news-details
مقالات

"الاتحاد" كنز لجماهيرنا العربية، يجب المحافظة عليها

 

كنت قد بلغت سن الحادية عشرة من عمري عندما حلت النكبة على شعبنا العربي الفلسطيني في سنة 1948، وكنت قد رأيت بأم عيني الناس المهجرين من لوبية وحطين وصفورية وميعار وشعب الذين وصلوا الى عرابة في ذلك الوقت، منهم من بقي وعاش في عرابة والأكثرية المطلقة تابعوا بعد فترة قصيرة الى لبنان والأردن وما زالوا يعيشون هناك حتى اليوم.

في ذلك الوقت لم أكن أفهم ما يجري الا أنني كنت أسمع والدي وهو يلعن الحكام والزعماء العرب ويقول انهم خانوا شعبنا، وكان يقول لن أترك بيتي مهما كلف ذلك من ثمن وهذا عمليا ما كان وبقيت عرابة مع عدد من قرانا ومدننا العربية التي حافظت على بقائها على تراب وطنها، وكانت عرابة قد احتلت مع سخنين وديرحنا  في الشهر العاشر من سنة 1948.

بعد هذه المأساة التي حلت بشعبنا وبقاء ما يقارب المائة والخمسين الف انسان من جماهيرنا في هذه البلاد يعيشون في جو من الخوف والهلع كان لا بد لهم من قوة لحماية هذه الجماهير، والمحافظة عليها وصمودها في أرض الوطن وكان هذا الدور قد تحمله الشيوعيون، وهذا عرفته فيما بعد وعلى ما أذكر أنه في أوائل سنة 1950 كنت قد قمت من نومي في صباح أحد الأيام في تلك الفترة واذ بشاب يحمل مجموعة من جريدة "الاتحاد" ويجلس في ديوان والدي ويتحدث مع والدي وأخي سليم، وكان حديثه عن مأساة شعبنا وأهمية صمود جماهيرنا التي بقيت في وطنها وضرورة تحديها للواقع الجديد الذي تعيشه وذلك عن طريق النضال المنظم.

وكان هذا الشاب الرفيق لطفي زريق من قرية عيلبون المجاورة، ومنذ تلك الجلسة تعمقت علاقته مع أخي سليم حيث قبل مثل هذه الأفكار التي كان يتحدث بها الرفيق لطفي زريق، ولذلك تواصلت زياراته الى بيتنا والالتقاء مع أخي وبدأ بإحضار أعداد من جريدة "الاتحاد" من أجل توزيعها في عرابة وكان المسؤول عن هذه المهمة أخي سليم وهو بدوره كان يحمّلني مسؤولية إيصال الجريدة لعدد من الأشخاص في القرية، وكان عمري في ذلك الوقت ثلاثة عشر عاما.

ومنذ ذلك التاريخ استمرت علاقاتي ب"الاتحاد" وحزب "الاتحاد" الحزب الشيوعي والذي أصبحتُ عضوا فيه وتحملت مسؤولية توزيع "الاتحاد" حتى أيار سنة 1982 عندما أصبحت جريدة يومية. وعندما أصبحت يومية كنت أقوم بواجبي في جمع الاشتراكات السنوية للجريدة وهذا يعني أنه من سنة 1950 لم تنقطع علاقاتي مع "الاتحاد" حتى يومنا هذا.

وللحقيقة والتاريخ أنه بعد أن تعرفت على الاتحاد بفترة قصيرة بدأت أفهم ما يجري حولنا وعن سبب المأساة التي حلت بشعبنا العربي الفلسطيني في هذه البلاد، وعن أهمية الدور التاريخي الذي تلعبه هذه الجريدة وحزبها.

وبالنسبة لي يمكن القول أن "الاتحاد" كانت مدرستي الفكرية والسياسية خاصة وأنني كنت قد أنهيت الصف الثامن الإبتدائي ولم يحالفني الحظ من أجل اكمال تعليمي الثانوي، ولذلك كانت "الاتحاد" و"الجديد" و"الغد" مدرستي ومن خلال عضويتي في الحزب الشيوعي أعطيت لي الإمكانية لتطوري في مختلف المجالات الفكرية، السياسية، الاجتماعية، الإنسانية والطبقية الذي يستمد من الفكر الاشتراكي الماركسي اللينيني، هذا الفكر الذي هو أسمى وأرقى الأفكار الإنسانية التي ظهرت حتى الآن، من هنا أرى أن الاتحاد كانت المنارة الأولى بالنسبة لي التي هدتني الى الطريق النضالي الصحيح، وهكذا كانت بالنسبة للكثير من أمثالي.

خلال عملي الحزبي تحملت مسؤوليات كثيرة التي كان الحزب يلقيها على عاتقي ومن هذه المسؤوليات في سنة 1991 طلب مني الحزب أن أعمل في "الاتحاد" كمدير لهذه الجريدة وهذا كان بعد أن وصل الرفيق شفيق طوبي طيب الذكر الى سن التقاعد وطلب إنهاء عمله في الاتحاد كمدير لها، وكان هذا عمليا في مرحلة انهيار العالم الاشتراكي، وكان البعض قد بدأ بالتخلي عن مبادئه.

لقد ضحكت عندما طلبوا مني مثل هذا الطلب وقلت للرفاق:"يا رفاق أنا يا دوب اعرف مثل ما بقول المثل (ثلث الثلاثة قديش)" فضحك الرفيق توفيق طوبي وقال لي:"هذا هو المطلوب" وفُرضت علي مثل هذه المهمة الهامة جدا، وعندما بدأت العمل بالمهمة اكتشفت أن وضع الجريدة المالي صعب ومن الضروري العمل على إنقاذ الوضع، ورأيت في هذه المهمة تحديا ولذلك يجب إيجاد الحل لإنقاذ الوضع.

من أجل إنقاذ الوضع قدمت اقتراحا إلى هيئات الحزب من أجل أن نقوم بحملة مالية من أجل إنقاذ "الاتحاد"واستمراريتها في المستقبل، وكانت الموافقة على هذا الاقتراح من قبل هيئات الحزب المركزية.

بعد اتخاذ القرار كانت مهمة التنفيذ وعمليا بدأتُ بالاتصال والتنسيق مع قيادات المناطق والفروع من أجل إنجاح هذا الهدف، وللحقيقة والتاريخ أقول أنه كان هناك تجاوب واسع من قبل هذه القيادات في المناطق والفروع والشخصيات التي توجهنا اليها من أجل دعم جريدة "الاتحاد"، ومن خلال هذا الدعم والتعاون استطعنا أن نجمع مبلغا محترما لدعم "الاتحاد" بلغ في ذلك الوقت ثلاث مائة وخمسين ألف شاقل الذي أسهم اسهاما جديا في صمود "الاتحاد" في تلك المرحلة الصعبة.

هناك نكتة لا بد من ذكرها جرت مع طيب الذكر الصديق طارق عبد الحي الذي كان رئيسا لمجلس الطيرة المحلي وكان من بين الشخصيات التي توجهنا اليها من أجل دعم "الاتحاد" وكان معي الرفيق طيب الذكر سالم جبران الذي كان رئيسا لتحرير الجريدة، وكذلك كان معنا الرفاق من الطيرة طيبو الذكر غازي شبيطة ومحمد عبد الكريم منصور الذي كان في ذلك الوقت نائبا لرئيس المجلس المحلي في الطيرة، وعندما دخلنا الى مكتب الرئيس وبدأنا بالحديث عن هدفنا، رفض الحديث إلا بعد أن نتناول الغداء سويا وفعلا كانت الجلسة شيقة تبادلنا فيها الحديث والمزاح ورُفع التكليف بيننا، وبعد الانتهاء من تناول الغداء أخرج من جيبه دفتر الشكات وكتب شكا بمبلغ عشرة الاف شاقل نقدا، وعندما سلمني الشك قال لي اسمع أخ توفيق أنا من الممكن أن أترك الجبهة، وقبل أن يكمل حديثه لم يكن مني إلا الرد بتشقيعة من قاع الدست للذي يريد أن يخرج من الجبهة، فقال لي: "يا زلمي استنى أنا بحكي جد" فأجبته بضحك وأنا أيضا أتكلم جد، قال:"بس أعطيني أكمل ما أريد قوله" وقال: "اسمع حتى ولو خرجت من الجبهة أقول لك بكل صدق وإخلاص في أي وقت ترى هناك حاجة لدعم "الاتحاد" لا تتردد من أن تتوجه الي من أجل الدعم لهذه الجريدة، لأنها لها فضل كبير على جماهيرنا في هذه البلاد" ولكن للحقيقة بقي حتى آخر أيامه جبهويا.

في سنوات 2009 و2010 وبمبادرة من الرفيق محمد نفاع طلب مني أن نقوم بحملة لدعم "الاتحاد" وفي تلك الفترة خلال حملتين متتاليتين كنا قد جمعنا ما يقارب المائتين وسبعين ألف شاقل وكان قد رافقنا في الحملة الأولى في كفرياسيف الرفيق خليل اندراوس وفي الحملة الثانية الرفيق جمال شريف حيث كان يأخذنا بسيارته أنا والرفيق محمد نفاع إلى الفروع وطبعا بمساعدة سكرتيري المناطق والفروع الحزبية والجبهوية.

إن "الاتحاد" ليست فقط كما قال عنها رئيس تحريرها الأول طيب الذكر الرفيق إميل توما أنها "يوميات شعب" بل هي أيضا كنز من كنوز شعبنا الذي من الضروري المحافظة عليه وتطويره.

وكلي ثقة بالجيل الجديد من الصبايا والشباب الذين يبذلون جهودا جبارة من أجل تطويرها واستمراريتها، وهذه الثقة لا تعني أنني لن أقدم ملاحظاتي وانتقاداتي الرفاقية التي أراها مناسبة لقيادة الحزب والمسؤولين في تحرير الجريدة والجميع أقدّرهم وأحترمهم جدا.

في النهاية أقول أن مسيرتي مع "الاتحاد" قد بدأت منذ ما يقارب السبعين عاما وها هي مستمرة وسوف تستمر حتى آخر يوم من أيام حياتي.

 

(عرابة البطوف)

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب