"من وين أنت بالضبط؟" يستهويني هذا سؤال وأسئلة أخرى تشبهه، تعبّر عن حيرة السائل، وتمازج خارطة الوطن في يومياتي، وكان طبيعيًا أن يطلّ يوم أمس حينما التقيت بأصدقائي من دار طباق للنشر والتوزيع من رام الله، لأستقل وإياهم باصًا من القدس، معدًا للقادمين من الضفة الغربية، ليُقلّنا إلى مسيرة العودة إلى قرية الطنطورة المهجّرة جنوب حيفا.

مع انطلاق الباص من حيّ الشيخ جراح مغادرًا القدس، راحت الطريق التي أسلكها أسبوعيًا ـ من القدس إلى الرامة ـ تكتسبُ معاني جديدة، وانا أراها بعيون من يرافقني من الضفة الغربية. تعابير مختلفة من الدهشة، اللّهفة، الشوق، محاولة الفهم وغيرها الكثير، التي تختلف بحكم الأعمار والتجربة راحت تطلّ كلّ حين، فتجعلني أنظر إلى الأماكن التي اعتدت المرور بها بنظرة أخرى.

هناك من يلمُّ بتاريخ الأرض وجغرافيتها، ويجمع بينها وبين ما تبقى من ذاكرة بعيدة للقاء قديم مع المكان، فيطلع من حوله من رفاق السفر عن الأماكن التي نمرّ بها. هناك اللاجئ الذي هُجّر من اللّد، ويفرح بمجرد رؤية اسمها على لافتة في الطريق، فيهلل ويسحّجُ رغم أنّ كيلومترات لا تزال تفصله عنها، ولن يمرّ بها الآن. هناك الفتى الذي يتأملُ كلّ شيء محاولا أن يفهم، معاني لافتات الطريق، والأسماء التي يمرّ بها، وأين هي هذه التل أبيب التي يرى اسمها كثيرًا ويسمع عنها أكثر؟ أين ستحط الطائرة التي تمرّ فوقنا؟ متى سيظهر البحر؟

هناك الدهشة والفرح في عيون طفل، يقفز في مكانه حالما يرى بركة صغيرة يطفح فيها الأزرق، متسائلا ما هذه؟

فتدهشني دهشته، وأسأل الكاتب الصديق طارق عسراوي: "أليس من برك سمك في الضفة؟ هل يُعقل أن الطفل لم ير بركة من قبل؟" فقال باسمًا: "يبدو أنّه لم ير، وإلا لما دُهش هكذا ومن يدري، قد يكون ظنّها هي البحر"

ياه من حسرة البحر ووقع هذه الكلمة في نفس كلّ محروم منه في الضفة الغربية، البحر الذي قطف حياة رجل في الخامسة والأربعين من عمره من الخليل، يوم الجمعة الماضي، إذ حضر للصلاة في القدس، وأتمّ طريقه إلى بحر يافا منتشيًا بالملقى، فأغرقته أمنية البحر.

قلتُ له: "أتمنى ألا يقطف البحر أحدًا ممن معنا اليوم".

وبين كل هؤلاء، هناك من ينظرون من وسط تجاعيدهم إلى كلّ شيء بصمتٍ، قلّما يجيبُ أحدًا حينما يهبّ سؤال متحمسٌ عند رؤية مئذنة: "بلد عربية! شو اسم هاي البلد؟" أو يندمجون بانبعاث تنهيدةٌ ونغمةٌ فاترة، حين يلوح الرمادي، ويردد الكثيرون: "هيو الجدار"

من على ضفتي الجدار الذي قسّم وطننا، يتغير مفهوم ال - أنا وال – نحن، قرب باقة الغربية، يقول أحدٌ ما: "الجدار فصل باقة الشرقية عن باقة الغربية، الشرقية معنا، والغربية معهم".

وهناك حين نصل وجهتنا، ونقف عند مدخل الطنطورة وتبدأ اللقاءات، التي تخلطُ حدود الوطن، لألقى أصدقاءً من رام الله، وأريحا وعكا والرامة وغيرها.. فأسمع السؤال: "من عندنا ولا من عندكو؟"

في ذلك الموقع الذي شهد المجزرة، بدأ أبناء القدس بقرع الطبول والنفخ في القِرب، وتحت لواء سريّة القدس وأعلام وطن نحاول أن نحياه رغم كلّ شيء، اجتمعت خطانا، وبدأنا نسير..

يطلّ علينا كلّ حين المستجمون الفضوليون المترفون بالسباحة، لا تعكّر مزاجهم ذاكرة الدم، ويأتون ليتسلوا بالعرض الكشفي الذي أتاهم مجانًا، فيما يرقبنا بعدّة الموت رجال الشرطة والجنود وربّهم..

وتنتظرنا الطنطورة والبحر..

مع الإطلالة على البحر، والبيت الوحيد الشاهد والشهيد الباقي هناك، باعدتُ عن اندماجي بالمسيرة التي تحييها جمعية فلسطينيات للمرّة الخامسة استذكارًا لمذبحة الطنطورة، وإحياءً لحق العودة. سرتُ إلى البحر لأرقب أعلام وطني، التي شعرتُ باحتياج وشوق كبير لها، في هذه الفترة التي لم أكن أرى فيها إلا أعلام محتلي كيف نظرتُ وأينما قصدت، محتفيًا باستقلاله. نظرتُ بنشوة إلى علم فلسطين قرب البحر، نعم للمرّة الأولى أعيش تجربة أن أرى دمجًا بين علم وطني والبحر، وتأملت البيت الباقي الذي قُطّعت كثير من أطرافه، وحاولتُ أن أبتعد عن مشهد مظلّات المستجمين، وأجسادهم المستلقية أو الماضية برخاءٍ على الشاطئ، لأتخيل مشهد قرية كان يُمكن لها أن تكون واحدة من أجمل قرانا في هذا المكان.

صعُب علي هذا، يشقى خيالي في هذه الأيام، بين العمل على رسم الكثير من الصور المقتطعة والممحية من ذاكرة كان يمكن أن أحياها، فمن جهة يستمر عملي على رسم مشهد قريتي الرامة قبل احتلالها، ومن جهة أخرى أغوص في قراءة تاريخ استعمار الانجليز للهنود الحمر، فيبحر خيالي متصورًا بشاعة ما مرّوا به، محاولا رسم المشهد العالمي لو بقيت تلك حضارات على قيد الوجود، وأشعرني أقرأ تاريخ وطني، مع تغيير بالمسمّيات، وأساليب أكثر بشاعة وإبداعًا في الموت أدّت إلى القضاء على أكثر من 112 مليون شخص عاش في أمريكا الشمالية، قبل استعمارها، فأتوقف عن محاولة تخيّل الجمال الذي نفقده.

أعود من وجع ذاكرة عاجزة عن الوصول إلى تلك الصور الغائبة المدفونة تحت الرمال، لأنضم إلى الأصدقاء وأندمج في لمّ شملنا الوطني، لأتابع برنامج اللقاء المعد لهذا اليوم، فأسعدني النص الإبداعي الجميل المستوحى من ذاكرة الطنطورة، الذي كتبه الكاتب طارق عسراوي، وألقته بأسلوب رائع ابنة عمي رلى القاسم عثمان، والتي بعثت في نفسي الكثير من الفخر بعرافتها وزميل لها لهذا الحدث. ولكن ممّا أزعجني في البرنامج ما يمكن أن يسمى تملقًا لأعضاء الكنيسيت، عند ترحيب عريف الحفل بأعضاء الكنيسيت الجدد، وإسقاط الترحيب بأعضاء سابقين ومتواجدين، وكانت تُقدم فيهم الخُطب الطويلة سابقًا، واختيار تخصيص هذا الترحيب ومنحهم الصفة العُليا، في وقت قد يكون بين الحضور من كافح وعمل لأجل هذا الوطن أكثر بكثير من هؤلاء المخصص الترحيب بهم. فما كان أغنانا في هذا المساء بالذّات ونحن نلملم جراحنا، وشتات شملنا، بالابتعاد عن تقاليد تبجيلية، وعن تصفيق باحثٍ عن قيادة لا تملك القيادة.

فيما خلا ذلك كان البرنامج خفيفًا على القلوب، تاركًا للأطفال وللمشتاقين نشوة لقاء البحر واللعب أو الكتابة على الرمل، بانتظار رفع أذان المغرب، والاجتماع حول موائد الإفطار، حتّى حان موعد إرواء حاجات الجسد من الماء والطعام، في هذا اليوم الحار من رمضان.

قبل المغادرة بلحظات جلستُ أحتسي القهوة على عجل مع ابن عمي سميح، وضاح القاسم، في ضيافة البيت الطنطوري الوحيد الباقي، أبدى وضاح رأيه بما نشرتُ مؤخرًا من مقتطفات بمناسبة النكبة، من ذاكرة قريتي وروايتها عن عام 1948، والتي أعمل على جمعها في كتاب، تحدّثنا حتّى أنهيتُ قهوتي ووقفتُ مخبرة إياه: "حان موعد عودتي مع أهل رام الله إلى القدس، سنكمل حوارنا الأسبوع القادم في الرامة".

في طريق العودة ووسط سكينة التعب، راحت تعاودني اللحظة الأقوى التي لامست قلبي، والتي سأذكرها أبدًا من هذا اللقاء بالطنطورة. كان ذاك بعد تناول الإفطار، حينما سرتُ مباعدة عن صوت الضجيج والأغاني وحولي قلة قليلة من المتسللين إلى البحر، بعضهم يبحث عن سكينة للعشق، وبعضهم يبحث عن قبلة أخرى للموج، والبعض يبحر في أفق لا يعلم متى سيلقاه مرّة أخرى.

بين ضجيجهم الخفيف، انحنيتُ لأغمس يدي بموج الطنطورة، ووجدتني أنكشف على خط أفق جديد يمتد على الشاطئ لم أنتبه إليه، وأنا أبحث عن آخر خيوط ضوء تنسحب من الأفق البحر.. فجأة انتبهتُ إلى الخط اللامتناهي من الأصداف، المتناثرة عند حدّ لقاء الموج بالرمل. أردتُ أن ألتقط واحدة، وسمعتُ عندها لحنًا منخفض الصوت، من أجمل ما سمعتُ من أغنيات الشواطئ. هي موسيقى من وقع أصابع الموج على الأصداف، تتسلل ناعمة إلى الروح تحررها من بقايا انكساراتها، وتبقي ماءً مُحلى من بئرها السكري، يُرطّب خطى توجعها وعورة الطريق في الوصول إلى الخلاص منذ 71 عامًا، هذه هي هدية الطنطورة لي هذا المساء.

 

صورة: مسيرة العودة إلى قرية الطنطورة المهجّرة جنوب حيفا (تصوير: منال منصور)

 

إعلانات

;