شعار رفعته القوى السياسية الفلسطينية في مناطق الاحتلال الأولى عام 1948، مُخاطبين فيه ومن خلاله قادة المجتمع الإسرائيلي الذين يحتفلون يوم 15 أيار من كل عام، امتدادًا لعام النكبة ذاك، يوم رحيل قوات الاستعمار البريطاني عن فلسطين وتسليمها لمؤسسات الوكالة اليهودية وقوات الحركة الصهيونية، إيذانًا بإعلان قيام المستعمرة الإسرائيلية كدولة مستقلة على أرض ومصالح وحقوق الشعب الفلسطيني، فكان احتفالهم بالاستقلال نقيضًا لنكبة الشعب الفلسطيني الذي تعرض منذ عام 1948، نصفه للتشريد والطرد وعمليات عديدة للذبح والقتل والتصفية، وتعرضت أرض وطنه للتمزيق وتغييب الكينونة الوطنية حتى باتت مطلبًا لم يتحقق إلا بعد أن استولى المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي على كامل أرض فلسطين عام 1967، فبات نصف الشعب الفلسطيني مشردًا، ونصفه المتبقي تحت الاحتلال، فتحول الشعار إلى حقيقة تتردد كل عام من قبل فلسطينيي الداخل " يوم استقلالكم يوم نكبتنا " .

بعد 71 سنة يحق للإسرائيليين أن يحتفلوا: دولة قوية، متفوقة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا واستخباريًا، في مواجهة معسكر ضعيف من الاعداء، شعب فلسطيني ممزق، مبعثر، تتحلى قياداته بضيق الأفق والأنانية الحزبية، مُشتت بين الأولوية الوطنية، وأولوية الخلافة والإمارة التسلطية، وادعاء كبير لا أساس له من الصحة، مثلهم مثل شمولية الأحزاب اليسارية المهزومة، وشمولية الاتجاه القومي المقهور، وعالم عربي أسير للحروب البينية، والثراء الفاحش الفوضوي...

ورغم ذلك قوة الأمل، والاصرار على البقاء، واستعادة الروح والوطن والحقوق راسخة لدى مكونات الشعب الذي يدفع ثمن صموده على أرض وطنه الذي لا وطن له غيره، سواء في مناطق 48 أبناء الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة، أو في مناطق 67 أبناء الضفة والقدس والقطاع، يتوزعون ولكن تربطهم المعاناة من التمييز والتهميش والاحتلال والعسف وحرمان الحق بالحياة، وهو حافزهم الأول للبقاء وللنضال ولمواجهة الظلم، يواصلون الدق على الجدران، والحفر في صخرة التفتيت بأظفارهم، ويفلحون ببطء يواصلون المشوار بثقة على الطريقة الصينية التي تقول مسيرة الالف ميل تبدأ بالخطوة الواحدة، وقد خطوها، وخطوتهم هذه كانت الضربة الأولى والمسمار الأول في نعش هزيمة المشروع الاستعماري الذي فشل في طرد كل الشعب الفلسطيني عن وطنه، وبقي اليوم أكثر من ستة ملايين، ليسوا أقلية وليسوا جالية، بل شعبا يمتلك كل مقومات البقاء والثقافة والتماسك والقيم والهوية والقومية وحق الحياة على أرض الوطن .

لم يتعلم الإسرائيلي من تجربة مذابح اليهود على يد النازية، فهم انتصروا، والنازية والفاشية هُزمت، ولكن بدلًا من أن يتعلموا حق الكرامة والمساواة وقيم العدالة التي افتقدوها في ظل العنصرية والفاشية التي كانت ضدهم في أوروبا، جاءوا إلى بلادنا مُحتلين يُمارسون ما فعله النازيون والفاشيون بحقهم، ولم يتعلموا الدرس أن قوة النازية والفاشية لم تحمهم من الهزيمة وخذلان التاريخ، ومشروعهم الاستعماري الإسرائيلي سيهزم كما حصل للنازيين والفاشيين لأنهم منهم ورثوا تراثهم، ففعلوا مثله مع الشعب الفلسطيني الذي يتعذب ويحترق ويتم اعدام شبابه وصباياه على يد الجنود والمستوطنين بلا رادع، وها هو قاتل وحارق عائلة الدوابشة تتم تبرئته من المحكمة من جريمة القتل والحرق المتعمد، ولن يدركوا حُكم التاريخ وقسوته حينما تتم تعرية القاتل، فالنازية والفاشية مطاردة من قوانين وقيم الإنسان، وستتحول الصهيونية مثلها مثل النازية والفاشية مهما تقوت بإرادة ترامب وجبروته مع عصابة الصهاينة الذين يتحكمون بقرارات البيت الأبيض نحو فلسطين وتداعياتها .

فرنسا بقيت أكثر من قرن وربع القرن في الجزائر، وهم في فلسطين مازالوا أقل من قرن، فالرحلة طويلة ونهاياتها لن تكون إلا مظفرة للشعب الفلسطيني، ومستعمرتهم كما هي جنوب إفريقيا العنصرية مصيرها الفشل والهزيمة ومزبلة التاريخ .

إعلانات

;