news-details
شؤون إسرائيلية

أمنستي: إسرائيل تصدر سلاحا لدول متورطة بجرائم حرب

 *الأسلحة وصلت الى ثماني دول من التي ارتكبت جرائم ضد الإنسانية وضد سكانها*

كشفت صحيفة "هآرتس" اليوم الجمعة، في مقال لمحللها العسكري عاموس هارئيل، عن تقرير جديد لمنظمة العفو الدولية "أمنستي"، يعرض قيام إسرائيل بتصدير السلاح الى دول تدور فيها حروب أهلية، أو ترتكب جرائم حرب في شعوب أخرى. وهذا ليس التقرير الأول من نوعه، الذي يؤكد أن إسرائيل تغذي الحروب الأهلية في دول العالم، إما مباشرة، وإما من خلال "شركات أمنية" يقيمها ضباط احتياط في جيش الاحتلال.

ونستعرض هنا مقال عاموس هارئيل بتصرف، والذي يكشف جوانب عديدة لهذا التقرير الخطير.

رقابة صورية

"تقرير مفصل وموثق وشامل اصدرته "أمنستي" ينتقد بشدة سياسة التصدير الامني لإسرائيل. حسب المنظمة فان شركات اسرائيلية تواصل تصدير السلاح الى الدول التي تخرق بصورة منهجية حقوق الانسان. السلاح الذي يتم انتاجه في اسرائيل يخدم جيوش وتنظيمات ترتكب جرائم حرب. في التقرير يتم طرح بيانات عن ثماني دول كهذه حصلت في السنوات الاخيرة على معدات عسكرية من اسرائيل.

احيانا هذه المعدات القتالية تصل الى هدفها بعد عدد من الصفقات الفرعية، التي تتجاوز بذلك الرقابة الدولية والقواعد التي وضعتها اسرائيل نفسها. أمنستي تطلب من الحكومة والكنيست ووزارة الأمن القيام برقابة أشد على تصدير السلاح ووضع قواعد شفافية تبنتها دول اخرى في العالم الغربي، التي تتناول تصدير السلاح على مستويات واسعة.

في التقرير الذي عنوانه "بدون رقابة – السلاح سيكون في أيدي قتلة"، اشارت أمنستي إلى أن الاشراف على تجارة السلاح هو مسألة عالمية وليس محلية فقط. الرغبة والحاجة الى رقابة افضل على تجارة السلاح العالمية نبعت من احداث تاريخية مأساوية: ابادة شعب، حروب اهلية دموية، قمع عنيف من قبل الحكومات لمواطنيها... تطور ادراك أن بيع السلاح لحكومات وجيوش تستخدم العنف فقط تشعل الصراعات العنيفة وتؤدي الى تصعيدها. من هنا تطورت اتفاقات دولية تهدف الى منع انزلاق الوسائل القتالية الى انظمة ديكتاتورية أو قمعية.

في العام 2014 تم وضع ميثاق للرقابة على التجارة العالمية بالسلاح التقليدي. اسرائيل وقعت عليه، لكن الحكومة لم تصادق على ذلك، وحسب اقوال المنظمة ايضا لم تعمل بروح الميثاق وتبنيه في التشريع والسياسات. "أمنستي" قالت إنه توجد في العالم "نماذج تستخدم رقابة مناسبة على التصدير الامني، وايضا انظمة لتقديم تقارير شفافة وعالمية دون أن تعرض امن الدولة وعلاقاتها الخارجية للخطر. هذه النماذج اقيمت من قبل دول كبرى مصدرة للسلام مثل الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة. لا يوجد أي مبرر كي تواصل اسرائيل الانتماء الى النادي غير المحترم للدول المصدرة للسلام مثل روسيا والصين".

في العام 2007 سن الكنيست قانون الرقابة على التصدير الامني. القانون يعطي صلاحية لوزارة الأمن بالإشراف على التصدير الامني حسب تعليماتها، وادارة سجل التصدير الامني، واتخاذ قرارات بشأن طلبات منح رخص تصدير امني. القانون يعرّف التصدير الامني بصورة واسعة باعتباره تصدير معدات ومعلومات وخدمات امنية، ويحظر تصدير كهذا وحتى تسويقه بدون رخصة. قانون الرقابة لا يشمل تعليمات مفصلة تقيد التصدير الامني عندما يكون هناك احتمالية معقولة أن التصدير يستخدم في خرق القانون الدولي والانساني. مع ذلك يوجد حظر في قانون الرقابة على "الوساطة بين جهات خارجية لا تتفق مع قرار مجلس الامن الذي يمنع أو يقيد نقل المعدات القتالية أو معدات صواريخ، وهو القرار الذي يتطرق لهذه الجهات".

دعم أنظمة ديكتاتورية

حسب أمنستي "غياب الرقابة وانعدام الشفافية مكنت اسرائيل خلال عشرات السنين من تزويد المعلومات والمعدات الامنية لدول مشكوك فيها وانظمة ديكتاتورية غير مستقرة كانت منبوذة من قبل المجتمع الدولي". التقرير يقتبس مقال كتبه العميد احتياط عوزي عيلام، من كبار رجال جهاز الامن السابق، في 2007: "ستارة ضبابية كثيفة غطت دائما نشاط التصدير الامني.

الدول المستهدفة التي اعتبرت "مصابة بالصرع" من قبل المجتمع الدولي مثل تشيلي في عهد بينوشيه وجنوب افريقيا في زمن التمييز العنصري وجدت مكانها في قائمة اهداف التصدير من قبل اسرائيل. غطاء السرية ساعد في الحقيقة على تجنب الضغط الدولي، لكنه منع ايضا شفافية القرارات بشأن التصدير الى دول اشكالية وابقاء القرار في أيدي عدد قليل من الجهات، بالاساس الذين يوجدون داخل جهاز الامن.

جزء من تشخيص عيلام يعتبر ذي صلة اليوم. التقرير يقدم بينات ملموسة للتصدير الامني الاسرائيلي في العقدين الاخيرين الى ثماني دول متهمة من قبل المؤسسات الدولية بخرق شديد لحقوق الانسان. الدول المذكورة فيه هي جنوب السودان، مينمار (نيبال)، الفلبين، الكاميرون، اذربيجان، سيريلانكا، المكسيك واتحاد الامارات. في عدد من الحالات نفت اسرائيل بأنها صدرت السلاح لهذه الدول في وقت محدد، وفي حالات اخرى رفضت اعطاء تفاصيل.

استندت "أمنستي" في تقريرها على ابحاث منظمات حقوق انسان اخرى وتوثيق نشر في وسائل الاعلام من هذه الدول وعلى معلومات جمعها المحامي ايتي ماك، الذي يدير في السنوات الاخيرة صراع قانوني من اجل كشف صفقات السلاح الاسرائيلية مع دول مشكوك فيها. أمنستي تطابق بين وصف السلاح الذي تم تزويده وبين الاخلال بحقوق الانسان وجرائم الحرب التي تمت في هذه الدول في تلك السنوات. "أمنستي" تشير في التقرير الى أنه على عدد من هذه الدول فرض حظر للتزود بالسلاح وفرضت عليها عقوبات في الوقت الذي فيه اسرائيل تستمر في تصدير السلاح اليها.

سلاح إسرائيلي في حروب إبادة

في أمنستي قالوا إن "قانون الرقابة بالصيغة الحالية لا يوفر ولا ينجح في وقف التصدير الامني الاسرائيلي الى سيريلانكا التي قامت بذبح الكثيرين من مواطنيها، والى جنوب السودان حيث هناك النظام والجيش قاموا بتطهير عرقي وجرائم اخرى خطيرة ضد الانسانية مثل الاغتصاب الجماعي لمئات النساء والرجال والاطفال؛ والى نيبال التي ارتكب فيها الجيش ابادة شعب ورئيس الاركان الذي نفذ بالفعل صفقات سلاح مع اسرائيل متهم بذلك وبجرائم اخرى ضد الانسانية؛ والى الفلبين حيث أن النظام هناك والشرطة قاموا باعدام 15 ألف مواطن بدون أي تهمة أو محاكمة".

اعضاء المنظمة يكتبون أن هذا الفصل في التقرير "لا يرتكز مطلقا على تقارير وزارة الأمن بخصوص التصدير الامني الاسرائيلي، لسبب بسيط هو أن الوزارة ترفض نشر المعلومات". وحسب قولهم فان "عدم الشفافية المطلق لاسرائيل حول التصدير الامني يمنع نقاش عام حول الموضوع ويعيق البحث والنشاط الجماهيري لتحسين الرقابة على التصدير الامني".

نموذج بارز على ذلك هو وجود بنادق "غليل آيس" من انتاج اسرائيل في ايدي جيش جنوب السودان. "بدون توثيق للبيع لا يمكن معرفة متى بيعت وكم تم بيعه وعن طريق أي شركة سلاح تم ذلك وما أشبه. كل ما يمكننا قوله بشكل مؤكد هو أنه يوجد لدى جيش جنوب السودان بنادق "غليل" اسرائيلية، في الوقت الذي هناك حظر دولي للسلاح من مجلس الامن على جنوب السودان بسبب التطهير العرقي وجرائم ضد الانسانية واستخدام الاغتصاب كوسيلة قتالية وجرائم حرب يرتكبها جيش جنوب السودان ضد مواطنيه".

إخفاء معلومات بحجة السرية

حسب أمنستي، قسم الرقابة على التصدير في وزارة الأمن صادق على رخص التصدير للشركات الامنية الاسرائيلية لهذه الدول، رغم أن وضع حقوق الانسان هناك كان معروف. ورغم خطر أن التصدير الاسرائيلي سيخدم الاخلال بحقوق الانسان ورغم أنه على عدد من هذه الدول كان هناك حظر تصدير سلاح من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي. وعلى عدد منها توجد عقوبات من قبل هذه الدول أو من الامم المتحدة.

أمنستي توصي بعدة خطوات تمكن حسب رأيها تحسين الرقابة على التصدير الامني. هي تعتقد أن اسرائيل متخلفة بعشرين سنة عن التشريع الامني وبعشر سنوات عن التشريع الاوروبي في هذا المجال. "يوجد لغياب الشفافية تداعيات سلبية اخرى منها اخفاء المعلومات عن الجمهور"، قالوا في أمنستي. "النظرية التي تعمل وزارة الأمن بحسبها هي أنه ليس هناك أي مصلحة عامة لمعرفة الى من يتم تصدير السلاح وكميته وبأي شروط. الحديث يدور عن نظرية خاطئة يبدو أنها تنبع من الرغبة في الاخفاء، من خلال استخدام "لغة بالية" لحماية أمن الدولة وعلاقاتها الخارجية.

وكتب في التقرير ايضا أن "غطاء السرية هذا يصعب جدا على الوصول الى بيانات. حسب معرفتنا، المعلومات التي قمنا بجمعها وعرضها في هذا التقرير هي طرف الخيط. الاغلبية الساحقة للبينات التي تم عرضها هنا تستند الى منشورات رسمية للدول التي وصل اليها السلاح مثل صفحة الفيس بوك لرئيس اركان جيش نيبال أو موقع المتحدثة بلسان حكومة الفلبين".

معدو التقرير قالوا إن محاولة الحفاظ على السرية في عهد الشبكات الاجتماعية ووسائل الاعلام الدولية هي أمر مستحيل مصيره الفشل. "القارئ العادي سيسأل هل الدول العظمى المصدرة للسلاح (مثل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي) لا تخاف من المس بأمن الدولة من خلال اتاحة المعلومات بالفعل؟ أو أن أمن الدولة هو فقط ذريعة وغطاء السرية يستخدم للحفاظ على مصالح جهات معينة في اسرائيل؟".

3,1% من التصدير العسكري العالمي

المنظمة ذكرت أن اسرائيل تقع في المكان الثامن في قائمة الدول التي تصدر السلاح الثقيل. بين الاعوام 2014 إلى 2018 بلغ التصدير الامني الاسرائيلي 3.1 في المئة من التصدير الامني العالمي، مقارنة مع السنوات الاربعة السابقة، سجل ارتفاع بلغ 60 في المئة في تصدير السلاح الاسرائيلي. حسب التقرير، الزبائن الثلاثة الكبار للسلاح الاسرائيلي هم الهند واذربيجان وفيتنام.

ولكن معدو التقرير كتبوا أن الصناعة الامنية ليست فرع التصدير الاكبر والمدر الاكبر للارباح في اسرائيل. حسب وزارة الأمن التصدير الامني يشكل حوالي 10 في المئة من اجمالي التصدير الصناعي للدولة. "شركات امنية اسرائيلية تصدر الى حوالي 130 دولة في ارجاء العالم، منها الدول التي تعتبر حسب الامم المتحدة والمجتمع الدولي دول تخرق حقوق الانسان بمستويات شديد، هي الاقلية".

ولكن في اغلبها دول فقيرة وحجم صفقات التصدير الامني لمعظمها صغير نسبيا مقارنة مع باقي التصدير. حسب أمنستي فان حظر التصدير الامني الاسرائيلي الى الدول الثمانية المذكورة لن يضر بالصناعات الامنية أو ارباحها، وبالتأكيد ليس بالجمهور الاسرائيلي. "لا يوجد أي مبرر، اقتصادي أو دبلوماسي أو امني أو استراتيجي للتصدير الامني لهذه الدول".

في أمنستي يعتقدون أن "الوضع قابل للاصلاح". حكومة اسرائيل ووزارة الأمن يجب أن تزيد الرقابة والشفافية مثل الاغلبية المطلقة للدول المصدرة للسلاح الكبرى في العالم باستثناء روسيا والصين. حسب اقوال المنظمة، الطريقة الصحيحة والاكثر نجاعة للقيام بذلك ستكون من خلال تعديل قانون الرقابة على التصدير الامني واضافة بندين اساسيين. الاول، منع اعطاء رخص للتصدير الامني الى دول يوجد فيها خطر أن يستخدم هذا التصدير في خرق شديد لحقوق الانسان حسب القانون الانساني الدولي.

الثاني، تشكيل لجنة تكون مسؤولة عن فحص وضع حقوق الانسان في كل دولة هدف، التي يتم تشكيلها ليس فقط من موظفي وزارة الأمن ووزارة الخارجية، بل ايضا من باحثين أكاديميين ومنظمات لحقوق الانسان مثلما هي الحال في دول اخرى. "الرقابة لا يجب القيام بها فقط، بل يجب رؤيتها ايضا. ويوجد للجمهور الاسرائيلي الحق الكامل في معرفة الاعمال التي تتم باسمه وبالموارد التي تعود للجمهور"، جاء في التقرير.

تقرير أمنستي يرسم صورة مخيفة للوضع مدعومة بمعلومات موثوقة والى جانبها اقتراحات للتحسين تبدو معقولة جدا. وكما تشهد التقارير المتراكمة في السنة الاخيرة، فان المشكلة غير مقيدة بتزويد السلاح الخفيف، بل من شأنها أن تشتد بسبب نشر برامج سايبر هجومية تم تطويرها في اسرائيل، وامكانية استخدامها من قبل انظمة ظلامية. حتى لو تم هذا الامر بواسطة طرق ملتوية من المتعهدين الفرعيين فان الدولة لا يمكنها غسل يديها من ذلك. لذلك من الجدير الاصغاء، سواء الى الانتقاد أو الى الاقتراحات الموضوعية للتحسين التي تطرحها أمنستي ونشطاء ومنظمات حقوق انسان آخرين.

جندي في جنوب السودان مع سلاح اسرائيلي - تصوير الامم المتحدة
أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب

المزيد..