news
شؤون إسرائيلية

حسابات ليبرمان لدخوله حكومة نتنياهو

*هناك مغالاة زائدة، في جزم البعض بأن نتنياهو سيفشل في تشكيل الحكومة، وهذا استنتاج يعتمد كثيرا على تمسك ليبرمان، بمواقفه *ناحوم بارنيع وصف ذات يوم ليبرمان في وزارة الخارجية، بأنه يمارس "الدبلومافيا"، وبارنيع الدقيق في معلوماته، يعرف عما يجري الحديث*

 

"سؤال المليون" الإسرائيلي في هذه الأيام، ذو شقين: "هل سينجح نتنياهو في تشكيل الحكومة؟"، و"هل سينضم ليبرمان لها؟". فالجواب هو "لا" إذا اعتمدنا على تصريحات ليبرمان طيلة الأشهر الأخيرة، وبضمنها إصراره على موقفه بعد انتخابات نيسان، الذي قاد لحل الكنيست بعد 50 يوما من تلك الانتخابات. وكانت تلك مناورة "ناجحة" من ناحية ليبرمان، الذي رفع قوته من 5 مقاعد الى 8 مقاعد، وبات "بيضة قبّان" بوزن أثقل.

بداية، هناك مغالاة زائدة، في جزم البعض بأن نتنياهو سيفشل في تشكيل الحكومة، وهذا استنتاج رغم أنه قائم، إلا أنه يعتمد كثيرا، وحتى كليا، على أن أفيغدور ليبرمان، الزعيم الأوحد لحزبه "يسرائيل بيتينو"، سيتمسك بموقفه، وكأنه الى هذه الدرجة من النزاهة، ويفي بوعوده الانتخابية.

ولكن حقا أن الإجابة على سؤال نجاح نتنياهو بتشكيل الحكومة، مرتبط بحل "لغز" ليبرمان، إن صح تعبير "لغز" في هذه المسألة؛ فالأجندة الأساسية لليبرمان، هي شخصه، ومكانته السياسية، إلى جانب موقفه العدوانية العنصرية الشرسة.

وقد أثبتت سلسلة تجارب ليبرمان السياسية، أن ما يقوده هو قوته، والقدرة على التأثير في الموقع الذي فيه. كما يتميز بمساعدة مستشاريه، بقراءة المستقبل الحزبي، ويعمل له حسابات مسبقة، ويتصرف على أساسها، وهذا بالضبط ما فعله ليبرمان بعد انتخابات نيسان.

فكما نذكر، حصل ليبرمان في انتخابات نيسان على 5 مقاعد، وهي نتيجته الأسوأ منذ العام 2006، وقد بعثت هذه النتيجة القلق في داخل ليبرمان، إذ أن القواعد الانتخابية التي ارتكز عليها على مدى عقدين من الزمن تتقلص تدريجيا. فحتى وإن ظهر في نيسان أنه هو المقرر لحكومة نتنياهو، إلا أنه أخذ بالحسبان حل الحكومة في غضون أقل من عام ونصف العام، أمام فرضية صدور قرار نهائي بتقديم لوائح اتهام ضد نتنياهو بمستوى يمنعه من الاستمرار في منصبه.

وعلى أساس هذه الحسابات، بحث ليبرمان عن خشبة قفز، ووجدها في مسألة مناهضة سطوة الحريديم على الحكومة، ورفضهم إتمام تشريع قانون لفرض الخدمة الإلزامية على شبان الحريديم، الذين تمتنع غالبيتهم الساحقة جدا من الخدمة لأسباب دينية، رغم توجهاتهم اليمينية. واستند ليبرمان في موقفه الى أن مشروع القانون الذي مرّ حتى الآن بالقراءة الأولى، قد صاغه الجيش. وفي خلفية هذا، معرفة ليبرمان أن في داخل جمهور اليمين الاستيطاني المتشدد، جمهور يمقت الحريديم، ويصفه بالجمهور الابتزازي.

وقد نجحت مناورة ليبرمان في انتخابات الإعادة، بأن زاد قوته بنسبة 60% وحصل على 8 مقاعد، مقابل 5 في نيسان، وأن نتنياهو وتحالفه ضعُف من 60 مقعدا في نيسان، الى 55 مقعدا في أيلول، ما جعل "بيضة القبّان" الليبرمانية، أثقل وزنا في ذي قبل.

طيلة الحملة الانتخابية، أعلن ليبرمان أنه لن يقبل إلا بحكومة وحدة علمانية، تضم الليكود وكحول لفان وحزبه "يسرائيل بيتينو"، من دون الحريديم، ومن دون التيار الديني الصهيوني المتشدد دينيا. وفي هذه الحالة المقصود تحالف "يمينا". وقد هاجم ليبرمان نتنياهو كثيرا في الأشهر الأخيرة، ولكن في السياسة لا توجد عواطف، ففي نهاية المطاف المصالح الخفيّة، التي تحرك الأحزاب الإسرائيلية، هي المقررة، وفي هذا إشارة الى حيتان المال، الذين يرتبط ببعضهم ليبرمان أيضا.

شروط انضمام ليبرمان

أولا وقبل كل شيء، نجزم أن مصلحة ليبرمان الشخصية والحزبية، أن يكون هو المقرر في أي حكومة تتشكل؛ بمعنى أن لا يكون دولابا إضافيا، ولهذا فإن شعاراته بشأن حكومة الوحدة، مخادعة الى أقصى الحدود.

ولكن هذا الشرط، بات من السهل عليه أن يتنصل ليبرمان منه، بعد أن أعلن تحالف كحلون لفان، بجميع أقطابه، رفضه الجلوس في حكومة يرأسها نتنياهو، لكونه يواجه لوائح اتهام. وهذه الذريعة لا يلتفت لها ليبرمان، لكونه فاسدا لا أقل، وواجه قضايا فساد عديدة في السنوات الأخيرة، هو وحزبه.

ما يعني أنه في لحظة ما، سيقف ليبرمان ويقول للجمهور: لقد ضغطت لتشكيل حكومة وحدة، وها هو كحول لفان رفض؛ ولا يمكن إبقاء الحكومة والدولة معلقة رهينة لانتخابات ثالثة، فهناك الاقتصاد وتسيير الأعمال، مع الكثير الكثير من عبارات العسكر والتحريض، وما تسمى بـ "الأخطار الأمنية"، و"مستقبل صهيون". وبهذا يكون ليبرمان قد عبر الحاجز الأول نحو جلسة فطور صباحية مع نتنياهو، لنزع فتيل الضغينة المزعومة بينهما.

القضية الثانية، هي قضية قانون الخدمة العسكرية على شبان الحريديم. وللمعلومية، فإن المعارضة بقيت حاليا لدى مجموعة صغيرة من كتلتي الحريديم. فحركة "شاس" لا معارضة جدية لديها على القانون، كما أن غالبية نواب "يهدوت هتوراة" على استعداد لقبوله، باستثناء الحزب الذي يمثله نائب وزير الصحة يعقوب ليتسمان داخل يهدوت هتوراة، التي تتشكل من حزبين أساسيين، "أغودات يسرائيل" و"ديغل هتوراة"، وفي كل واحد منهما تيارات دينية، من المتدينين المتزمتين "الحريديم" الغربيين، بمعنى الأشكناز.

وليتسمان هو من حزب "أغودات يسرائيل"، ومن اتباع الحاخام غور، وهو التيار الأكثر تشددا في رفضه للقانون، ومعه نائبان من حزبه، ولكن "يهدوت هتوراة" تتخذ عادة مواقف جماعية، ولن يقبل الحزبان بالانشقاق، لأن لا أمل لأحدهما باجتياز نسبة الحسم في الانتخابات، بقائمة مستقلة. وهذا التحالف قائم منذ نهاية سنوات الثمانين.

السيناريو الذي ممكن افتراضه، وبقوة، هو وضع ليتسمان والحاخامات المقررين له، أمام خيار القبول بالقانون، مع وعود لتسهيلات في اتجاهات أخرى، أو تشكيل حكومة بديلة مع شركاء، ولربما كحول لفان، وتلك ستكون أكثر علمانية، وستقر القانون ذاته بسهولة.

ومن الاحتمالات الواردة، أن يتم الاتفاق على القانون، مع منح "يهدوت هتوراة" الحق بمغادرة الجلسة لدى التصويت، إذ أن هذا القانون يدعمه كحول لفان وأحزاب معارضة أخرى، ولا يمكنهم الاعتراض عليه.

وفي حال تبيّن أن سيناريو قانون الخدمة العسكرية قابلا للتطبيق، فإن وجبة الإفطار للمصالحة بين نتنياهو وليبرمان، ستتبعها أطباق من الحلوى، والتجوال في بساتين المقر الدائم لرؤساء الحكومة في القدس المحتلة.

ويبقى العنصر الثالث في تصريحات ليبرمان، وهو إعلانه رفض الجلوس مع المتدينين الصهاينة المتشددين، الذين يريدون مزيدا من قوانين الاكراه الديني. والبارز في هذا الملف، هو من يتولى حاليا منصب وزير المواصلات بتسلئيل سموتريتش، وهذا من السهل مطالبته بأن يخرس كليا في هذا الجانب، إذا أراد الإسراع في فرض ما تسمى "السيادة الإسرائيلية" على كامل مستوطنات الضفة، ولربما على أكثر من 60% من الضفة المحتلة.

السياسة الإسرائيلية يطغى عليها الفساد لدرجة التعفن، بالذات في السنوات الـ 25 الأخيرة، التي سجلت ذروة في عدد السياسيين الذين لوحقوا بالتحقيقات، وفي عدد الجالسين وراء القضبان. وهذا لا يعكس نزاهة حكم، فلكل واحد من الغالبية العظمى جدا منهم ملف في الدُرج، يسحبه من يسحبه في وقت ما، من أجل التخلص منه، فالغالبية الساحقة جدا من التهم التي وجهت لسياسيين، تكشفت بعد مرور سنين عديدة عليها، وبالتأكيد أنه كان من يعرف عنها لحظة وقوعها، والتأخير في الشكاوى هو أيضا مصدر لشبهات، بشأن الدوافع.

حينما تسلم ليبرمان لأول مرّة منصب وزير الخارجية في حكومة نتنياهو في العام 2009، لم يمر عام، حتى ابتكر المحلل السياسي في صحيفة "يديعوت أحرنوت" ناحوم بارنيع مصطلح "الدبلومافيا". ومعروف عن بارنيع دقته في ما ينشر، وابداعه في وصف الحقائق كما يراها.

ما يعني أننا لا نجدد في وصف نهج ساسة صهيون، بنهج عصابات المافيا. وعلى هذا الأساس، فإن ليبرمان ليس ذلك "النزيه" الذي سيتمسك بموقفه، إلا إذا كان موعودا، بوجبة غداء دسمة، أكثر من وجبة الفطور عند نتنياهو.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب