news-details
ملحق الجمعة

إشكاليات الترجمة الشعرية: ديوان الشاعر سميح القاسم "أشَدّ من الماءِ حُزنًا" Sadder Than Water، مثلاً

        مقدمة: تجربتي في الترجمة

 

لقد مرت تجربتي في الترجمة من العربية إلى الإنكليزية وبالعكس في عدة مراحل، وشملت مجالات ومواضيع عديدة لكتاب وشعراء وباحثين يكتبون بالعربية والإنكليزية وسأحاول تلخيص هذه التجربة التي ما زالت مستمرة منذ ما يزيد عن ثلاثين عاما، ولكنها تتركز في الترجمة الشعرية مع التركيز على ديوان الشاعر سميح القاسم "أشد من الماء حزنا" قمت بترجمته سنة 2006 وصدر عن دار النشر آيبيس/ Ibis باللغة الإنكليزية.

 

        الكتب المدرسية

لقد بدأت تجربتي في الترجمة الأدبية من الانكليزية إلى العربية وبالعكس في سنة 1983 من خلال عملي كمدرس للغة الإنكليزية في مدرسة الرامة الثانوية، فقد بادرت إلى تزويد القصص الإنكليزية المطلوبة في برنامج تعليم الأدب الإنكليزي لطلاب المدارس الثانوية بمسارد تحتوي على الألفاظ الصعبة مع ترجمة عربية مرافقة، ثم قمت بتطبيق الفكرة والطريقة على المسرحيات والأشعار.

 

        المعاجم

في سنة 1987، قمت بمشاركة الأساتذة صلاح محاجنة وسهيل عطالله والأستاذة تريز أنجل بترجمة قاموس هاراب (Harrap) إلى اللغة العربية وتحريره، ومن بعد هذا القاموس قمت، منفردًا، بترجمة قاموسين آخرين الى العربية هما :Passportالذي تمت ترجمته إلى عدة لغات، وقاموس Globaldix الذي تم تحميله على الانترنت وهو من إصدارات منشورات كرنرمان Kernerman.

بعد أن أتممت دراستي لدرجة الدكتوراه في جامعة إكستر البريطانية وتخصصت في علم المعاجم، أخذت شركات إسرائيلية ودولية للترجمة، تطلب مني القيام بترجمات معجمية. كذلك، قامت وزارة التربية والتعليم وقسم التفتيش في البلاد بالطلب مني أن أقوم بمراجعة المعاجم الورقية والالكترونية التي تنوي المصادقة عليها قبل السماح باستعمالها في المدارس الثانوية مثل قاموس كريم الإلكتروني، قاموس لونغمان (الورقي) (الصادر عن دار لونغمان في مصر) وقاموس بابيلون الالكتروني اونلاين (متعدد اللغات).

 

        الشعـر من الإنكليزية إلى العربية

إضافة إلى ترجمة المعاجم قمت بترجمة عدد كبير من القصائد من اللغة الانكليزية إلى اللغة العربية لعدد كبير من الشعراء من كل أنحاء العالم وكنت أنشر تلك الترجمات في صحيفة "الاتحاد"في زاوية بعنوان "نافذة على الأدب العالمي". من ضمن هذه المجموعة ترجمت عددا كبيرا من القصائد لشعراء من أغلب أنحاء العالم و لشعراء عرب يعيشون في الولايات المتحدة وكتبوا باللغة الإنكليزية مثل: ليزا سهير مجج، ألماز أبي نادر، نعومي شهاب ناي، وصليبا صرصر.

 

        الشعر المحلي من العربية إلى الإنكليزية

كذلك، قمت بترجمة عدد من القصائد التي كتبها شعراء فلسطينيون من الداخل بناء على طلب منهم، أو بمبادرة مني أو مبادرة من نقاد يكتبون عنهم ويشتركون في مؤتمرات أدبية خارج البلاد، فترجمت عددا من القصائد للشعراء: جمال قعوار، حسين مهنا، رشدي الماضي، سميح القاسم، شفيق حبيب، شكيب جهشان، فاروق مواسي، محمود درويش.

 

        القصة القصيرة

في سنة 2007 قمت بترجمة مجموعة قصص قصيرة علمية للأطفال للكاتب محمد حجيرات وفي سنة 2013 قمت بترجمة قصة قصيرة للكاتب محمد علي طه وفي سنة 2018 قمت بترجمة ثلاث قصص قصيرة للكاتب عفيف شليوط وقصتين للكاتبة عايدة نصرالله.

 

        مسرح الأطفال

في مجال المسرح، ترجمت عددا من مسرحيات الأطفال للمخرج المسرحي عدنان طرابشه، منها "سمسم غاب، سمسم جاب".

 

        المسرح الغنائي

في سنة 1997، وفي مجال المسرح الغنائي، قمت بترجمة قصيدة (قطر الندى) للشاعر سميح القاسم بناء على طلب من المخرج نبيل عازر الذي حوّل القصيدة إلى مسرحية موسيقية راقصة وفي سنة 2001 ، قمت بترجمة القصيدة المطولة (أذكر) للشاعر شكيب جهشان وقد حولها أيضا المخرج نبيل عازر إلى مسرحية غنائية بطلب من مسرح الميدان الذي كان يقوم بإدارته المخرج فؤاد عوض وقدمتها فرقة يعاد الغنائية في البلاد وخارجها.

 

        النقد الأدبي الأكاديمي من العربية إلى الانكليزية

في مجال النقد الأدبي الأكاديمي، قمت بترجمة عدد كبير من المقالات النقدية لباحثين جامعيين محليين في شتى المجالات الأدبية واللغوية والثقافية، نشرت في مجلات أدبية محكمة تصدر باللغة الإنكليزية داخل البلاد وخارجها.

 

        النقد الأدبي الأكاديمي من الإنكليزية إلى العربية

في مجال البحث والنقد الأدبي، قمت بترجمة مقالات نقدية من الإنكليزية إلى العربية للبروفيسور جوزيف زيدان عن المسرح العربي، وصورة اليهودي في الأدب العربي،نشرت في صحيفة الاتحاد ومقالة للبروفيسور ساسون سوميخ عن ترجمات التوراه وتأثيرها على الشعر العربي الحديث، ومقالة للباحثة تيري دي يونغ Terry De Young عن الجناس في شعر سميح القاسم نشرتا في مجلة إضاءات.

 

        ديوان "أشد من الماء حزنًا" Sadder than Water للشاعر سميح القاسم

في سنة 2006، وبناء على طلب من الباحث بيتر كول Peter Cole والشاعر سميح القاسم قمت بترجمة مجموعة من القصائد المختارة من شعر الشاعر سميح القاسم تعطي صورة موجزه عن مسيرته الشعرية من سنة 1968- 2006. بعد أن أنجزت ترجمة القصائد، قام الأستاذ المترجم بيتر كول بمراجعتها، وقامت السيدة عدينه هوفمانAdina Hoffmann بكتابة مقدمة الكتاب، ثم قامت دار النشر Ibis بنشر القصائد في كتاب بعنوان Sadder Than Water وهي قصيدة سربية مطولة. تم توزيع الكتاب في الولايات المتحدة بواسطة عدة دور نشر مثل أمازون وغيرها. وبهذا، يكون هذا الكتاب أول كتاب كامل يقدم شعر الشاعر سميح القاسم إلى القارئ الأجنبي.

بعد ذلك قامت عدة دور نشر ومجلات بإدخال بعض القصائد المترجمة في أنثولوجياتها، ومنهم الأديبة الفلسطينية الأصل، نتالي حنظل، في كتاب: لغة لقرنٍ جديد:A Language for a New Century ومجلة Modern Poetry in Translation الصادرة في لندن، ومجلة Gates of Reconciliationالصادرة في جامعة هاواي سنة 2008.

لقد كتب عدد من القراء والنقاد أراءهم حول الترجمة (يمكن قراءتها على الانترنت) وأختار هنا ما كتبه الناقد المعروف، عيسى بلاطه (الذي توفي في أول أيار 2019) ، في مجلة الأدب العالمي اليوم World Literature Today، عدد أيلول، 2007، يقول عن ترجمة المجموعة ما يلي:

Nazih Kassis’s selections are appropriate in representing the wide variety of al-Qasim’s poetry and innovations, and his translation is quite faithful to the original Arabic, often capturing in an elegant English turn of phrase a complex Arabic wording.

 

        إشكاليات الترجمة الشعرية من العربية إلى الإنكليزية

بصورة عامة، تختلف ترجمة الكتابات النثرية سواء في المؤلفات الأدبية والدراسات والمقالات عن ترجمة الشعر، ويمكن تلخيص الصعوبات الرئيسية التي تواجه المترجم عند ترجمة النصوص الشعرية من العربية إلى الانكليزية في النقاط التالية: 

  1.  إيجاد المقابلات اللفظية الدقيقة أو المطابقة في اللغة الانكليزية للألفاظ والمسكوكات اللفظية والمصطلحات والاستعارات في اللغة العربية. أحيانا لا توجد مقابلات مطابقة وأحيانا تكون قريبة وليست مطابقة.
  2. ترتيب عناصر الجملة في اللغة العربية يختلف عن ترتيب عناصر الجملة في اللغة الانكليزية. بصورة عامة، تبدأ الجملة العربية بالفعل بينما تبدأ الجملة الإنكليزية بالاسم.
  3. تختلف اللغة العربية عن الانكليزية من حيث استعمال الضمائر وإشاراتها إلى العاقل وغير العاقل والمفرد والمثنى والجمع.
  4. قد تكون مقابلات الألفاظ والمتلازمات اللفظية التي نطلق عليها صفة: "ألفاظ شاعرية" في العربية ألفاظا غير شاعرية في الإنكليزية، وخلال الترجمة يشعر المترجم أن بريق ورونق التعبير أو الصورة الشعرية الاستعارية ينطفئ عند الترجمة.
  5. قد تختفي التقنيات الفنية والتأثيرات الصوتية (مثل التكرار الحرفي) في الكلمات العربية عند الترجمة مهما حاول المترجم أن يكون أمينا في ترجمته.
  6. تعتمد الأوزان الشعرية العربية على عدد تفاعيلها وتقاس بطول المقاطع في العربية وهي التي تعطي القصيدة إيقاعها وموسيقاها المتميزة بواسطة "كميتها الصوتية"، أي أنها "أوزان كمية"((quantitative وهي بهذا تختلف عن الأوزان والتفعيلات في اللغة الانكليزية التي تعتمد "النبرة" الصوتية (stress)لأن الكلمات الانكليزية مكونة من مقاطع (أقدام / تفعيلات) نبريّة وغير نبرية stressed/ unstressed، أي ان النبرة موجودة على حرف/ صوت محدد في الكلمة الإنكليزية وهي بهذا تعتمد في هذا على طريقة الأوزان الشعرية اليونانية القديمة. عند ترجمة القصيدة العربية، خاصة المكتوبة حسب الاوزان التقليدية فإنها تفقد ايقاعاتها وموسيقاها.
  7. القوافي الداخلية والنهائية في القصيدة العربية تختفي عند الترجمة وهذا أيضا ما يفقدها موسيقاها اللفظية وإيقاعاتها في الصيغة الانكليزية المترجمة، والتي غالبا ما تتحول إلى نثر أكثر منه إلى شعر!
  8. طول الأبيات في اللغة العربية قد يقصر أو يزداد طولا بسبب الاختلاف في مبنى الأفعال والعبارات في الجملة الانكليزية، فالأفعال بالانكليزية، مثلا، مكونة في غالبيتها من أكثر من كلمة بينما بالعربية مكونة من كلمة واحدة. مثلا، صيغة الماضي أو الحاضر في العربية واحدة بينما في الإنكليزية توجد عدة أشكال للفعل الماضي والحاضر، والحاضر المستمر، وهذا يشكل إشكالا بصريا من حيث اختلاف طول البيت الشعري، سواء في الشعر العمودي أو الشعر الحديث. كذلك، المبني للمجهول بالعربية يتم عن طريق تغيير في الحركات (كتَبَ / كُتِبَ) بينما في الإنكليزية يتم عن طريق التغيير في الأفعال وعدد الألفاظ فيها. 
  9. من الناحية المعنوية، قد يكون لبعض الإشارات إلى الأساطير أو الأحداث أو الشخصيات أو الأفكار أو التقاليد الشعبية أو الدينية أو الثقافية إيحاءات أخرى عند ترجمتها إلى الإنكليزية، فالانطباع الذي تتركه على القارئ العربي يختلف عن الانطباع على القارئ الأجنبي.
  10. الإشارات السياسية وبعض المصطلحات في الشعر العربي، وخاصة الفلسطيني، لا تعطي نفس الشحنات المعنوية عند ترجمتها إلى الانكليزية، وأحيانا يكون وقعها عكسيا عند القارئ الإنكليزي، حسب انتمائه السياسي والديني والآيديولوجي.

 

        وماذا فعلنا عند ترجمة قصائد الشاعر سميح القاسم؟

أعترف أولا، أن كل الإشكاليات المذكورة أعلاه واجهتني عندما بدأت أتحسس طريقي نحو ترجمة قصائد الشاعر سميح القاسم فهي تشكل تحديا قويا لأنها تحتوي على كل الإشكالات المذكورة أعلاه، سواء من حيث الشكل أو المضمون، وألخص هنا الطريقة التي سلكتها كي أبقى أمينا على شكل ومضمون النص وروحه عند ترجمته إلى أقصى حد ممكن!

-         بصورة عامة، كنت أعتمد أولا على نفسي وإحساسي بالقصيدة، ومن ثم على معرفتي باللغتين العربية والإنكليزية كي أصل إلى أعلى درجات الدقة في التعبير الأمين عن روح النص الأصلي في النص المترجم.

-         عندما كنت أستصعب إيجاد المقابل المناسب للنص العربي فورا، كنت أراجع المصادر والمعاجم والنصوص النقدية عن القصيدة، إذا وجدت، كي أصل إلى الصيغة التي يستريح لها إدراكي العقلي وتستريح لها نفسي وحواسي وتجربتي في تعليم الشعر العربي وتعليم الشعر الإنكليزي في المدارس الثانوية والكلية والجامعة.

-         بعد ترجمة النصوص إلى الإنكليزية، كنت أتشاور مع الأستاذ المترجم بيتر كول Peter Cole حول بعض المصطلحات الاشكالية في اللغة الإنكليزية كينصل سويا إلى أفض الخيارات في الصيغة المترجمة.

-         في حالة عدم الاتفاق بيننا كنا نعود إلى الشاعر سميح القاسم للاستفسار عن مقصده في بعض المصطلحات ، وليس عن المعنى الحرفي فقط، ومن هذه الأمثلة، مصطلح (سربية) التي يصف بها قصيدة (أشد من الماء حزنا) وفهمنا منه أنها شكل من أشكال القصيدة الدائرية التي "تدور" كما يدور الطير الذي يترك "سربه" ثم يعود إليه، كما نرى في "سربية" أشد من الماء حزنا، التي تشكل عنوانا للمجموعة. مثال آخر هو عنوان القصيدة الدورة الباهظة، فهذا التركيب "غير موجود" في المعاجم ولا المصادر، وكلمة "باهظة" لم ترد في اللغة مع كلمة "دورة" وهل هي "ثقيلة" الوزن أم "ثقيلة" التأثير على النفس؟

-         عندما أنهينا العمل على الترجمة، سلمنا النسخة الأولى للشاعر سميح القاسم، فراجعه واستفسر عن بعض الترجمات وفرح بالترجمة جدا خصوصا لأن هذا العمل هو العمل الطويل الأول الذي قام بترجمة 32 قصيدة تعكس مسيرته الشعرية من بدايتها حتى سنة 2006 ويقدم هذا الكتاب صورة جيدة عن عالمه الشعري للقراء الناطقين بالإنكليزية.

 

 

•        خلاصة

في رأيي، عملية الترجمة هي عملية إعادة خلق لأي نص إبداعي، فعلى مترجم النص الشعري، ومن خلال القراءة المتكررة والمتأنية، أن يعيش تجربة الشاعر المنعكسة في القصيدة ويدخل في حالة مشابهة له في خياله وعقله وأحاسيسه وثقافته ومبادئه كي يستطيع أن يصل إلى حالة المخاض والولادة التي اجتازها الشاعر عند عملية الإبداع الأولى، ولكن بلغة ثانية!  كذلك، على المترجم أن يبذل جهدا كبيرا لفهم مقاصد الشاعر اللغوية المختبئة وراء استعاراته وتعابيره المجازية. الشاعر يلد القصيدة بصورة طبيعية تدفع إلى ولادتها قوى إلهامية خلاقة كامنة في عالم الشاعر الواعي واللاواعي، أما المترجم فيتقـمص، تلقائيا، حالة قريبة جدا من حالة الشاعر بعد قراءات متعددة للنص الذي يسعى إلى ترجمته، ومن خلال التفاعل والتماهي مع النص، يتحول المترجم إلى شاعر ومفكر ولغوي ومهندس كلمات وضابط إيقاع للأحرف والقوافي وموسيقي وعازف ورسام للصور أثناء عملية إعادة خلق القصيدة بلغة أخرى وبتقنيات أخرى وبأدوات شعرية أخرى وبعـقلية ومزايا اللغة التي يجب ان يتقنها ويترجم إليها. طبعا، ليس من السهل الإحاطة بكل هذه المواهب والمهارات، ولكن بدونها، فإن المترجم قد لا يصل إلى هدفه المنشود.

خلاصة القول هي أن عملية الترجمة عملية إبداعية مثيرة وممتعة ومرهقة أحيانا، ولكنها تزيد المترجم معرفة واطلاعا وثقافة وتشحذ قدراته وحواسّه الطبيعية وممارسة الترجمة بصورة مكثفة تجعل المترجم شبه شاعر، وفي رأيي أن أقدر المترجمين على ترجمة الشعر هم الشعراء أنفسهم، خصوصا الذين يتقنون لغة الأم واللغة الأجنبية إتقانا تاما!

وأخيرا، أتمنى أن يبادر زملاء وأساتذة ولغويون آخرون من محبي الأدب عامة والشعر خاصة الى خوْض تجربة الترجمة، وأتمنى كذلك، وبشدة، أن تقوم لدينا مؤسسات ترعى شؤون ترجمة الأدب الفلسطيني المحلي، شعرا ونثرا وثقافة إلى لغات أخرى توصل صوت شعرائنا وأدبائنا وكتابنا وباحثينا وعلمائنا وفنانينا ومبدعينا عامة إلى القراء بلغات أخرى في شتى أنحاء العالم، فهل من مُستجيب؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب