*رفع مستمر في أسعار المواد الغذائية والكهرباء والمياه *الحكومة تخطط لضربات اقتصادية، ورفع ضرائب، مثل ضريبة القيمة المضافة و"الأرنونا"، موجهة بالأساس ضد الشرائح الفقيرة والضعيفة *الجماهير العربية هي الأكثر تضررا، كون 60% منها دون خط الفقر أو على حافته*

تتواصل التقارير الاقتصادية، التي تشير إلى استمرار الغلاء الزاحف، الذي حتى الآن لا يشعر به المواطنون، لأن الحديث عن نسب تبدو وكأنها صغيرة، إلا أن ما يجري على أرض الواقع، هو أن الغلاء مستمر منذ أكثر من عام، والنسب التراكمية باتت كبيرة. في حين أنه خلف كل الضجيج حول توزيع الحقائب الوزارية في حكومة بنيامين نتنياهو الخامسة، يوجد توافق لإجراء تقليص حاد في ميزانيتي العامين الجاري والمقبل، وقد تنعكس في رفع ضرائب وتقليص مخصصات اجتماعية، في الوقت الذي تواصل فيه شركات الأغذية تسجيل أرباح أعلى.

فقد أعلن اليوم الأربعاء، عن أن شركة الألبان والأجبان "تيرا" طلبت رفع أسعار الحليب الأساسية، بنسبة 3,4%. ولكن هذه الشركة، كانت قد لحقت قبل نحو عام بشركة تنوفا، لمنتوجات الحليب، التي رفعت أسعارها بمعدل 3,5%. ما يعني أن الحديث يجري عن رفع تراكمي لأسعار الحليب خلال عام، قد يتجاوز نسبة 7%. ويتبع هذا دائما رفع زاحف للمنتوجات المصنّعة، بنسب أعلى.

وهذا ليس وحده، فمنذ مطلع العام ارتفعت أسعار الخبز الأساسي بنسبة 5%، وأيضا في قطاع المخبوزات، يكون رفع الأسعار في المخبوزات الأخرى عدا الخبز العادي، بنسب أعلى. ونذكر أنه في مطلع الأسبوع، أعلنت سلطة المياه عن رفع أسعار المياه للبيوت، ابتداء من الأول من تموز المقبل، بنسبة 1,2%، ولترتفع الأسعار منذ مطلع العام بنسبة 5,4%.

وكذا الوقود الذي ارتفعت أسعاره بنسبة 12% منذ مطلع العام، ومن المتوقع أن يكون ارتفاع آخر في الشهر المقبل، على ضوء ارتفاع أسعار النفط في العالم، في أعقاب الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة على كل من إيران وفنزويلا، وجرى تشديد الحصار ابتداء من الشهر الجاري. ما يعني تراجع العرض في الأسواق العالمية، من جهة، والتلويح بشن حرب في الخليج العرب من جهة أخرى، من شأنه أن يساهم في رفع أكثر في أسعار النفط. ولا ننسى أن نحو 64% من سعر لتر الوقود في محطات الوقود للمستهلك هو ضرائب.

أما الكهرباء، فهو حكاية أشد خطورة، فقد لا يلمس المستهلك كثيرا، أن أسعار الكهرباء ارتفعت منذ مطلع العام بنسبة تلامس 3%. ولكن أسعار الكهرباء عادت تقريبا إلى ذات المستوى الذي كانت عليه، قبل بدء ضخ الغاز من الحقول التي تسيطر عليها إسرائيل في البحر الأبيض المتوسط، وهي حقول أهدتها الحكومة الإسرائيلية لحيتان المال، وقيل في حينه إن هذا سيخفّض أسعار الكهرباء، حتى تبين أن هذه الحقول تبيع الغاز لشركة الكهرباء الإسرائيلية، بسعر أعلى من 30% وأكثر مما تبيعه لدول أخرى.

زد على ذلك، أنه على الرغم من مرور ثلاث سنوات على بدء ضخ الغاز من الحقول، إلا أن خزينة الضرائب الإسرائيلية، والخزينة العامة، لم يدخل لها ولو شيكل واحد من عائدات بيع الغاز، وكل الأرباح ما تزال راكدة في خزائن الشركات المحتكرة. وهناك شك، حسب تقارير سابقة، أن تبدأ جباية الضرائب قبل نهاية العام 2020.

كذلك، أعلنت مصادر في وزارة الداخلية، عزمها رفع "الأرنونا" ضريبة المسقفات، بنسبة 2,9%، كي "تمول زيادة رواتب موظفي قطاع العام"، في حين أن موظفي وعاملي القطاع العام، محرومين من اتفاقيات زيادة الأجور منذ سنوات طوال، وفقط العاملين في المؤسسات والشركات الضخمة، هم من يحظون بزيادات كهذه.

وهذا كله، قبل الحديث عن الارتفاع الحاد في أسعار الخضراوات والفواكه الطازجة في السنوات القليلة الماضية، بنسب تراكمية قد تفوق 30%. ولكن كل هذا الغلاء لا ينعكس بالشكل الحقيقي في نسب التضخم المالي. وهذا غلاء وقْعه شديد جدا على الشرائح الضعيفة والفقيرة، مثل أن 32% من العاملين يتقاضون راتب الحد الأدنى من الأجر وما دون.

 

الضربات اللاحقة

 

يتزايد الصخب في وسائل الإعلام حول تشكيل الحكومة الخامسة لبنيامين نتنياهو، والتي قد يعلن عنها في نهايات الأسبوع المقبل. ولكن الضجيج يتمحور حول توزيع الحقائب، وحول سلسلة تشريعات تكون حصانة للفساد السلطوي، ولسياسات التمييز العنصري، وسلب ونهب الفلسطينيين في المناطق المحتلة منذ العام 1967، من خلال الغاء صلاحيات للمحكمة العليا، التي تاريخيا تماشت مع السياسات الصهيونية الاستراتيجية العليا، مع بعض الاستثناءات الهامشية، التي لا يرضى بها اليمين الاستيطاني.

ولكن من خلف كل هذا، فإنه في الجلسة الأولى أو الثانية للحكومة الجديدة، سيكون أمام الوزراء طلب وزارة المالية باجراء تقليص في الموازنة العامة، للعام الجاري 2019، بحوالي 10 مليارات شيكل، كي يتم سد العجز في الموازنة العامة، الذي قفز في العام الجاري إلى حوالي 3,4%، بدلا من 2,9% حسب ما هو مخطط.

وسيرى نتنياهو أن هذا هو الوقت الأفضل لتوجيه ضربات اقتصادية جدية، بعد الانتخابات مباشرة، فحتى الانتخابات المقبلة، قد تتقلب الأمور وينسى الجمهور ما سيلحق به. ولكن في الحقيقة فإن الجمهور الذي سيتلقى الضربات الأقصى، هو جمهور الفقراء والشرائح الفقيرة، التي 50% منها هم من المواطنين العرب.

وسيكون ضمن الضربات المتوقع، إعادة ضريبة القيمة المضافة إلى نسبة 18% بدلا من 17%. ونسبة 1% من شأنها أن تزيد مداخيل خزينة الضرائب بنحو 5 مليارات شيكل، يتم شفطها من جيوب الناس، وكلما كانت العائلات أكثر فقرا، كانت الواقعة عليها أصعب، بعد احتساب الغلاء الزاحف والمتواصل.

أما المليارات الخمسة الأخرى، فإنها ستكون على حساب ضرائب أخرى وتقليص مخصصات، وإلغاء مشاريع بنى تحتية. ولكن في كل الأحوال فإن وزارة الحرب ستكون خارج سياق التقليصات، خلافا لباقي الوزارات؛ لا بل فإن بنيامين نتنياهو سيطالب بزيادة أكبر لوزارة الحرب، حتى خلال العام الجاري، لتمويل ماكنة الحرب.

ولكن التقليص قد يكون أكبر، إذا ما احتاجت الحكومة لميزانيات إضافية، لتمويل بنود سترد في اتفاقيات الائتلاف. وحسب هوية الشركاء في الحكومة المقبلة، فإن الحديث سيكون عن ميزانيات لتمويل المستوطنين وأطرهم، وكذا الحريديم، وما شابه.

من خلف كل هذا، فإن جماهيرنا العربية، كون الفقر ينخر فيها بنسبة 60%، بمن فيهم من هم على حافة الفقر، ستكون الأكثر تضررا من السياسات الاقتصادية المتوقع، سوية مع الغلاء الزاحف.

إعلانات

;