قبيل جلسة الحكومة الأسبوعية المنعقدة أواسط أيار 2018، بدا بنيامين نتنياهو بمزاج احتفالي عالٍ بعد فوز ممثلة إسرائيل في مسابقة يوروفيجن. وحين وصل أمام كاميرات الإعلام قام بأداء "رقصة الدجاجة" التي تشتمل عليها الأغنية الفائزة. قبلها، كان قد هاتفَ المغنية معتبراً إياها "أفضل سفير لإسرائيل". وهو يعرف طبعاً ما يقول ويقصده، فهذا الفوز بوسعه التغطية على جميع أزماته على المستوى الدولي، حيث يرفض معظم العالم سياسته ضد الفلسطينيين في غزة، ويعارض نقل السفارات من تل أبيب، ولا تتفق معه غالبية دول العالم على السعي لتقويض الاتفاق النووي مع إيران. هكذا جاء فوزٌ بمسابقة موسيقية كفرصة للاستثمار السياسي. هذا جواب ممكن على من يتساءل: ما دخل السياسة بمسابقة "يوروفيجن".

القناة 13 تساءلت قبل أسبوعين عمّا إذا "توفّر أيّ حل" للمقاطعة السياسية والثقافية للمسابقة في تل أبيب. ويبدو أن الصورة بالمنظار الإسرائيلي العام سلبيّة. مع ذلك فالحقائق كالتالي: لم تقاطع أية دولة المسابقة في تل أبيب، لكن عدد الوافدين من أوروبا هو نصف ما توقعته الجهات الرسمية الإسرائيلية. والسؤال: هل هذا نابع من مقاطعة سياسية أم لأسباب أخرى؟ يتمنى المرء الاحتمال الأول طبعًا.

أمس علقت نجمة موسيقى البوب مادونا على قرارها المشاركة كضيفة المسابقة في بيان لوكالة رويترز بالقول: "لن أتوقف أبدا عن تقديم الموسيقى لكي تناسب الأجندة السياسية لأحد ولن أتوقف عن الحديث ضد انتهاكات حقوق الإنسان أينما تكون في العالم.. قلبي ينفطر كلما أسمع عن الأرواح البريئة التي تزهق في هذه المنطقة.. آمل وأصلي من أجل أن نخرج قريبا من دائرة الدمار الرهيبة هذه وأن نخلق مسارا جديدا نحو السلام".

اضطرار مادونا للتبرير يدلّ على ضجّة، ولكنها ليست ضجة بالعربية. العرب وبينهم الفلسطينيون يكونون في كامل طاقتهم ودافعيّتهم، فقط حين يقرر موسيقي عربي أو فنانة عربية القدوم الى رام الله أو الناصرة، وليس في استضافة سلطات اسرائيل. لكن صوت النشطاء العرب بالكاد يُسمع أمام حدث بهذا الحجم. كأن المسائل تتخذ بُعدًا عاطفيًا. فهل المقاطعة مسألة طهارة قومية؟ هل تتلخص الكارثة في أن يتلطخ جواز سفر عربي رسمي بختم اسرائيلي رسمي على المعابر؟ إن إرتفاع الجدل وبدرجات مبتذلة-شخصية أحيانًا، وصمت بيوت الأشباح في حالات أخطر، يشير الى وعي سياسي مُحرج جدًا.

بالمناسبة: إنها نفس الأصوات التي تصمت تمامًا على الاستقبالات المتوالية لإسرائيليين رسميين في الإمارات وقطر وغيرهما. أصوات يبدو أنه لا يهمها الاقتصاد والتجارة، بل تتركّز في الحرب على طهارة الفنون فقط. أهي مقاطعة بمسار واحد، لا تتسع سوى للقادمين، وتتسامح تمامًا مع الذاهبين الى ضيافة الأنظمة الثريّة، سرًا وعلنًا؟

مع وبدون هذا الصوت العربي الناقص، أشار تقرير إعلامي على قناة "ريشت" الاسرائيلية الى أن أكثر من نصف تذاكر اليوروفيجن لم تكن قد بيعت بعد، مساء أمس الأول. وهو ما قد يكلف سلطة البث الاسرائيلية خسائر بنحو مليوني شاقل.

بعيدًا عن العرب، الجدل في العالم كان حاميًا. صحيفة "الغارديان" البريطانية كانت دعت منظمي يوروفيجن لاتخاذ موقف ضد القمع الإسرائيلي للفنانين الفلسطينيين، ونقل مكان إجراء المسابقة من تل أبيب. الصحيفة قالت إن إسرائيل تستخدم المسابقة لأهداف غير التي روّج لها منظموها، الذين يقولون إنها "تكرس قيم الإدماج والتنوع والصداقة". وأكدت الصحيفة أن الحكومة الإسرائيلية تستخدم يوروفيجن للدعاية السياسية، بل تعتبر أن الثقافة أداة سياسية.

"الغارديان" انتقدت المذيعين الأوروبيين، بما في ذلك هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، وقالت إنهم مصرون على إجراء المسابقة في تل أبيب، كما لو أن بثّ عرض ترفيهي باهظ التكاليف من داخل دولة عنصرية قمعية لا يشكل أي معضلة على الإطلاق. وبالتفصيل، أشارت الصحيفة إلى الحرب التي تشنها إسرائيل ضد الفلسطينيين وثقافتهم، مثل قتل القناصة الإسرائيليين الصحافيين الذين كانوا يصورون الاحتجاجات السلمية في غزة خلال شهري آذار ونيسان من السنة الماضية. وفي آب الماضي دمّرت طائرات إف 16 الإسرائيلية - أميركية الصنع - مركز سعيد المسحال، وهو مؤسسة في غزة تختص في الموسيقى والمسرح والرقص. كذلك فإن إسرائيل تمنع الفنانين والممثلين والموسيقيين الفلسطينيين بشكل روتيني منهجي من السفر. الصحيفة البريطانية لخّصت الصورة في إزاء هذه المعطيات كالتالي: إن استضافة إسرائيل للمسابقة هي أمر تافه.

على الرغم من أنه لم يُعلن عن مقاطعة أية دولة، فقد كانت هناك تحركات متفرّقة. طالبت شخصيات ثقافية بريطانية هيئة الإذاعة البريطانية بمقاطعة المسابقة. طالب 171 فنانا سويديًا في رسالة وقعوا عليها بمقاطعة المسابقة مؤكدين رفض أي علاقات ثقافية مع الاحتلال. ودعت رسالة وقع عليها 140 فنانا من جنسيات مختلفة حول العالم، لمقاطعة يوروفيجن 2019. وقال الموقعون: "في أيار (2018)، وبعد أيام من فوز إسرائيل بمسابقة يوروفيجن، قتل الجيش الإسرائيلي 62 من المحتجين الفلسطينيين غير المسلحين، في غزة، بمن فيهم 6 أطفال، فضلاً عن إصابة المئات، معظمهم بالذخيرة الحية".

ختامًا، يجدر التذكير بأن إسرائيل الرسمية فشلت في إقناع المنظمين بعقد المسابقة في القدس. مدير عام وزارة الثقافة الإسرائيلية سبق له أن حذّر في حينه من احتمال إلغاء المهرجان الغنائي في القدس. وقد ذهب أدراج الرياح، والى مزبلة التاريخ، إعلان وزيرة الثقافة الإسرائيلية، ميري ريغف الحازم، أن "المسابقة إما أن تجري في القدس أو أنها لن تجري في إسرائيل أبدا". في هكذا أحوال، هذا أيضًا إنجاز!

في الصورة: وقفة احتجاجية خلال توديع المغني الإسباني ميكي للمشاركة في يوروفيجن في "تل أبيب". المحتجون أكدوا على أن الاحتلال يستخدم المسابقة الأوروبية في غسل جرائمه (المصدر: شبكة التضامن مع فلسطين)

إعلانات

;