news
فن وثقافة

تالين هزبر تحيي "بحرة" المنزل السوري

 

دمشق – من محمد الحمامصي- يتناول معرض "بنى مؤقتة" للفنانة والمهندسة المعمارية تالين هزبر دور الطبيعة والهندسة المعمارية في نقل ملامح التراث الثقافي، من خلال التركيز على تأثير استخدام النوافير، والمعروفة باسم "البَحرة"، التي تتوسط ساحات البيوت السورية التقليدية. المعرض افتتح أخيرا في إطار "معرض421" الذي يسلط الضوء على الإبداعات الفنية الإقليمية من كافة أنحاء المنطقة.

يشكل المعرض مفهوم البَحرة، والتي تعد نافورة مياه عادةً ما تتوسط ساحة البيت السوري التقليدي، حيث يركز على الناحية الجمالية للبَحرة والعلاقات الاجتماعية التي تتشكل في البيئة المحيطة بها. كما يسعى لفهم الارتباط بين التراكيب المعمارية للبَحرة والسياق والطقوس التي تدور حولها، والمستوحاة من التقاليد الثقافية والاجتماعية والدينية.

وقد تم تصميم المعرض من الأبعاد الأربعة التي تتشكل منها النافورة وتوزيعها في المحيط من أجل دراستها كقطع منفصلة، ومنح الزوار فرصة اختبار ما توحيه هذه التراكيب الفنية غير المترابطة. وقد تنوعت طريقة عرض البَحرات بين أنماط منعزلة وأخرى متصلة ببعضها البعض، في إشارة تسلط الضوء على العلاقة التي تجمعها بالبيئات المحيطة والسياق الاجتماعي الذي يدور حولها. 

تنطلق رؤية تالين هزبر من تلك الكلمات التي افتتحت بها الكتيب الذي صاحب افتتاح المعرض "عبر زقاق ضيق وإلى فناء واسع ذي أقواس فسيفسائية وأرضيات من رخام، صوت مياه متدفق يسمع، ورائحة الياسمين المغلفة داخل الصحن تشير إلى أجواء فردوسية دنيوية. ففي صحن البيت، الأرضية على شكل حصيرة حجرية ذات تشكيلات فسيفسائية هندسية كبيرة من الحجر البازلتي والأحمر والجيري الأبيض أو من قطع الرخام المشقف والملون بأشكال هندسية من الرخام الأبيض والأحمر والأسود.

مساحة للظل والراحة، مساحة للتجمع والعزلة. مساحة للتسامر والاحتفال والهمس. مساحة لكسر الخبز. مساحة لاحتساء القهوة والشاى. مساحة للجلوس حول بركة الماء.

وفي حديثها حول انطلاق المعرض، رأت أن عملها يقدم الفرصة لدراسة مفهوم البحرة، والذي يثير العديد من الأسئلة التي تتعلق بالجوانب الاجتماعية والثقافية والدينية للهوية السورية، ويساعد على دراسة وفهم تلك الجوانب بعيدًا عن النصوص والكتابات، ومن خلال نافورة المياه التي عادة ما تتوسط ساحة البيت السوري التقليدي. كما يركز على الروابط بين التراكيب المعمارية للبحرة وبين حياة الأشخاص في منطقة الشرق الأوسط التي تجمع بين الماضي والحاضر".

وتلفت تالين هزبر إلى أن الهندسة المعمارية تشكل جانبا من جوانب الحياة الحديثة التي نشهدها، لذلك من المهم التعرف على كيفية تفاعل الأشخاص مع الأعمال الفنية التي تحمل طابعًا هندسيًا في محيطهم، وهذا ما حرصت على تقديمه من خلال "بنى مؤقتة"، وأتطلع إلى أن يلامس العمل جوانب من الحياة العصرية التي يعيشها زوار المعرض.

تتناول أعمال تالين هزبر مفاهيم الاستكشاف وفهم الطبيعة والمادة والحالة المؤقتة. وقد أبدعت أعمالًا فنية وأجسامًا ومواد عابرة ومؤقتة تعزز أهمية التصميم في النظم الطبيعية، وتتحدى بها مفاهيم تراكم المادة واندثارها، وذلك بهدف إحياء التصاميم القائمة على الطبيعة وفهم العلاقة التي تجمع الطبيعة وفنون الهندسة المعمارية.

تعمل هزبر عبر مختلف التخصصات الفنية والعمارة. وترتبط أعمالها ارتباطا وثيقا بالمناظر الطبيعية المحيطة بها وبنيتها المتشابكة والمعقدة. وتبرز فيها أهمية العمل داخل النظم الطبيعية، وتجريب المواد لفهم السلوك والخصائص، واستدعاء الهياكل الطبيعية المبنية، ودراسة خواص المواد المتراكمة والمتحللة، للسعي إلى التذكير بالهياكل الطبيعية وفهم العلاقة بين الطبيعة والهندسة المعمارية.

تقول "تعد البحرة "نافورة الماء" مركز البيت السوري التقليدي ونقطة محورية للتفاعلات الاجتماعية. أصبحت البحرة أكثر شيوعا في سوريا مع نمو القوة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدولة. لم تكن نوافير المياة مجرد قوالب خرسانية مغطاة بالبلاط أو الحجر حاوية للماء. بل كان لها أهمية مادية وحسية. علاوة على كونها هيكلا هندسيا يضفي لمسة فنية على الفناء الداخلي، كانت البحرة مصدرا لمياه الشرب ومكانا للغسل والوضوء. كما كانت وسيلة لتلطيف أجواء الطقس. 

وتضيف "كان من أهم ما تضفيه البحرة للبيت العربي صوت الماء المتدفق منها. ولصوت الماء في الفناء مزايا كثيرة من أهمها عزل وتشتيت الصوت والأحاديث بداخل البيت العربي للحفاظ على خصوصيته، ما يضفي إحساسا بالهدوء والطمأنينة لما لصوت الماء من تأثير إيجابي. أيضا كانت البحرة شاهدا ووصيا ومرآة تعكس السماء في وسط الفناء. إنها ذاك الهيكل الصامت، المنفصل، الصخب والملئ بالحياة، هيكل متركز ومنعزل، يستمد الحياة من الماء المسير في مدار".

تأمل هزبر من عملها "في فنائها" أن يساعد على استحضار الذكريات واختبار مدى إمكانية أجزاء ومقاطع لفهم العلاقة بين المادة والمحيط، وتقول "لمثل هذه الهياكل مقدرة على المكوث لاحتضان حركة المياه السلسة داخل تكويناته، فيسمح للمياه بالتدفق داخل نظمه لخلق الهدوء شبه المؤقت".

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب