*قراءة في مجموعته القصصية، "مديح لخازوق آخر"!*

هل قرّر أن يحمل سعفته نبيّا، ويُحرّك بيت العقرب ويشتبك مع المجتمع بكل شرائحه وأمراضه وأوجاعه، في زمن افتقدنا فيه البطولة، كما يظهر ذلك واضحا في معظم قصص المجموعة إن لم يكن كلّها؟ وهل لأجل هذا احترف السخرية وآثرها على الفنّ، فـ "الانزلاق من حدود القصّة الفنّيّة إلى حدود الطرائف والنوادر"، الذي تخوّف منه إبراهيم طه، قد حدث فعلا في كثير من قصص هذه المجموعة على الأقلّ.

 

سهيل كيوان، كاتب عربي فلسطيني من قرية مجد الكروم الجليلية، يعمل في الصحافة، بدأ الكتابة منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، وله أعمال كثيرة في المجالات الأدبية المختلفة، مثل الرواية والقصة القصيرة وأدب الأطفال والمسرح والنقد الأدبي. وله في كل مجال، خاصة في الرواية والقصة القصيرة، أكثر من عمل جدير بالقراءة والدرس. هناك نبذة عن حياة الكاتب وأعماله في مطلع المجموعة التي نحن بصدد الكتابة عنها.

في هذا المقال سوف نتتبّع أعمال كيوان القصصية في مجموعته "مديح لخازوق آخر"، الصادرة في حيفا عن دار راية للنشر عام 2013، والتي أهداها للشاعر الأردني، أمجد ناصر، "إلى الصديق أمجد ناصر ... شاعرا وإنسانا" (ص 9)، ربما لصداقة تربط بينهما، ولكن بكلّ تأكيد للتناص بين العنوانين، والتماسا للعذر، أنّه استعار بعض مفردات عنوان باكورة أمجد ناصر الشعرية، "مديح لمقهى آخر"، الصادرة عن دار "ابن رشد" في بيروت عام 1979. وقد يكون التماس العذر نابعا أيضا من استعارة بعض كنائيّات المقهى، تشابها واختلافا، ونَسَبِها أو تحميلها للخازوق الفردي والجمعي الذي يرانا سهيل كيوان، نحن قبائل الهازوكي، قاعدين عليه، كما ورد ذلك في أقصوصته "مديح لخازوق آخر" (ص 46). لأنّ الإهداء في الأصل كان لهذه القصة التي استعار كيوان عنوانها للكتاب، بدليل أنّ الإهداء يتكرّر في مطلعها. فإذا كان أمجد ناصر، في سبعينات القرن الماضي، رأى أنّ المقهى يجمعنا سلبا وإيجابا بأشكالنا وشرائحنا الاجتماعية المختلفة، ولأسبابنا الفردية والجمعية، فكيوان يرى اليوم أنّ الخازوق بأشكاله المختلفة أيضا، يجمعنا كذلك بأشكالنا وشرائحنا المختلفة، حيث أصبح الخازوق رمزا للمقدّس الذي يوحّدنا، ولا وحدة لنا إلّا به. وما دام الشيء بالشيء يُذكر، فقد يتطلّب الأمر من كيوان، التماسا آخر للعذر لدى الشاعر العراقي، مظفّر النواب، الذي على حدّ قوله في قصيدته، "بحّار البحّارين"، أصبحنا جميعا نستأنس بالخازوق حيث قال:

"خوزق ... خوزق

صرخ المصنوعون من الجوع وقام الخازوق الباسل

خوزق ... خوزق

هاتوا ملك السفلس

هذا ملك يستأنس بالخازوق

وذلك حزب يتخوزق مختارا

لا إكراه ولا بطيخ بمحض إرادته

يا سيّد ... فاحمل سعفتك الآن نبيّا

حرّك بيت العقرب تخرج مكرهة

يا حاكمنا - صاحب طائفة الخلقيّين -

يُوشّي الجُمل الربانية في الشعر بمفردة

يخجل منها المعجم

ماذا أعمل؟!

إنّ أشدّ بذاءات العالم يزداد تألّقها فوق لحاكم".

فهل قرّر كيوان أن يحمل سعفته نبيّا، ويُحرّك بيت العقرب ويشتبك مع المجتمع بكل شرائحه وأمراضه وأوجاعه، في زمن افتقدنا فيه البطولة، كما يظهر ذلك واضحا في معظم قصص المجموعة إن لم يكن كلّها؟ وهل لأجل هذا احترف السخرية وآثرها على الفنّ، فـ "الانزلاق من حدود القصّة الفنّيّة إلى حدود الطرائف والنوادر"، الذي تخوّف منه إبراهيم طه، قد حدث فعلا في كثير من قصص هذه المجموعة على الأقلّ. وكذلك من الوعي أو اللاوعي، انزلقت البطولة إلى اللابطولة، إلّا إذا اعتبرنا الاشتباك الساخر مع الواقع هدفا معلنا أو غير معلن كرّسه الكاتب لتحقيق بطولته أو بطولة الراوي الذي يتماهى معه في معظم قصصه؟ وهذا ما لا أظنّه! فالكتابة عامة والكتابة الساخرة بشكل خاص، هما أداة وتقنيّة عند كيوان، يكشف بهما ويفضح ويُشوّه أو يبرز المشوَّه، ويُفكّك ليبني، وأشكّ أن يكونا هدفا.

لم أقرأ مجموعات كيوان السابقة، لذلك اعتمد على ما ذكره إبراهيم طه، في أكثر من مقال له حول أدب كيوان بشكل عام، وحول هذه المجموعة وسابقتها، "تحت سطح الحبر" (2005) بشكل خاص، حيث يراه فيهما كاتبا ساخرا سليط اللسان، يلجأ إلى ما سمّاه طه "الأدب المجهري ... وهو أدب يُوظّف المجهر كأداة إنتاجية مركزية، أداة لإعادة صياغة الواقع. والمجهر الذي نعنيه (كما يقول طه) هو هذا الذي يستخدم المرايا المحدّبة لتكبير الصورة وتضخيمها إلى حدود التشويه". وهذا هو أيضا نهج كيوان في مجموعته، "مديح لخازوق آخر"، في قصصها الأربع والثلاثين، التي ينطلق فيها من مجتمعه/مجتمعنا العربي، المحلي والعام، ويشتبك معه بأسلوب لاذع السّخرية، ليس بقصد كشف أوجاعه وفضح عيوبه فقط، وإنّما بقصد تفكيكه وإعادة صياغته من جديد، بشكل يروق للكاتب والقارئ على حدّ سواء. فالقارئ في نظر كيوان هو جزء من هذا الواقع، سواء وقع ضحيّة لعيوبه، أو ساهم في صناعتها، أو كليهما معا.

العناوين والسخرية

يُلاحظ القارئ أنّ سخرية كيوان لا تقتصر على النصّ القصصي، وإنّما تبدأ من عنوانه. عنوان الكتاب، "مديح لخازوق آخر"، وهو عنوان إحدى قصص المجموعة أيضا، ينضح سخرية، بدءا بالفكاهة وانتهاء بالسخرية السوداء التي نكتشف حدودها عند قراءة النص، فقد نضحك في بدايتها، وقد ننتهي إلى الضحك والبكاء معا في نهاية النص، كتعبير عن مدى الألم الذي يُعانيه المجتمع. ولا يختلف الأمر في كثير من عناوين قصص المجموعة، فالسخرية بارزة فيها، يدركها القارئ قبل ولوج النصّ.

كما أسلفت، عنوان المجموعة استعاره مع التحوير المناسب، من عنوان المجموعة الشعرية الأولى، "مديح لمقهى آخر"، للشاعر أمجد ناصر. وإذا كان المقهى يجمعنا لأسباب تتعدّد سلبا وإيجابا، فإن المضحك المبكي، بما فيه من مفارقة، هو أن يجمعنا الخازوق الذي أصبح عُرفا وتقليدا مقدّسا في حياتنا، وقد أصبح هو المقياس لكل ما يملأ حياتنا من نشاطات اجتماعية وغيرها، نتهاداه في الأفراح والأتراح ونجعله مهرا للعروس وهدية نستجدي بها رضى أمّها وأبيها وأقاربها. وأصبح لكل واحد منّا خازوقه، أو مجموعة خوازيقه التي تجتمع لتشكّل الخازوق الأكبر الذي تقعد عليه أمّة قبائل الهازوكي كلّها.

هذه السخرية في عنوان القصة الذي اختاره الكاتب عنوانا لمجموعته، تنسحب على معظم عناوين نصوص المجموعة، وخاصة تلك التي يستعيرها من العامية، أو من عناوين بعض الأغاني المعروفة، سواء أبقاها كما هي. مثل "نبتدي منين الحكاية" (ص 60)، "عيون الألب" (ص 79)، "دقّي دقّي يا ربابة" (ص 84)، أو أدخل عليها بعض التغيير مثل: "أنا والكلاب وهواك" (ص 176)، حيث استبدل العذاب بالكلاب. هذه العناوين وغيرها، تظهر فيها السخرية أثناء قراءتها مباشرة، أي قبل ولوج النصّ. بينما هناك عدد من العناوين لا تظهر فيها السخرية إلّا بعد قراءة النصّ، رغم أنّنا قد نستشعرها إذا كنّا على معرفة ولو قليلة بشخصية الكاتب، مثل "قل مبروك لقبرص" (ص 90)، "قرّرت الزواج بأربع نساء" (ص 97)، "رحيل مناضل كبير" (ص 103)، مع فائق الاحترام" (ص 111) وغيرها الكثير.

يبدو في العناوين التي يختارها كيوان، لجوؤه إلى التناص، كما ظهر ذلك في معظم العناوين التي ذكرتها في الفقرة السابقة. ومن اللافت أنّ التناص في بعض العناوين قد يكون مزدوجا فيه أكثر من إحالة. وقد يكون في ذلك زيادة في إعلان النية على النقد والسخرية.

قصة "مرحبا وأخواتها" (ص 168) يُحيل عنوانها إلى "كان وأخواتها" التي نتعلّمها في دروس قواعد اللغة في مراحل التعليم الأولى. وقد يكون هذا ما رمى إليه الكاتب فعلا، التعليم، لأنّ الراوي في القصة، يُعطينا درسا في قواعد "المرحبا" مع دعمها بأمثلة ناقدة للواقع ساخرة منه. ولكن للحقيقة، ذكّرني العنوان أيضا برواية عنوانها "كان وأخواتها" (1986)، للكاتب المغربي، عبد القادر الشاوي. وهي من روايات السجن، كتبها الشاوي أثناء وجوده في السجن ونُشرت قبل خروجه منه، ولاقت رواجا في الأسبوع الأول لنشرها، ثم تمّت مصادرتها ومنع توزيعها. فيها يروي الكاتب تجربته في السجن ويُضمّنها نقدا قاسيا للواقع السياسي المغربي. كما يوجّه نقدا حادّا لليسار المغربي الذي ينتمي إليه، ما جعلني أرى بعض التشابه في التّوجّه بين الكاتبين، أذ يشتمّ القارئ اشتباك كيوان مع اليسار المحلّي على الأقلّ.

وبالإضافة إلى ما تقدّم، فعناوين نصوص المجموعة، كغيرها من العناوين، بما لها من وظائف وما تحمله من دلالات، هي نصوص موازية، حيث يُحدّد العنوان هويّة النصّ ويُشكّل نواته ومرآته، أو يختزله ويحمل خلاصته. وفي كل الأحوال يحمل العنوان تلميحا إلى بعض أو كلّ ما ينتظرنا في النصّ. ومهما حمل العنوان من دلالات، فقد يكون أهمّها جذب القارئ لولوج النصّ وتفاعله معه.

(يتبع)

 

إعلانات

;