news-details
مقالات

ملاحظات على ملاحظات

قرأت الملاحظات الشخصية التي نشرها، في الاتحاد الأسبوع الماضي، أستاذنا وأديبنا محمد نفاع الذي يفاخر به شعبنا في كلّ حلّ ومرتحل. قرأت وما زلت أقرأ كلّ ما ينشره هذا الأديب المتميّز. وقرأت وما زلت أقرأ كلّ ما ينشره عنه الآخرون إلا الذي لا تصل إليه يداي من باب العجز لا التقصير.

 

ثلاث هنّ فيه:

ثلاث هنّ فيه جعلنه قامة أدبية عالية، لا قاصًا ولا كاتبًا. حين يصرّ الأدباء الكبار على نمط أدبي يتقنونه ويبلون فيه بلاء حسنًا ويشقون في تهذيبه فلا بدّ أن يرفعهم إصرارهم إلى مصافّ الأدباء الخالدين. وإنّ لنا في يوسف إدريس المكثر مثالا طيّبًا وفي زكريا تامر المقلّ مثالا مثله لا يقلّ طيبة. وحين يسلك محمد نفاع مسلكا خاصًا، لا يغادره، يصير بفضله صاحب مدرسة أدبية يُعرف بها وبه تُعرف، وبها يظلّ موسومًا وبه تظلّ.

أولا: التحديق بالعالم الفيزيائي المباشر والحيّ... هذا الذي يسمّونه  فعل التورّط بالعالم القريب والبعيد والانتماء إليه. لا يستطيع الأديبُ الأديبُ أن يكتب عن عالم هو خارجه، ولا يعرفه بتفاصيله ودقائقه، ولا يعنيه في توجّهاته لا من قريب ولا من بعيد. محمد نفاع في حالة انتماء مثلّث لا تنقطع: انتماء إلى واقع الأمّ وواقع الأمّة وواقع الأمم.

ثانيًا: التحديق بالعالم الافتراضي أو المجازي... وهذا عالم لغوي يُنشئه كتابٌ وأدباء ومثقّفون وفلاسفة وحكماء. وهو أيضًا عالم ملوّن ومرسّم وصائت. أعني بالعالم الافتراضي والمجازي كلّ نصّ مكتوب نستهلكه بالقراءة، وكلّ نصّ فنّي نستهلكه بالمشاهدة أو الإنصات. الكاتب الذي لا يقرأ ولا يثقّف نفسه ولا يهذّب تجربته بالانكشاف المستمرّ على ما يبدعه الآخرون لن ينتقل من مربّع الكتابة إلى مربّع الأدب. ومحمد نفاع قارئ نهم لا يشبع من القراءة.

ثالثًا: الموقف من العالم. الموقف انحياز فطري ومحسوب ومكتسب. لمحمد نفاع رسالة تلزمه ويحاول جاهدًا نقلها إلينا بالعدوى. لأنّ الكتابة ذاتها موقف، والموقف نقليّ بطبعه، فلا بدّ من تصديره بكلّ الأدوات المتاحة. والأدوات هي جامع أسلوبه المتميّز.

 

نفس الطريق هي الطريق نفسها:

لقد سلك آباؤنا النحاة، السابقون واللاحقون، نفس الطريق وجعلوها الطريق نفسها لم يمنعهم "من ذلك نحو ولا لغة". على العموم، أحبّ التوسيع والتفسيح المحسوب في كلّ أمر لأنّ فيه تخفيفًا وتسهيلا نحتاجهما لدوام الحركة والنشأة والتقدّم. وسّعوا ضيّقًا ولا تضيّقوا واسعًا. ما أحوجنا إلى هذه المعادلة في كلّ أمر من أمورنا. فلا بأس أن تظلّ يا أبا هشام تسلك نفس الطريق التي أنت عليها لا يمنعك من ذلك لا نحو ولا لغة. 

 

دوستويفسكي وشولوخوف:

كانت حياة فيودور دوستويفسكي (1821 - 1881) صاخبة وملوّنة ودراميّة. وكانت حياة ميخائيل شولوخوف (1905 - 1984) أكثر هدوءًا واستقرارًا وسكينة. ما جعل الأول ينظر إلى العالم نظرة المتأمّل الفيلسوف الحكيم، وجعل الثاني يحدّق بتفاصيل الواقع يرصدها يوسّعها ويفصّلها ويجمّلها. من قرأ "الإخوة كارامازوف" لدوستويفسكي ومن قرأ "الدون الهادئ" لشولوخوف أدرك معنى ما أقول. دوستويفسكي يحوّل العالم إلى مقولات وأطروحات عميقة يدفعك إلى التأمّل دفعًا غير حذر. وشولوخوف يحوّل الواقع إلى صوت وصورة يحبّب إليك الحياة فيه. 

 

كلمة خاصّة تركتها لآخر الملاحظات عن محمد نفاع والخرف:

أولا: إنّ من يكتب هذا الذي تكتبه لا يمكنه أن يخرف. ثانيًا: إنّ العقل يحسن كلما أبدع. ثالثًا: إنّ من يشرب القهوة السمراء ويصرّ عليها، أكثر من إصراره على الهواء الذي نتنفّسه، لا يخرف أبدًا. هكذا يطمئننا الأطبّاء العارفون والعلماء المتخصًصون. لو داومت على احتساء القهوة ستّين عامًا، منذ ولدت حتى اليوم، واحتسيت كلّ يوم غلايتين من القهوة، كما أعلم، وإذا كانت كلّ غلاية تتّسع لأوقيّة قهوة لاستهلكتَ حتى اليوم عشرة أطنان من القهوة، حسب حساباتي وهي كلها من باب التقريب وليس التدقيق... وأين سيذهب الخرف حين يسمع بهذا الكمّ الهائل من القهوة؟!

 

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب