أطلقت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية النفير لتشديد الكفاح في مواجهة العنف والجريمة في المجتمع العربي، بالإعلان عن يومي الجمعة والسبت (اليوم وغدًا) كيومي غضب يجري فيهما تنظيم وقفات احتجاجية على مفترقات الطرق او مقابل مراكز الشرطة في المدن والقرى العربية.

كما أعلنت عن برنامج متكامل لمواجهة هذه الآفة، بضمنها تنظيم حملة شعبية واسعة لجمع تواقيع على عرائض وإقامة خيم اعتصام في مختلف قرانا ومدننا، وتنظيم مظاهرة كبرى امام مقر القيادة العامة للشرطة في يافا ودعوة الأحزاب واللجان الشعبية والسلطات المحلية للشروع في حملة تعبئة عامة لإسماع صرخة شعبية مدوية ضد الجريمة والعنف والسلاح.

وكذلك تنظيم مسيرة سيارات على شارع رقم 6 وصولا الى مكتب رئيس الحكومة في القدس حيث تجري إقامة خيمة اعتصام امام ديوان رئاسة الوزراء، على ان يتم التناوب على التواجد فيها وتجنيد وسائل اعلام محلية واجنبية ووضع لافتات تشمل مطالب المجتمع العربي الداعية لاجتثاث ظواهر الجريمة والعنف والسلاح والعمل على تنفيذ المشروع الاستراتيجي للجنة المتابعة واللجنة القطرية، من خلال برنامج تنفيذي يمتد على مدار السنوات الخمس القادمة. كما وجه الاجتماع المشترك دعوة حارة وحميمية الى جماهير شعبنا الى الوحدة والتعاضد ونبذ العنف والمتعاطين به ومعه والى المشاركة في إنجاح المشروع الكفاحي الشعبي.

وسبق هذا تحركات شعبية واسعة في العديد من المدن والبلدات العربية مثل أم الفحم والناصرة ومجدالكروم وطمرة وشفاعمرو، التي شهدت الأسبوع الجاري تظاهرة حاشدة أمام مقر الشرطة في المدينة. وإذ نشيد بهذا التحرك الشعبي الشجاع والميمون نشير الى نقلة ملموسة من مجرد التباكي على ما نحن فيه من أوضاع مأساوية تعيسة، الى الكفاح المنظم لمواجهة الجريمة والعنف وتحت شعارات واضحة ولا لبس فيها.

ولا بد من التأكيد على أهمية انخراط أوسع فئات الجماهير الشعبية والقوى والأحزاب السياسية والجمعيات والمؤسسات الرسمية والشعبية في هذا الكفاح كوننا نواجه تحديات مصيرية جدًا. خاصة وان تقرير مراقب الدولة الذي نشر في آب الماضي كشف عن مخاطر كبيرة توجه مجتمعنا، اذ قال: كمية الأسلحة في المجتمع العربي هائلة، الجريمة تعربد، الضحايا كثر، وسلوك عليل من الشرطة والدولة يمنع تقليص الظاهرة!

كما جاء في التقرير: منذ عام 2000 وحتى تشرين الثاني 2017 قتل في المجتمع العربي 1236 رجلا وامرأة. العنف ضد النساء فظيع: بين 2014 وحتى نهاية 2017 قتلت 40 امرأة عربية ـ نحو نصف النساء اللواتي قتلن في إسرائيل في تلك الفترة! وأضاف التقرير أنه في سنوات 2006 حتى 2013 كان معدل جرائم السلاح بين السكان العرب أعلى بعشرة أضعاف منه بين السكان اليهود. في سنوات 2014 حتى 2016 كان معدل جرائم السلاح وإطلاق النار بين السكان العرب أعلى بمعدل حتى 17,5 ضعف منه بين السكان اليهود. عدد المصابين في أحداث العنف بالسلاح الناري كان أعلى بمعدل حتى 12 ضعفًا. هذا في الوقت الذي يشكل المجتمع العربي 20 في المئة من السكان في إسرائيل، الا ان معدل الانخراط في جرائم العنف في المجتمع العربي أعلى بضعفين من باقي السكان. في ملفات القتل يعدّ هذا أعلى بضعفين ونصف.

هل تعني هذه المعطيات الرسمية ان مجتمعنا مجتمع عدواني؟ بالطبع لا فان نسبة الأكاديميين في المجتمع العربي من أعلى النسب في العالم، وان الاطباء العرب أصبحوا يشكلون أكثرية اطباء الجهاز الصحي في إسرائيل نسبيًا. وحقيقة أخرى هي ان نسبة الجريمة في مجتمعنا تفوق بثلاثة أضعاف نسبتها في المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية. ويمكن الجزم بان نسبة المنخرطين في أعمال العنف في مجتمعنا قد لا تتجاوز 2% في حين ان الأكثرية الساحقة في هذا المجتمع تطمح للأمن والأمان والحياة السعيدة.

وكيف يمكن تفسير هذه المتناقضات؟ العنف المستشري في مجتمعنا له خلفية موضوعية ترتبط بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مثل الفقر والبطالة والسياسة العنصرية في مجال التشغيل والتعليم والصحة وغيرها. وكذلك هناك عوامل ذاتية عديدة من أبرزها تقاعس الجهات الأمنية عن مواجهة ظاهرة العنف ووضع حد لها وضمان الأمن والأمان للمواطن العربي. وما يبرر هذا التأكيد، التخاذل الخطير للشرطة ولأجهزة تنفيذ القانون بتقديم لوائح اتهام في جرائم القتل وإطلاق النار وحيازة السلاح بدون ترخيص. ففي مركز شرطة أم الفحم تبلغ نسبة تقديم لوائح الاتهام 1,2% فقط من ملفات التحقيق بهذه الجرائم، وفي الناصرة 3,7% من وفي منطقة الطيبة 3,4%! وهذا ما أشار اليه تقرير مراقب الدولة بشكل واضح: أنه في 70% من ملفات القتل التي راح ضحيتها مواطنين عرب بين الاعوام 2014-2017 لم يتم حلّها او تقديم لوائح اتهام فيها حتى اليوم.

هذا التقاعس يعكس ان حكومة اليمين العنصري بزعامة نتنياهو والشرطة والشاباك معنيون باستمرار هذا المسلسل الدمي في مجتمعنا بهدف عنصري لئيم هو تفتيت وحدة جماهيرنا بهدف اقصاءها عن الساحة السياسية. وما يعزز هذا الرأي هو حقيقة ان الشاباك والأجهزة الأمنية الأخرى لا تعجز عن كشف اية جريمة مهما كانت مستعصية اذا كانت الضحية يهوديًا وحتى لو كانت على مجرد خلفية جنائية. فالشاباك، الذي يتباهى مسؤولوه في المناطق بأنهم يعرفون أسماء وحتى القاب المنخرطين في "عمليات عنيفة" حسب وصفهم، لم يظهر حتى الحين أي دليل جدي على مواجهة آفة الجريمة في مجتمعنا. بل على العكس فان الشرطة والشاباك يعمدان الى رعاية عائلات الاجرام، والمجرمين ويتسامحان معهم، شريطة ان يتعاون هؤلاء مع الشرطة ويصبحوا مخبرين أوفياء. ومثل هذا التعامل ما يبرر انتشار السلاح في المجتمع العربي وليس عجز الشرطة والشاباك هو السبب في انهاء فوضى السلاح هذا.

وفي مثل هذا الوضع فانه لا سبيل امام الجماهير العربية، التي تطمح الى العيش بأمن وأمان في وطنها، الا الوحدة والانخراط في النضال المنظم والمثابر ضد العنف والجريمة وإرغام الحكومة وأجهزتها الأمنية على ضمان أمن المواطنين وانهاء حالة فوضى السلاح ومحاربة الجريمة والعنف. والتجربة التاريخية تثبت ان ما حققته الجماهير العربية من مكاسب وانتصارات لم يأت لحسن نوايا المؤسسة العنصرية الحاكمة وانما نتيجة نضال مثابر وعنيد لهذه الجماهير.

 

صورة - المظاهرة أمام شرطة شفاعمرو: نحن نتّهم!

 

إعلانات

;