news-details
ملحق الجمعة

التقويم الزمني لكثير من شعوب عالمنا انطلق عبر التاريخ والحضارة من بلاد الرافدين

التقويم في بلاد ما بين النهرين هو أساس لكثير من التقاويم التي جاءت بعده. واعتمد هذا على ظهور القمر لتحديد بدايةالشهر ومن خلاله تم تعيين بداية كل الشهور ومن ثم بداية السنين. وبهذا يكون التقويم البابلي في اساسه تقويما قمرياً ثم شمسيا.

أما بالنسبة لحساب الوقت فلقد كان البابليون اول من أبتكر الساعة المائية التي أطلقوا عليها في اللغة البابلية أسم (Dabdibo) "ديبديبو".وهناك نصوص حول عينة الماء في الساعة المائية استناداً على تبديل الوقت واختلاف أطوال النهار والليل.والآشوريين الذين توارثوا علم الفلك والتنجيم من أجدادهم البابليين تمكنوا من مراقبة الكواكب والنجوم والأجرام السماوية وبدقة متناهية، وسجلوا تواريخ الظواهر في الطبيعية كالكسوف الشمس والقمر وتنظيم الدورات الزراعية، وكذلك تمكنوا من تقسيم السنة إلى شهور والشهور إلى أيام وأيام إلى ساعات والتي تعتبر حتى يومنا هذا من اسس علم الفلك. وعرفوا الشيء الكثير عن الكواكب، وهم اول من قام بتحديد الابراج.وكذلك أصبح تقسيم السنة بهذا الشكل الأساس لتقسيم الأزمنة في الأنظمة المعروفة لدينا اليوم. وكذلك تمكنوا من تنظيم التقاويم السنوية ومعرفة شهور السنة وتسميتها بأسماء الآلهة مثل الإله نيسانو ( شهر نيسان ) والإله ديموزا (شهر تموز) والإله أنليل (شهر أيلول) فأتخذهم الأغريق والرومان أسماءً لشهورهم وثم استبدلوهم بأسماء ملوكهم واباطرتهم. وهذا الإنجاز كان له أشد الأثر فيما بعد، لتقسيم السنة بدقة متناهية حيث تمكن الفلكي البابلي "كيدينو "في سنة (375 ق.م ) من قياس السنة الشمسية، وهذا بدوره كان له التأثير الكبير في تسهيل عمل الآشوريين في تنظيم التقاويم السنوية وتسجيل الأحداث التاريخية والظواهر الطبيعية كالاعتدال الربيعي في السادس من نيسان، وبدايةرأس السنة الجديدة مع حلول نيسان.

وهم اول من اوجد كَبْس السنين (أي اضافة شهراو شهرين الى السنة). وفي القرن الثامن قبل الميلاد، استطاع الفلكيون في مسيبوتاميا (ما بين النهرين) التوصل إلى حقيقة أن كل ( 235) شهرا قمريا، تُشكِل بالضبط تسع عشرة سنة شمسية -فنزولاً عند نصيحتهم -امر الملك "نبو ناصر" عام 747ق.م بكبس سبعة أشهر في تسع عشرة سنة قمرية.

وأختار الآشوريين الأول من نيسان عيدا لرأس السنة إيماناً منهم بأسطورتين، الاولى قصة الخليقة" اينوما ايليش" (تعني عندما في الاعالي) وبطلها ا لاله مردوخ.وتبدأ هذه بانه في البدء لم يكن هناك سماء ولا ارض، انما محيط ماء، وحالة فوضى، عماء كوني(كيوس)، ركود، صمت وخواء. وحكَمَ الكون في حينه"تيامات"_اله المياه العذبة، و"أبسو" (التنين) الهة المياه المالحة وحاملة لوح القدَر.تزوج" تيامات" إبسو"، ومن ذريتهما الاله" انو"(إله السماء) وزوجته" ذامينكا" وولد لللاله" انو" ابنا على صورته. وصمم" انو "القضاء على جده "أبسو" لانه قرر تصفية نسل الالهة الشابة من احفاده للتخلص من ضجيجهم الذي ازعج زوجته" تيامات". وولد من نسل" ايا"(إلهة المياه العذبة عند السومريين) "الاله مردوخ. وتٌقرِر" تيامات" الانتقام لقتل زوجها بقتل كل الالهة الشابة. فتنجب" ١٢"إلها بهيئة وحوش كاسرة وفتاكة ومخيفة للقضاء على احفادها. ولقد ارعبت هذه الوحوش كل من الالهين" انكي" (اله سومري رب الارض) "وايا" وقررا الهرب من وجه" تيامات".

وهنا يبرز دور الإله الشاب "مردوخ" الذي يتطوع للحرب بهدف الحصول على السلطة العليا في مجمَع الآلِهة. 
يتسلح مردوخ بالقوس والسهام والمطرقة الإلهية والبرق والشبكة والطوفان والرياح الأربعة. 
تجري المواجهة والنزال الكوني الرهيب بين "مردوخ" و"تيامات "، وبعد عدد من المناوشات المخيفة الخطيرة والكر والفر، ينتصر "مردوخ "، ويقوم بتشتيت وقتل جيش التنينة "تيامات"، ثم يشق جسد "تيامات" نصفين "كما تُشق الـَصدَفـَة" ليخلق نظاماً كونياً جديدا، تكون السيادة فيهِ للذَكَر، ويصنعُ السماء وقبتها المُرصعة بالنجوم من نصف جسد تيامات العلوي، ومن النصف الآخر يصنع الأرض، ثم يباشر بتنظيم عالم الآلهة والكون، وعمليات الخلق الأخرى.فيقرر مجمع الآلِهة تقديرا لبطولاته تتويجهِ سيداً على الآلِهة السماوية وعلى الأرض، ويتنازل له خمسون إلهاً عن أسمائهم وصفاتهم وقُدراتهم. فيلُقِب (الخنشا) أي : صاحب الأسماء الخمسين، والتي خلعتها عليهِ الآلِهة بعد إنتصاره على التنين " تيامات "التي كانت تُمثل الفوضى الكونية. فاصبح "مردوخ"{الاسم من اللغةالاكادية، ومكون من كلمتين الاولى "مارا" السيد والثانية "دوكو" -الكون-وهو يمثل كوكب المشتري} سيد الكون، وكُني "النابيرو" اي"القادر على الاتصال والحصول على المعرفة والتنمية من خلال اتصالات افتراضية من خارج كوكب الأرض"، وهو رب الارباب وسيد السماء، وملك كل الالهة. ولعظمته وقداسته لم يكن أحد يجرؤ على مناداته بإسم " مردوخ"، بل كانوا ينادونه "بيل"وهي لفظة أكدية تعني "الرب"أو "السيد" اي :سيدي، وكانوا يُنادون زوجته "صربانيتوم"(الفضة) " بيلتيا" أي : سيدتي.ويظهر "مردوخ "في تماثيله وهو يحمل "العصا والدائرةكرمز للحياة وقدرته على منحهما، وايضا لحيازته السيادة على المجتمعين الرعوي الذكوري والزراعي الأمومي، فالعصا تُمثل عضو الذكورة، والحلقة تُمثل فرج الأنثى.وتناقلت ديانات وحركات سلطوية استعمال عصا في نهايتها العليا دائرة كرمز للقيادة وعلامة الراعي والحامي.

اما الاسطورة الثانية فهي موت وبعث الاله السومري "دموزيو"(تحول اسمه عند الساميين الى تموز). واسطورته تتناول الموت المؤقت لبعض الآلِهة، والتي ترمز لدورة الطبيعة السنوية عبر فصولها التي تتماوت في الشتاء لكنها لا تموت.. كما في حالة الإله تموز، اله الخصوبة، النمو والتجدد. وكان لاسطورته وقعا دراميا مؤثرا على شعوب العالم القديم، وربما كانت بعضها المُحَفِز الرئيسي لظهور المسرح في العراق القديم، كونها تتزاحم وتضج بشخوص الصراع الدرامي، لذا يعتقد البعض أن المسرح البابلي هو أقدم مسارح العالم، ومنهُ بالذات أخذَ المسرح اليوناني القديم بداياتهِ الدرامية 'الديونسيوسية ". 
ومن أسباب شهرة عبادته في مسيرة تاريخ العراق القديم زواجهِ من الآلِهة أنانا(أشتار)، وكان رمزها كوكب الزهرة - نجمة الصباح. كانت هذه آلهة الجمال والجنس والإخصاب والحب والعشق والشبق والحرب، . حظيت باحترام كل الشعوب والأقوام القديمة فإقتباسوا شخصيتها وعبادتها وأعطوها تسميات محلية مختلفة، لكنها تبقى في الأصل "إينانا"{عناة} السومرية و"أنانا" {أشتار} في حضارة العراق القديم..
و"إكراماً للإله" تموز"، جعلوا من إسمه شهراً من أشهر السنة في التقويم الأكادي، وهو الشهر الرابع من التقوىم السنوي البابلي والذي كان يبدأ بشهر نيسانو..وهذا الاسم مصدره اللغة الاكادية ومعناه بُرعُم اي حلول الربيع. تأصيل اسماء الاشهر البابلية والتي انتقلت الى الارامية والعبرية (إبان السبي البابلي) والعربية. اقترنت أسماء شهورهم بالمواسم الزراعية وخاصة حصاد الحبوب وفصول السنة ودورة القمر، وحفظ المحاصيل واسماء الالهة.

"ارخا(بالارامية ارحو- شهر {قمر}وكلمة شهر من "ساهر" الهلال بالارامية) نيسانو": شهر نيسانو هو الشهر الاول في التقويم البابلي.والاسم من الأكادية ومعناه البدء والتحرك

وسمي بهذا الاسم لاستهلال السنة الدينية البابلية فيه، ولبداية فصل الربيع. وهناك من يرجعه الى كلمة" نوصاني " الاكادية وترجمتها ينبت، يبرعِم ( نوص بالارامية - نبت). ومنذ مطلع الالف الثاني ق.م احتفل الاكاديون، الاشوريون والكلدانيون في الاول من نيسان "باكيتو"-(معناه الحرفي الحياة )، وهو عيد راس السنة الرافدية، واحتفلوا به تكريما لبعث كل من الالهين ديموزا وانليل (اله الهواء) ولبداية الربيع فيه." ويعود الاحتفال به إلى السلالة البابلية الأولى، أي إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد.وهو ارخا(شهر) الاله "انو {انليل}"-اله الهواء.ويليه شهر ايار(إيار بالارامية)، ومعناه النور لان الطبيعة في هذا الشهر تتزين بالازهار.وخصص البابليون هذا الشهر للالهة" ايا"( الهة المياه وزوجة الالله شمس وسيدة الشعوب). والشهر الثالث "١ارخا سيمانو _بالعبرية سيڤان( معناه بالاكاديةالحرارة الملتهبة) اذااطلقوا عليه هذا الاسم لاشتداد الحرارة فيه. وتغير اسمه في التقويم السرياني الى حزيران( من الاكادية ومعناها الحنطة )لانه شهر السنابل والحنطة.ويليه شهر "ارخا شمنا"(معناه بالاكادية شهر السمن) فاطلق عليه هذا الاسم لكونه شهر السمن والعسل.(نُقِل الى العبرية ابان نفي بابل، الا انه حُرِّف الى مرحشفان بتأثير حكم فارس لبلادنا). ويليه شهر ديموزا( بالارامية والعربية والعبرية تموز ).ومعنى هذا الاسم باللغة السومرية" المخلص، ابن الحياة'. ولقد أمَن سكان مسيبوتاميا بموته في نهاية فصل الربيع وبعثه مع حلول الربيع.وعليه اعتبر في ديانتهم، خلال كل حقبها إله الربيع، الزراعة والمسؤول عن دورة فصول السنة.كان السومريون، الاكاديون، والكلدانيون والاشوريون وسكان بابل، يحتفون بموته وبعثه.ويليه".ارخا ابو"- معناه بالاكادية شهر شدة الحر(بالارامية، العربية والعبرية- اب). فسمي بهذا الاسم لشدة حره لقيام "إنانا" الهة الحرب والنار، بتأجيج الحرارة فيه.(وهذا ما يؤكده مثلنا الشعبي"اب اللهاب". الا ان بعض علماء اللسانيات يرجعه الى كلمة اب الارامية ومعناها نضوج الثمار والفاكهة، ومثلنا الشعبي ايضا يؤكد ذلك "في اب اقطف العنب ولا تهاب". يليه أرخا ايلولو( شهر ايلول)ومعنى هذا الاسم في الاكاديةالصراخ والعويل؛ ااو التكفير عن الذنب، فاطلق عليه هذا الاسم لانه كان شهر النواح على موت الاله تموز. ( وهذا مصدر اشتقاق الفعل ولول).ويرجعه بعض المفسرين الى كلمة "لولو "الاكادية معناها نهاية الحصاد وقطف الفاكهة.وكتأكيد لذلك عثر على لوحة في مدينة "جازر "(تال جيزر:يقع على بعد 8 كم إلى الجنوب الشرقي من مدينة الرملة)، مذكور فيها انه شهر" قمر الصيف" كتوصيف لانتهاء جمع الفاكهة وقطف التين فيه. وكان هذا الشهر مٌخصصا "لانانا"(أشتار، عشتار) الهة الحب وزوجة تموز. ومع نهاية ايلول يحل "ارخا تشريتوم"(شهر تشرين).وكلمة"تشريتوم "معناها في السومرية"البدء"، فاطلقوا عليه هذا الاسم لانه كان الشهر الاول في التقويم السومري، وكان يبدأ فيه الحرث والزرع)خاصة زرع الشعير(بلغة سومَر سنونم). اطلق عليه السريان تٰشري. اعتبر تشري شهر الاله"شيمش" وهو اله الشمس وهو من ذرية"نانار"(سين) اله القمر، لذا كانت مرتبته في مجمع الالهة (البانثنيون) متدنية، لانه استمد قوته من اله القمر وكان خاضعا له. فتتوافق هذه المكانة مع تتويج اله القمر رئيسا لكل الالهة(رب الارباب) والاعتماد علىيه في التقويم وحسابات الفلك في بلاد الرافدين. والشهر الاخير هو ارخا "كيسليمو"(بالعبرية كيسليف) ومصدر هذه التسمية اللغة السومرية والاكادية ومعناه السميك المغطى بالغيوم، لتلبد وكثافة الغيوم السوداء فيه. اصبح اسم هذا الشهر في التقويم السرياني شهر كانون، لان كلمة "كننا" الارامية معناها "ثبت واستقر "(ونقول في عاميتنا كِنْ - إهدأ ). فعليه استمد هذا الاسم لان احوال الطقس والمطر الغزير المطر فيه منعت امكانية خروج الفلاح من بيته ليحرث ارضه.ويؤكد ذلك مثلنا الشعبي" بين الميلاد والغطاس لا تسافر يا ابن الناس". ولقد خصص سكان العراق القديم هذا الشهر القاسي للاله" نركال"إله العالم السفلي والموت والوباء والأمراض في اشور وبابل.

و يليه "أرخاتيبيتوم:(بالعبرية טבת وفي التقويم السرياني كانون ثانٍ): وهو من الاكادية وترجمته شهر قدوم الماء والغرق فيه. استمد هذا الاسم لهطول كميات غززيرة ومتواصلة من المطر فيه، وسهولة ان نغطس في وحلِه.

ومع انتهاء شهر تبيتوم يهِل"ارخا سباطو":( شهر شباط) اسمه بالاكادية "سباطو"، وبالارامية "שּׂבטו" ومعناه : جلَد، خبط، شبط وتعود تسميته هذه لتقلباته وشدة رياحه ومطره. ومثلنا الشعبي يؤكد ذلك: (شباط الخباط اللباط)وكان هذا الشهر مخصصا ل"آدد" إله الرعد والبرق والامطار. والشهر الاخير في هذا التقويم "ارخا ادارو": (شهر أذار).مصدر اسمه اللغة الاكادية"ادارو" Addaru والتي تعني الصوت العنيف، القوة، الناجمة عن شدة الرياح فيه. كان هذا الشهر مكرسا للإله "آشور"-ابو الالهة الاشورية. (ادار الهدّار ابو الزلازل والأمطار).

هناك من ُيرجع اسمه الى الكلمة السريانية " هدار" بمعنى الزينة لان الطبيعة فيه كانت تكتسي بحلة خضراء. وهو شهر الالهة السبعة الكبار.

وختاما تزهو بلاد ما بين النهرين بأنها كانت مهدا لحضارة عريقة واصيلة

وانها قدمت للانسانية الادب الفن، العلوم، الاختراعات والابتكارات في مجالات عديدة. فمثلا لولا الانجازات الهامة في الرياضيات لاستحال عليهم اكتساب المعرفة في علم الفلك والتقويم.فمن من سكانها ورثنا طريقة احصاء الوقت.

فالنظام الحسابي البابلي كان ستينيا ومنه اشتقت طريقة قياس الوقت، والتي ما زلنا نعمل بها حتى عصرنا الراهن، و بات من الثابت أن البابليين استخدموا الصفر في هذا النظام في كافة الخانات، والذي استخدموه لتدوين الأرقام العشرية. وكانت الهندسة، أول العلوم الرياضية التي اهتموا بها قديما لقياس مساحة الأرض، وحساب المثلثات لقياس الزوايا والميل في البناء، وعلم الفلك للتنبؤ بمواعيد كسوف الشمس وخسوف القمر.وارتبطت هذه المعلومات بديانتهم واساطيرهم واعيادهم وتشريعاتهم لخدمة وتنمية اقتصادهم الزراعي النهري..

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب