news-details
ملحق الجمعة

الاقتصاد السياسي للعكّوب والزعتر

لم يكن لخبر نيّة سلطات أية دولة السماح بقطف نبتة ما، أن يثير هذا القدر من الاهتمام والتداعيات المرافق لخبر احتمال قيام سلطة الطبيعة والمتنزهات الإسرائيلية بإتاحة القطف المحدود لنبتة الزعتر أو العكّوب. هنا يقف في طرفي المعادلة ندّان رمزيّان قويّان: نبتة دخلت القصيدة والقصة مثلما دخلت الصحن ورغيف الخبز، وسُلطة تضرب يمنة ويسرة كلّ ما يرتبط بموروث وقيم الفلسطينيين في وطنهم. مجرّد سماع حظر قطف الزعتر، ومثله العكوب، هو نبأ يُتلقى ويُتلقّف في باب إعلان الحروب.

القرار لا يزال يتطلب موافقة نهائية من السلطة المكلفة بالطبيعة والمتنزهات. أو كما قال شاؤول غولدشتاين، الرئيس التنفيذي لهذه السلطة لصحيفة "هآرتس"، إن سياسة التنفيذ ستوضع في صيغتها النهائية في الأشهر المقبلة. بالمقابل، مركز عدالة لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، أخذ على عاتقه هذا الملفّ الذي يعجّ بالمضامين الحقوقية الجماعية، فتوجه الى ووزير البيئة، زئيف ألكين، مطالبًا بتغيير سياستها لغرض السماح بالاستهلاك الذاتي والحفاظ على الثقافة التقليدية للمطبخ الفلسطيني مع نباتات الطبيعة المحلية.

تشير بيانات سلطة الطبيعة إلى أنه، في الفترة من 2016 إلى 2018 ، تم تقديم 26 لائحة اتهام على ما يسمى "مخالفات" تتعلق بقطف وحيازة أعشاب فيما ينتهك قانون الأعشاب، وتم فرض151 غرامة. وهي غرامات باهظة تبلغ آلاف الشواقل وأحيانا يكون المبلغ بعشرات الألوف.

المحامي والباحث ربيع اغبارية من مركز "عدالة" يرى في بحث أعدّه أن  قوانين الحظر الإسرائيلية هذه التي أعيد تشريعها بنصوص أشد صرامة منذ 2005 تنم عن مفهوم استعماريّ للطبيعة الفلسطينية. ويكتب: عام 1977، عُدّل القانون الإسرائيليّ وفُرض منع قطف الزعتر البلديّ أو البرّيّ. في الثاني من تشرين الثاني 1977 تحديدًا، وقّع أريئيل شارون، وزير الزراعة الإسرائيليّ حينها، قرارًا يعدّل لائحة 'النبات المحميّ'، ضُمّت من خلاله نبتة الزعتر إلى اللائحة، بحجّة أنّ قطفه يسبّب أضرارًا للطبيعة، وفُرضت بموجب ذلك على كلّ من يقطف أو يحوز أيّ كمّيّة كانت من الزعتر، عقوبات وغرامات كبيرة. حتّى ذلك الوقت، كانت البراري المصدر الوحيد للزعتر في فلسطين، إذ لم تكن زراعته منتشرة في ذلك الوقت.

وفقًا لتقرير نشره موقع "العساس" ففي عام 1977 نشرت حكومة إسرائيل قائمة بالنباتات البرية المحمية، وكان الزعتر والميرمية ضمن النباتات التي يحظر قطفها، إضافة إلى الكثير من الزهور مثل شقائق النعمان والبرقوق، بينما في عام 2005 انضمّ إلى هذه القائمة العكوب (بقرار من حكومة شارون أيضًا) بحجة تهديد الانقراض. وتضم قائمة حظر القطف 257 نوعًا من النباتات المهدّدة بالانقراض، في حين ضمّ "الكتاب الأحمر" الصادر عام 2007، ويحتوي في "القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض" حوالي 414 نوعًا مهددّا بالانقراض بسبب التوسّع والبناء، وهناك تقاطع بين ما ورد في القائمة والكتاب بحوالي 66 نوعًا، وعلى رأسها الزعتر والعكوب. يقول التقرير: يعتقد الكثير من علماء البيئة أن حظر قطف الزعتر غير مبرر، كون الثقافة الفلسطينية المتوارثة تضمن استدامته، فهو لا يقطف من الجذور بل تقطف سيقانه فقط.

خصصت سلطة الطبيعة على موقعها (بالعبرية) صفحة بارزة عن العكوب. وهي غير موجودة في صفحتها العربية على الموقع. ربما لأنه لا يمكن إقناع احد من أهل اللغة العربية بهذا النص:

"في فصل الصيف، يقول الموقع، يجف النبات وأوراقه العريضة تتصلب ويصير بمثابة أشرعة. تفصل الرياح التي تهب النبات الجاف عن الأرض وتدحرجه مثل الدولاب. بهذه الطريقة ، ينشر النبات بذوره. اختيار العكوب للأكل هو تقليد قديم. ومع ذلك، ففي السنوات الأخيرة أصبح من الواضح أن وجود النبات في خطر. الأسباب الرئيسية لهذا: ينمو السكان الإسرائيليون كثيرًا ويطلب المزيد من الناس النبتة. والعديد من المناطق التي نمت فيها المراعي في الماضي لم تعد موجودة بسبب بناء المنازل والمصانع فيها".

وتتابع هذه السلطة التي يصعب على الفلسطيني رؤيتها في سياق "حماية الطبيعة" فتزعم بأن: "استمرار التقاط العكوب كما كان من قبل، يمكن أن يدمر النبات تمامًا - الأمر الذي من شأنه أن يلحق الضرر بتراثنا والمناظر الطبيعية لطفولتنا. رأينا أمثلة على القطف غير المنضبط الذي دمر النباتات بالكامل. في الضفة الغربية، على سبيل المثال، دمر القطف البري الزعتر".

طبعًا، لا يشير الموقع الى تدمير الاحتلال الإسرائيلي المنظر الطبيعي لجبال الضفة لغرض تكريس وتوسيع مشروع الاستيطان الكولونيالي. 

يزعم موقع سلطة الطبيعة: "أدى الوضع الحالي إلى إعلان العكوب نباتًا محميًا ويتوقع معاقبة من يقوم بقطف هذه النباتات. بالاقتران مع تشجيع هيئة الطبيعة والمتنزهات، المحاولات الناجحة لزراعة المحاصيل الزراعية للعكوب، والتي قد تلبي الطلب عليه".

من الصعب عدم ملاحظة الجانب الاقتصادي بوجهيه: من جهة حظر قطف النبتة، أي منعها عن العرب، ومن جهة ثانية كيل المديح لزراعتها لأغراض تجارية. ربما أنه في هذه النقطة المتواضعة يطلّ المشروع الصهيوني بكامل هويته الإيديولوجية الاقتصادية: إقصاء عن قيم طبيعية لغرض تحويلها الى قيم تجارية، سلع مربحة.

هناك هيئة تسمى "جمعية حماية الطبيعة" وهي غير السلطة المذكورة أعلاه، لكنها خصصت هي الأخرى مساحة للعكوب. بالعبرية فقط طبعًا. وهي تكتب على موقعها "يُعتبر جذر النبات وأوراقه ورأسه من الأطعمة الشهية لدى السكان العرب والبدو الذين يقطفونه. نتيجة لاقتلاعه يتم تقليل انتشار النباتات بشكل كبير، لأن القطف يؤدي إلى الإزهار ثم الإزهار، ولا يتم توزيع البذور. بعد اكتشاف أن النبات آخذ في الانخفاض، تقرر في عام 2005  إعلان النبات كمحمي. ومع ذلك ، فإن الملاحظات التي أبداها أعضاء مدرسة سدي جولان وحيرمون من جمعية حماية الطبيعة تشير إلى أن القطف، على الأقل في الجولان، يستمر بكامل قوته، خاصة في هذه الأيام حيث يزدهر".

موقع هذه الجمعية يحرّض الجمهور على المشاركة في الملاحقة والمراقبة والمقاضاة، فيطلب من سكان الجليل والجولان الذين يصطدمون بقاطفي العكوب، أن يبلغوا عنهم، وينشرون عنوان بريد الكتروني ورقم هاتف! "الأخ الأكبر للطبيعة" لا يكتفي بما يمارسه من قمع بل يجنّد عموم المواطنين برتبة مخبرين.

مقابل هذه النصوص العدوانية ضد نبات المكان نقرأ نصوصًا تعريفيّة، لا أدبيّة ولا بحثيّة، كتبها أهل المكان: يقول مركز المعلومات الوطني الفلسطيني: العكوب نبتة شوكية، تنمو في أواخر فصل الشتاء وأول فصل الربيع في المناطق الجبلية والسهلية، يعد العكوب أكلة شعبية فلسطينية تشتهر بها مدينة نابلس، يؤكل العكوب مطبوخاً بعد أن ينظف من شوكه، وهو مفيد جداً ونافع لتنحيف جسم الإنسان ومفيد لمن يعاني من ارتفاع الكولسترول والشحوم ولمرضى القولون العصبي وللامساك المزمن، ويساعد في الهضم ولطرد السموم. والعكوب كذلك غني بالأملاح المعدنية وخاصة البوتاس، ولتقوية الأعصاب وتنقية الدم وتقويته، وفيه أيضاً مجموعة من الفيتامينات المفيدة والمغذية للجسم، ويقال أيضاً أنه مدر للبول ومقوي للقلب وغني جداً بالألياف الهامة.

في سوريا، بلد الجولان المحتلّ، كتب تحت عنوان "نبتة الجولان الأشهر والأشهى": فاطمة نزال الطحان من قرية "كودنة" في الجولان، قالت عن العكوب: كنّا ننتظر شهر آذار لنتهيأ أنا وجاراتي لنزهة برية لالتقاط العكّوب الغض الطري في السهول والأودية المحيطة بقريتنا، وكلّ منّا تحمل (صكّها) أو كيسها القماشي و(الخوصة المعدنية)؛ أي السكين القوية المعدّة لهذه المهمة، وننطلق للبحث عن تلك النبتة، وجميع نسائنا يعرفن أنه يجب قص ساق النبتة على مستوى سطح التربة أو تحتها بقليل، لنحافظ على جذرها سليماً؛ حيث يعاود الإنبات والنمو في العام التالي. لكوننا نعتمد على منتوجات أراضينا في الجولان، فقد كانت النساء يقطفن العكّوب لبيعه في الأسواق، وكان متاحاً لأي شخص جنيه، لكونه من أكثر النباتات انتشاراً، إضافة إلى ذلك، كنّا نقوم بتخزينه بكميات كبيرة ليبقى متوافراً طوال العام.

يجب التوقف باهتمام وتمعّن عند جملة فاطمة التالية: "جميع نسائنا يعرفن أنه يجب قص ساق النبتة على مستوى سطح التربة أو تحتها بقليل، لنحافظ على جذرها سليماً؛ حيث يعاود الإنبات والنمو في العام التالي". هل يوجد نصّ أكثر وضوحًا وبساطة وعُمقًا لمفهوم "الاستدامة" الذي بات ركيزة في فلسفة حماية البيئة الحديثة؟ لكن هذه مسائل لا يفهمها المستعمرون!

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب