news-details
ملحق الجمعة

إفادات لغويّة في حضرة العربيّة وأخرى اجتماعيّة وإنسانيّة

لمّا كانت اللّغة العربيّة وكان نظامها النّحْويّ قد خُلقا برأيي على صورة الله، كان بمقدور هذا النّظام بذاته ولذاتها، أعني العربيّة؛ أن يحكم بعروبة أيّ بناء لغويّ من عدمه؛ فإذا استوى منطقًا عقليًّا ومنطقًا لغويًّا، حيث للّغة منطقها الخاصّ أحيانًا، كان الكلام عربيًّا، وإلّا فهو أعجميّ بامتياز. هذا ما ذهبنا إليه في أُولَيات ما كتبنا في باب اللّغويّات من هذه المقالات منذ سنوات. وما حرّضني على أن أَلفت إليه من جديد هو ما هو آت:

بينما "يقرأُ" لي ولدايَ، كُلُّ حياتي ودُنيايَ، قُبَيْل النّوم قصّة "السّاحرُ أُوز" الصّادرة عن "مكتبة لبنان"، والمشكّلة –كما جميع القصص الصّادرة عن هذه المكتبة – تشكيلًا تامًّا، من أوّل حرف فيها حتّى آخر حرف،نصادف هذه الجملة: "اُقْتُليها، أو لا أُساعِدكِ أبدًا."، حيث المطلوب – وفق سياق الكلام – القيام بفعل القتل شرطًا لتقديم المساعدة. تَرِدُ هذه الجملة بهذا التّركيب الغريب والمُريب، المَعيب [اسم مفعول للفعل عاب] والمُعيب [اسم فاعل للفعل أعاب]؛ حيث "اكتفى" المحرّر اللّغويّ بترك الفعل "أُساعِدكِ" من غير تشكيل آخره [حرف الدّال]، غيرَ مبيِّنٍ موقعَه النّحْويّ أومحلَّه من الإعراب؛ لا لشيء – في نظري – إلّا لأنّ الفعل بهذا التّركيب من الجملة لا يقبل أيّ تشكيل، لا رفعًا ولا نصبًا ولا جزمًا، لكنّ المحرّر اللّغويّ نفسه لم يتقدّم خطوة أخرى إلى الأمام؛ بأن يبدّل هذا التّركيب بتركيب عربيّ يستقيم منطقًا ولغة. فالقصّة من الكلاسيكيّات المنقولة عن الإنـﭽـليزيّة، والجملة لا بدّ أنّها في الأصل:Kill her or I won't help you أوKill her or I will never help you. فما كان من المترجم إلّا أن نقلها بتركيبها الإنـﭽـليزيّ نفسه بدون أيّ تدبّر لغويّ عربيّ، وقال ما قاله أعلاه: "اُقْتُليها، أو لا أُساعِدكِ أبدًا." حيث كان يجب أن يقول، مثلًا: اُقْتُليها وإلّا فلن أُساعدَكِ، أبدًا؛ فـ "أو" في الجملة المقتبَسة من القصّة أعلاه لا هي بعاطفةٍ عاطلةٍ تفيد التّخيير [حيث لا يجوز الجمع بين الشّيئين؛ كقولنا: تزوّجْ هذه أو أختها]، أو تفيد الإباحة [حيث يجوز الجمع بين الشّيئين؛ كقولنا: اِشترِ هذا أو ذاك]، أو تفيد الإضراب؛ كقولنا: اِفعل ذلك أو دعْك منه، أو تفيد الشّكّ؛ كقوله تعالى: "قالوا لَبِثْنا يومًا أو بعضَ يوم"، أو تفيد الإبهام؛ كقوله تعالى: "وإنّا أو إيّاكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِين"، أو تفيد التّقسيم؛ كقولنا: الكلمة اسمٌ أو فعلٌ أو حرف، أو تفيد التّفصيل؛ كقوله تعالى: "قالوا ساحرٌ أو مجنون"؛ ولا هي بتعليليّة؛ كقولنا: أُحاذرُ النّاسَ أو أَسلَمَ؛ أي "كي أَسلَمَ"؛ ولا هي بناصبة بـ "أنْ" مضمَرة، سواءٌ أكانت استثنائيّة أم انتهائيّة\غائيّة؛ كقولنا: لن أستريحَ أو أُتِمَّ عملي؛ أي "إلّا أنْ أُتِمَّ عملي" أو "إلى أنْ أُتِمَّ عملي". وظنّي أنّ هذا هو ما التبس على المترجم؛ درسَ نصب الفعل المضارع بأنْ مُضمَرة وجوبًا بعد "أو"؛ فشتّان، عقلًا ومنطقًا ولغةً وذوقًا، بين ما جاء به المترجم أعلاه من تركيب وبين التّراكيب الّتي أوردناها في الأمثلة أعلاه.

ظنّي أنّ هذا هو ما التبس على المترجم؛ درسَ نصب الفعل المضارع بأنْ مُضمَرة وجوبًا بعد "أو"؛ فشتّان، عقلًا ومنطقًا ولغةً وذوقًا، بين ما جاء به المترجم أعلاه من تركيب وبين التّراكيب الّتي أوردناها في الأمثلة أعلاه. وكم يُدغدغُني السّؤال، الآن: أيّ لغة هذه الّتي يقف فيها فعل عاريًا؛ من غير وُجهة ولا إعراب ولا عُنوان

وكم يُدغدغُني السّؤال، الآن: أيّ لغة هذه الّتي يقف فيها فعل عاريًا؛ من غير وُجهة ولا إعراب ولا عُنوان، في جملة قضى ربّك أنّها ليست من تراكيب ما خَلق؟! إنّها اللّغة الّتي جبل اللهُ عليها فطرة الإنسان، وهي اللُّغة الّتي واعدتُ نفسي وواعدتُها ألّا أفنى إلّا فيها، وألّا أموت إلّا في حضرتها، فصلّوا للعربيّة وصُوموا لها؛ لأنّ الله يسكن في تفاصيلها.

أمّا بعد، فحين أقف "إجلالًا لذكرى" من قضَوا ضحيّة الوحش النّازيّ في تلك المحرقة، يهودَ\يهودًا وغير يهود، فإنّما أتذكّر نفسي إنسانًا، وأجدني أعمل بإنسانيّات خَيْرِ وُلْدِ آدم، مَن به اللهُ مكارمَ الأخلاقِ أَتَمّ، مُحسِنِ الإنسانيّة، ابنِ عبد الله محمّد، صلّى الله عليه وسلّم وعدّد؛ حيث مرّ بجنازة فوقف حضرتُه إجلالًا واحترامًا، فقال له صَحْبُه: إنّها جنازة يهوديّ يا رسول الله [وعمّا لقيه منهم في جزيرة العرب حدّث ولا حرج]؛ فقال عليه أزكى الصّلاة والسّلام: أوَليستْ نَفْسًا؟! وحين أقف "إجلالًا لذكرى" "شهداء معارك إسرائيل وضحايا الأعمال العدائيّة"، أجد عقلي يقول لي أن أحترمَ مشاعر النّاس، وأجد قلبي وعقلي يقولانِ لي أن أنتهزَها فرصة، وأقفَ إجلالًا لذكرى ضحايا الحروب من أبناء شعبي وأبناء جميع الشّعوب، وضحايا كلّ ظلم واستبداد، واغتصاب لأرض وعِرض وبلاد!

وأمّا بعد، فإنّ ما فعله نادي الحُمْر لكرة القدم – ليـﭭـرﭘـول، ليلَ الأوّل من أمس الأوّل، الثّلاثاء، على أرض سْتاد أنْفيلد العريق، أمام ضيفه، نادي برشلونة، لهْو – في نظري – أحد العروض الكرويّة والفنّيّة والثّقافيّة والحضاريّة والإنسانيّة الأرقى والأجمل على مستوى العالم.

فليـﭭـرﭘـول العائد من خسارة موجعة وغير عادلة ألبتّة في مباراة الذّهاب أمام نادي برشلونة الكاتالونيّ – الإسبانيّ، في إطار نصف نهائيّ دوريّ أبطال أوروبا، بثلاثة أهداف نظيفة لصالح مُضيّفه\مُضيفه، وبدون اثنين من أفضل المهاجمين في العالم، هما المصريّ محمّد صلاح والبرازيليّ روبرتو فيرمينو، وفي أتون معركته الحامية الوطيس على اجتراح بطولة الدّوريّ الإنـﭽـليزيّ الممتاز؛ استطاع في مباراة الإياب أن يقلب الدّنيا رأسًا على عَقِب؛ بأنْ دَكّ حصون برشلونة الأرجنتينيّ، ليونيل ميسي؛ "أفضل لاعب في العالم" لـ "أفضل فريق في العالم"، برباعيّة نظيفة، أهّلته للارتقاء إلى نهائيّ دوريّ أبطال أوروبا في الفاتح من حَزيران القادم على أرض سْتاد نادي أتلتيكو مدريد، في العاصمة الإسبانيّة، مدريد.

وإنّ هذا الإنجاز الكرويّ المُفزِع ما كان له أن يكون إلّا برؤيةِ وعزيمةِ وإصرارِلاعبين كبار، ومدرّب عبقريّ متواضع جبّار مِغوار، هو الألمانيّ يورْﭼـنكْلوﭖ، خرّيج جامعة غوته في فرانكفورت، وبجمهورٍ عريق جرّار كرّار لا يعرف انكسارًا ولا انحسارًا. فهؤلاء جميعًا أبدًا لم يستسلموا؛ وقد استطاع البُدلاء أن يُنجزوا ما أنجزوا وأن يجعلوا "المستحيل" – وهو وَهْم – ممكنًا؛ أوَلَم يُوصِهم أبو مكّة بألّا يستسلموا أبدًا؛ Never give up!

ورجاؤنا، الآن، أن يتكلّل المشواران بتتويج الـ "رِدْز" ومحمّد الهدّاف صلاح أبطالًا للدّوريّ الإنـﭽـليزيّ الممتاز وأبطالًا لدوري أبطال أوروبا، وليس ذلك على الله بعزيز! فإنّك يا ليـﭭـرﭘـول كما يُغنّون لَك: أبدًا لن تمشيَ وحدَك؛You'll never walk alone!

 ولِي عودة منكم إليكم أيّها الأعزّة – إن شاء ربّ العزّة – للحديث، أبدًا، عن لغتنا ونحْن.

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب