليين.

كما جاءت قبيل الانتخابات البرلمانية في إسرائيل وقبل انتخابات الرئاسة الامريكية في الوقت الذي يواجه فيه أبا هذه الصفقة - ترامب ونتنياهو - اتهامات قد تطيح بكليهما من الحكم. وفي مثل هذا الحال لا يتورعان عن المجازفة، مهما عظمت وحتى لو كانت مقامرة بمصير شعب، لتجنب هذا المصير!!

اما مضمون الصفقة فَهْوَ جملة من الاملاءات المنحازة كليا لإسرائيل وبناء عليه هي ليست صفقة للتسوية بين طرفين متنازعين لان الطرف الفلسطيني غير قائم وهي أيضًا ليست خطة لحوار او قاعدة لمفاوضات، كما تحاول بعض الأنظمة العربية العميلة تصويرها!!

وكل ما يستهدفه هذا المخطط المشؤوم هو السيطرة على 40% من أراضي الضفة الغربية المحتلة بما فيها القدس، عاصمة الدولة الفلسطينية، والاغوار الشمالية وفرض السيادية الإسرائيلية على المستوطنات إضافة الى شطب حق العودة من خلال الزعم الأمريكي ان عدد اللاجئين لا يتجاوز 50 ألف لاجئ (عددهم الرسمي يتجاوز 6 ملايين) وان عودتهم ستكون الى الدولة الفلسطينية فقط وعلى مدار عشر سنوات. إضافة الى مشروع توطين اللاجئين في أماكن إقامتهم في لبنان والأردن والدول العربية  الاخرى. كما يتضمن المخطط تبادل أراضي اذ ان الأمر لن يقتصر على مناطق في النقب بل قد يمتد إلى المدن والبلدات العربية في المثلث مثل الطيبة وكفر قاسم والطيرة وكفر برا وجلجولية. والحديث يدور عن نقل(ترانسفير) 250 ألف مواطن عربي من إسرائيل الى الدولة الفلسطينية.

اما فيما يتعلق بالقدس، الامتناع عن تقسيم المدينة، والإبقاء على جدار الفصل بين المدينة وأحيائها الشرقية كحدود للدولة الفلسطينية. وبخصوص الصلاة في الأقصى، الذي سيكون تحت السيادة الإسرائيلية، فستكون متاحة لجميع الديانات، والعاصمة الدولة الفلسطينية ستكون في كفر عقب وشعفاط وأبو ديس.

وتنص الصفقة على ان الدولة الفلسطينية يجب أن تكون منزوعة السلاح دون جيش. وستكون مهمة الأمن الفلسطيني الحفاظ على النظام العام، وتطبيق القانون، والعمل ضد الإرهاب بالتعاون مع إسرائيل والأردن ومصر وتشرط الصفقة منح الفلسطينيين دولة بعد اختبار قدراتهم الأمنية في مكافحة الإرهاب، وفي حال رأت إسرائيل أنهم يحاربون الإرهاب بالشكل السليم فسيتم البدء باختبار لمنحهم أجزاء من الضفة، وفي حال فشلوا في هذا الاختبار فسيكون لإسرائيل الحق باستعادة تلك المناطق.

كما اشترطت الصفقة عدة نقاط يتوجب تحقيقها قبل منح الفلسطينيين دولة والمتعلقة بقطاع غزة وهي: أن تسلم السلطة الفلسطينية أو أي جهة أخرى مقبولة دوليا، تُسَلِّمُ السيطرة الكاملة على القطاع ونزع سلاح حماس والجهاد الإسلامي وبقية الفصائل والإعلان عن قطاع غزة منطقة منزوعة السلاح بشكل كامل.

مِنَ الواضِحِ أنَّ كل ما يتضمنه هذا المخطط يتناقض بشكل مطلق مع جميع الثوابت الفلسطينية التي يجمع عليها شعبنا ويتناقض أيضًا مع قرارات الشرعية الدولية والأمم المتحدة ومجلس الامن ومع المطلب العالمي بحل الدولتين ويتجاهل بشكل سافر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ 1967 وما اقترفه من جرائم على مدار عشرات السنيين ويُشَرْعِنُ البناء الاستيطاني على الأرض الفلسطينية. لذلك أجمعت الفصائل الفلسطينية دون استثناء على رفض هذا المخطط الابرتهادي المنحاز وانتفض الشعب الفلسطيني بكل مكوناته في الضفة وغزة ومخيمات اللجوء لإسقاطه.

وشعبنا الفلسطيني الذي صمد طيلة هذه المسيرة الطويلة، منذ النكبة وحتى يومنا هذا بالتشبث بوطنه، وبقضيته العادلة، غير آبه بالتضحيات الجسام التي قدمها وما زال يقدمها، قادر على مواجهة هذا المخطط وقادر، كما قال الرئيس الفلسطيني، على ان يلقي به في مزابل التاريخ.

وعلى شعبنا ان يغتنم هذه الفرصة اليوم وليس غدًا لإنهاء الانقسام الفلسطيني البغيض بأسرع ما يمكن والعمل على حشد جميع طاقاته وعلى مختلف الساحات والعمل على تجنيد المزيد من التأييد العربي والدولي للتصدي لهذه المُؤامرة

الشرسة على حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وتحقيق ما يصبو اليه كل فلسطيني: دولة فلسطينية ذات سيادية على حدود1967 وعاصمتها القدس وحق العودة لجميع اللاجئين الفلسطينيين الى مدنهم وقراهم المهجرة.

ويجب ان يكون واضحًا للمتآمرين على حقوق شعبنا، ان شعبًا قدم هذا الكم الهائل من التضحيات وعلى مدار عشرات السنين لا يمكن ابتزازه بالأموال مهما كثرت وهو غير متلهف على ما يعرض علية من فتات اليوم. ففي الماضي غير البعيد عرضت على شعبنا خططًا أكثر سخاءً وأفضل من "صفقة القرن" ورفضها شعبنا بإصرار. كما ان شعبنا ليس على عجالة من تحقيق مبتغاه فمسيرة الشعوب التحريرية قد تمتد لعقود طويلة ولا يضيع حق وراءه مطالب.     

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب