news-details
صباح الخير

من ذبذبات المؤتمر الثقافي الأول

كلّ حدث ثقافي أو فعل حضاري وله جملة من المعاني والوظائف والقيم. بعضها محسوبة لذاتها ومعلنة وبعضها عفوية وملحقة. تحدث على هامشه أمور جميلة وضرورية.. التقينا في عرابة الأبيّة في المؤتمر الثقافي الأول الذي عقده اتحاد الأدباء لأول مرّة قبل شهر تقريبًا. وكان تظاهرة أدبية وثقافية واجتماعية وحضارية في المقام الأول. من المعاني والقيم الملتحقة بمثل هذه المؤتمرات الكبرى أن يلتقي الواحد منا بأصدقاء لم يرهم زمنًا طويلا، أو زملاء في العمل أو على مقاعد الدراسة بعثرتهم الحياة فانقطع التواصل بينهم، أو أساتذة علّمونا في يوم من الأيام البعيدة. اللقاء مع هؤلاء هو محاولة لاستعادة تاريخ قد غبر. هو محاولة لإمساك بلحظة تتفلّت. ويحدث في كثير من الأحايين أن نلتقي مع أشخاص جدد تعرفهم بأسمائهم وسيماهم وتسمع عنهم من بعيد. هذا طبعًا بالإضافة إلى لقاء الأصدقاء الذين تجمعك بهم علاقة متواصلة. وكل هذا حدث معي في عرابة.

حتى هذا الذي حدث في أعقاب محاضرة الصديق الدكتور محمد هيبي عن فعل الرقيب كان من جملة المعاني العفوية الملحقة. وإن كان نبر الكلام وقتها قد ارتفع وصخب. لا يخيفني الصوت المرتفع بقدر ما يحضّني ويستفزّني إلى المزيد من النقاش والأخذ والردّ. لم أرتعب لسماع الصديق الجريء الشاعر مفلح طبعوني. تجمعني به محبّة خفيّة واحترام ظاهر منذ سنوات. أحبّ كلامه على العموم، لكني تفاجأت ممّا قاله في تعقيبه على محاضرة الدكتور محمد هيبي والتي انتقد فيها الحزب حين مارس نوعًا من الرقابة على بعض كتاباته. وكان انتقاده هذا جزءًا متساوقًا من مداخلته الأكاديمية، ولم يكن بأيّ حال من الأحوال اقتحامًا أو استغلالا لمنبر. وكان لي حديث صريح مع العمّ توفيق كناعنة أبو إبراهيم، وكلّ واحد منا قال رأيه بمنتهى الصراحة والوضوح. وهذا الرجل الحمش أحبّه واحترمه في السرّ والعلن في وجهه ومن وراء ظهره، لكنّ هذا لا يمنعنا من المصارحة والاختلاف الشديد أحيانًا. وثمّنت عاليًا صمت الصديق الدكتور محمد هيبي وهدوءه وقدرته على الإنصات والاستيعاب والاحتواء، وكأنّ الذي حدث قد حدث مع رجل لا يعرفه لا من قريب ولا من بعيد. وكان لهذا الأمر ذبذبات وتموّجات انفصلت عن مركزها لفترة ممتدّة. واصلنا النقاش، فالتقيت مرّة أخرى بالرفيق أبو إبراهيم والشاعر الصديق مفلح طبعوني على هامش الندوة الأدبية التي ناقشت أدب محمد نفاع قبل أيام معدودات. والنقاش العميق والجريء ما زال ممتدًا مثلما يليق بشعب حضاري يعرف كيف يؤسّس حواريّته على تداولات الرأي والرأي المضادّ.

كلّ هذا الذي حدث من المعاني الملحقة ولم يكن بطبيعة الحال من الأهداف التي خطّط لها المؤتمر. لكنها في ظني وتقديري لا تقلّ أهمية وقيمة عن تلك الأهداف المعلنة التي حسبها المنظّمون وسجّلوها. ما أحوجنا إلى مثل هذه المؤتمرات المثرية و"المستفزّة"، لعلها تساهم في تكريس ثقافة الحوار الصريح والجريء لا التدليس والمحاباة والمجاملات التي تقترب من حدود النفاق والكذب. ما أحوجنا إلى مثل هذه المؤتمرات المثرية و"المستفزّة"، لعلّها تساهم في تعميق اللقاء وتأكيد ثقافته وفلسفته، بدلا من القطيعة التي تؤصّل الكره وتثبّت المنطق المونولوجي العقيم.

إبراهيم طه

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب

المزيد..