news-details
ملحق الجمعة

أفكار لتجنب انهيار كارثي

شهد الاقتصاد اللبناني قبيل الأزمة الأخيرة سلسلة أزمات ناجمة عن تقلب سعر صرف الليرة مقابل الدولار، تجلت في اضرابي محطات المحروقات والأفران، سبق ذلك سحب مبالغ بالقطع الأجنبي تقدر بملياري دولار من البنوك، لتصنع أزمة خانقة تركت سياسة تسعير الدولار للصيارفة. لم يلتفت أحد، بمن فيهم اليساريين و الوطنين، لما حدث ولم يرفعوا شعارات للمطالبة بالتحقيق في ذلك ومواجهة "كارتيل" نشأ إبان المضاربة.

تكمن معضلة الاقتصاد اللبناني في انه خضع لهندسات مالية في الأعوام الماضية، جعلت الدولرة تحتل ٧٠٪ من عملياته، مما جعله هشا أمام أي تغيير في سعر صرف الدولار، في الوقت الذي يشكل فيه العمل على تثبيت سعر الدولار إحدى أهم أزماته. هذه الهندسات المالية استفاد منها القطاع المصرفي والبنوك، من خلال تحويل الدولار نفسه إلى سلعة.
حتما حين يغلب صوت العاطفة و يغيب البحث السياسي، فإن المشهد ليس كما يصور، بل هنالك تفاوض بعيدا عن الجماهير المحتشدة في الساحات. وسيكتشف الكثير من هؤلاء انهم كانوا ضحية لحالة من التوظيف السياسي، في تصفية حسابات داخلية وخارجية. إدراك القوى السياسية وفي مقدمتهم أحزاب اليسار والتيارات والشخصيات الوطنية تلك الحقيقة، يجعل مهمتها الرئيسة متمثلة بنقل هذا التفاوض من الغرف المغلقة، إلى العلن من خلال ربط المطالب ببرامج تنفيذية يتم التفاوض عليها علنا.
إذا كان صياغة جملة المطالب والبرامج يتطلب المزيد من النضج والعمل والتنظيم للوصول إلى أوراق تحصل على إجماع القوى المختلفة، فإنه من الملح العمل على حماية مداخيل و مدخرات المواطنين من المضاربة وفقدان قيمتها، والعمل على تجنب السيناريو الأكثر المأساوية المتمثل بالانهيار المالي. هذا الالتزام يستدعي تصدي الدولة للتحكم بالأسواق المالية، ومنع تداول الدولار خارج المصارف وبالسعر المحدد، تجنبا للمضاربة، ووضع القيود على نقل الأموال من إلى خارج البلاد،وفرض اجراءات صارمة وان بصيغة مؤقته لتداول الليرة في المعاملات التجارية الداخلية ورفع السرية المصرفية. هذه الإجراءات ليست مستحيلة، فقد شهدنا اجراءات مماثلة في الولايات المتحدة إبان الأزمة المالية، إذ قامت السلطات الفيدرالية إغلاق البنوك، وضبط حرية تنقل الراساميل كتدابير اضطرارية لمواجهة الأزمة انذاك، واعتقد ان اكثر المتحمسين ليبراليا لحرية الأسواق، لا يستطيع إنكار الدور التدخلي للدولة انذاك.
المقلق الان و المثير للريبة هو استمرار إغلاق البنوك طيلة ايام الاحتجاجات، الأمر الذي لم يحدث في سنوات الحرب الأهلية، والذي قد تنتج عنه نوبة هلع من قبل المودعيين و طلب متزايد على الدولار في مقابل تهاوي سعر صرف الليرة، عندها سيجد العامة ان مدخاراتهم و مداخيلهم قد تآكلت وفقدة ثلثي قيمتها، اذا قفز سعر الصرف ل٦ آلاف ليرة مقابل الدولار.

اوهام الطبقة الوسطى، وهم النضال دون أثمان

ليس الهدف الانتقاص من الفعل الشعبي الجماهير، ولا الغاية هي التقليل من شأن الطاقات الكامنة لدى الجماهير، التي حتما نؤمن بها، الا أن مسار الأحداث الذي اخذ يتفاعل لحظة بلحظة، يفرض البحث والحوار والتمحيص بغية خلق جدل يفضي لبعض العبر التي قد تثري النقاش وتجعله منتجا.
منذ انطلاق الحراك الجماهيري العربي في عدة بلدان، لم يعد الهاجس نزول العامة للشوارع، فهذا الهدف، تحقق منذ الجولة الأولى لهذا الحراك، واخذت الجماهير تدرك وتتخذ من النزول والاحتجاج سلاحا في وجه سلطات امعنت في تهشيم وأضعاف المجال العام. لكن الدرس الذي تعلمناه من المرحلة الماضية، هو غياب الآليات التي تحول هذه الحالة الجماهيرية العفوية إلى إنجاز يرجح مصالح طبقة اجتماعية مغايرة للطبقة المتنفذة.
حتى لا تتكرر الثغرات التي شابت التحركات التي انطلقت منذ ٢٠١١ حتى ٢٠١٥، من تعميم للشعارات واطلاق حالة من القدسية لشارع مشتت الرغبات والطموح والمطالب. هذه الثغرات سهلت مهمة القوى المتنفذه في الأسواق والسلطة لإعادة إنتاج نفسها. هذا السيناريو قابل للتكرار في حال بقيت القوى والشخصيات الوطنية والديمقراطية أسيرة الشارع، باحثة عن زيادة شعبيتها، تاركة الحوار الدائر وراء الأبواب المغلقة للقوى التي تعمل على تجيير الحراك في الشارع لصالح تقليل خسائرها، وإعادة إنتاج نفسها.
هذا التخلي الطوعي، سواء كان عن وعي او عدم نضج، سرعان ما سيتجلى في مآلات المشهد، من خلال انهاك العامة وتيئيسها من الفعل الجماهير،عندها تصاب بمتلازمة الإجهاد الجماعي، وتصبح أكثر ميلا للتخريب واستعمال العنف للاستفادة من الوقت الذي يصبح عاملا حاسما، فتنحرف التحركات الجماهيرية عن هدفها ويسهل ضربها من خلال نثر بعض الإصلاحات الشكلية.
هذه الحالة ليست خاصة بلبنان، ولكنها حالة عامة نشهدها مع كل تحرك جماهيري، وهي تعبر عن فقر في الممارسة والفكر السياسي العربي. لعل تكرار الحديث عن أزمة "الطبقة الوسطى"، يجعل الصورة أكثر ضبابية. فهذه الطبقة التي يختلف الكثيرون على ماهيتها وتعريفها، لكن هناك إجماع على أنها طبقة مترددة، تمتلك اشواق العيش الرغد دون اثمان تذكر. وهي تشجع هذا الشكل من الاحتجاج وتعمل على تضخيمه، من خلال إطلاق صفة الثورة على أي نوع من التحركات الشعبية. هذه الثورة ليست سوى تعبير عن حرمان تلك الطبقة، الجبانة والمترددة، من تحقيق طموحاتها. هذه الطبقة غير قادرة بطبيعتها على التضحية او خوض النضال ذو الأثمان الكبيرة، فتحول تحركاتها إلى حالة الكرنفالية، تجيدها، و الوقوف على مدار ايام في الشارع وكأنه الفعل الارقى، المترافق بالحفلات وحملات النظافة، وكأن الصراع الطبقي اوالتحركات الاجتماعية والثورات بحاجة إلى شهادة حسن سلوك او لائحة اتكيت خاص بالتجمعات.
حتما ما تمارسه تلك الطبقة ليس سفورها وفهلوتها بل ايضا سرقة جهد الجماعات الغاضبة والمتضررة من الوضع القائم، لذلك تصبح مسؤولية الوطنيين ودعاة الانحيازات الاجتماعية المناهضة لسطوة السوق أضعاف ما يتصورونه. فدورهم ليس الاندماج في الكرنفال، بل الخروج من الحالات الكرنفالية إلى فعل ثوري حقيقي حسب إمكانيات الواقع، وتحقيق تغييرات جذرية قدر الإمكان.

من الصعب المساواة بين المناهضين للهيمنة الأمريكية والعربدة الإسرائيلية والرجعية النفطية وتناسي النضال الجسور الذي خاضته، وتلك الثلة من كارتيلات السوق والصيارفة والقوى السياسية المرتبطة بها. ليس بتلك البساطة نتقبل هذا التماهي بين من أودع حياته لمقاومة الاحتلال، وذلك "الفنيقي" الموهوم بفرادته ويمينيته ،هذا الخيط العريض والفاصل حاسم ومن غير المقبول التغاضي عنه او تبسيطه، فكلفة واثمان المواجهة مع الأمريكي والأسرائيلي أعلى بكثير من كلفة ترديد معزوفة اني اخترتك يا وطني في اوساط الجموع "الثائرة".

*عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الاردني

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب