*اليسار يدافع عن نفسه ويعتذر بدلا من أن يهاجم ويشرح بانه اذا لم تقم دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل، فستكون اسرائيل نفسها، في مسيرة محتمة، هي الدولة الفلسطينية*

 

في هذه الانتخابات ايضا لا تبحث، بل ولا تذكر، المسألة التي ستحسم، وربما حتى حسمت في واقع الامر، مصير الدولة ومستقبلها. مشكلة ذات آثار عديدة يمكن تلخيصها بكلمة واحدة: الاحتلال. في حملة الانتخابات هذه تجري للمرة الثالثة على التوالي مشادة شخصية، هزيلة وضحلة، هي نعم بيبي، لا بيبي. مرة اخرى ننجر وراء رئيس وزراء يقرر لاعتباراته الشخصية موضوع الانتخابات وتوقيتها. هذه الجولة، بالضبط مثل سابقتها، لن تنتهي بتشكيل حكومة حصينة بل بتشكيل حكومة حصانة.

اذا ما انتصر معسكري الحصانة، فانه سيفعل لجهاز القضاء وهيئات انفاذ القانون ما فعله، امام ناظرينا، لمكتب مراقب الدولة ومفوضية شؤون الموظفين. وعندها سيهزأ رجال الوسط – اليسار باليساريين السياسيين: فتشويهات الديمقراطية تغرق في البحر وانتم تقولون احتلال. وحتى لو كان ما هو حقيقي في الهزء، فهذا لا يعني ان اليسار السياسي يجب أن يرفع علما ابيض.

في انتخابات 1999، عندما صوتنا ببطاقتين، واحدة لرئيس الوزراء والثانية للحزب، كان هناك ليكوديون صرحوا علنا، بانهم سيصوتون ببطاقة واحدة فقط، الليكود، ولن يصوتوا لرئاسة الوزراء. كان في حينه مسؤولون في الليكود، بمن فيهم من كانوا في القائمة للكنيست، ممن تصرفوا هكذا دون أن يعلنوا. اما الان، وحين صار التصويت ببطاقة واحدة، فليس لديهم لاسفهم هذا الترف.

أزرق أبيض ليس حزب يسار. كل مزاياه، غاية وجوده، الانجاز اللازم له هو الدخول مع الليكود بدون نتنياهو الى حكومة وحدة. لا يدور الحديث عن بديل فكري بل عن جمع شمل عائلات. العمل- غيشر، ذو الادعاء الاجتماعي، والذي تباهى بقدرته على جلب المصوتين من اليمين، سرعان ما فهم بانه اذا لم يأت اليمين اليه، فانه هو من سيذهب اليه.

اجتماعية العمل- غيشر تعطل الاستثمارات في دولة المناطق ويغض النظر عن الافضلية المبذرة  التي تمنح للقطاعين المتصدرين، المستوطنين والاصوليين. يشدد ميرتس منذ زمن بعيد على مسائل هامة مثل الوجود بالمعنى البيئي، العدل العام، حقوق الحيوانات، الزواج المدني والشرعية للقنب، وبقدر اقل على الموضوع السياسي وصلاته الوجودية.

ان الاحتلال هو النفق الاعمق والاكثر فتكا الذي يحفر تحت اساسات وجود دولة اسرائيل. وهو ينزل حتى المياه الجوفية. فيفكك المجتمع الذي التأم هنا ليقيم دولة لا يتحكم بها احد بخلاف ارادتها ولا تتحكم باحد بخلاف ارادته.

لقد رفع اليسار يديه، فتخلى عن السلام، عن التسوية السياسية، عن التسوية الانتقالية، وهو لا يتحدث حتى ولا للتظاهر عن ضرورة وضع حد للتحكم بالفلسطينيين. ومع أنه مسنود بـ "قادة من اجل امن اسرائيل"، والذين كانوا يسمون قبل عقد "السلام الازرق الابيض" وبعد خطاب بار ايلان ايدوا نتنياهو للحظة، سلم بالالقاب التي وسم بها: يسروي، متعاون، مقتلع اسرائيل. وهو يدافع عن نفسه ويعتذر بدلا من أن يهاجم ويشرح بانه اذا لم تقم دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل، فستكون اسرائيل نفسها، في مسيرة محتمة، هي الدولة الفلسطينية.

في الانتخابات ينتصر دوما من يحسن في منح احساس الامن، الاحساس وليس الامن، قول حازم وليس بالذات فعل. عندما يقتل الجنود في المناطق، تنسب التحليلات السياسية – الحزبية ذلك على الفور لاحزاب اليمين وفي طالح اليسار، الذي وفقا لفكره يفترض بالجنود أن يلتقوا العدو في نقطة الاشتباك على الحدود وليس في محطات التسفير او السفر.

عودوا للحظة الى القصيدة القديمة والطيبة عن ثلة الجنود المجهولين التي "تسير بشعبها الى الافق" وليس ثلة جنود تخنق الافق لشعب آخر. فليس لسنوات طويلة يمكننا أن نخصص الكتائب لمرافقة اطفال المستوطنين الى النوادي كما درج على القول يتسحاق رابين.

رئيس الاركان السابق، غادي ايزينكوت، قال ذات مرة، ومر الامر دون أن ينتبه له احد، ان 55 في المئة من نشاط الجيش الاسرائيلي كله يتم في مناطق يهودا والسامرة، 75 في المئة منه حول المستوطنات المنعزلة والبؤر الاستيطانية التي المسموح بها. على الجيش أن يحمي الحدود، كما تقول القصيدة، لان الحدود في قلب كل جندي. "الجبال ستهتز والطريق تميد/ويسمع العدو الهدير/هنا تسير ثلة جنود على الحدود/والحدود هي في قلب كل جندي".

 

;