news-details

الحسبة ثلاثية: حتى لا تتحوّل الانتخابات إلى انتحابات| إبراهيم طه

مقدّمة غير ضرورية:

المقدّمة غير ضرورية لأنها إعادة قلتها من قبل، وهي غير ضرورية أيضًا لأنها مفهومة ضمنًا أو ينبغي أن تكون. أقول للمرّة الثانية إنّ صوتي يطلع من رأسي نقيًا خالصًا. من قحف رأسي يطلع صوتي عاليًا صافيًا غير مخلوط ولا مغشوش. للحزب الشيوعي والجبهة والاتحاد حناجر عميقة ووسيعة وأوتار صوتية كرنفالية مهرجانية من فولاذ. وهم أدرى بحساباتهم الحزبية والتنظيمية وأقدر على التعبير عن مواقفهم بأنفسهم. وإذا كان لا بدّ من محاسبة أو مساءلة فحاسبوني أنا وحدي على كلّ كلمة كتبتها في المقال. وأنا فاتحٌ صدري وعقلي لكلّ حسابٍ يتبعه عتاب أو حتى عقاب إذا كانت النوايا سليمة وتسعى لمصلحة جماهيرنا في الأول والآخر.  

ليس لي حساب مع أحدٍ لذاته أو لشخصه. إذا كان ثمّة حسابٌ مع الشخوص فهو لا يدخل إلا من باب الأفعال ولا يدخل من باب الصفات. لم أتعرّض لشخص الدكتور النائب منصور عباس. لم أفعل ولن أفعل. ليس هذا دأبي ولا ديدني. لكنّ الرجل قد استفزّنا بقولٍ قاله وفعلٍ فعله رأيتُه، وما زلت، حرامًا وعيبًا وغلطًا. والغريب العجيب أنّ الدكتور منصور يصرّ عليه إصرارًا لا يخلو من عناد. وهو عنادٌ لأنّ الرجل يملك من القدرات والمدارك ما يجعله قادرًا على أن يَميز الخبيث من الطيّب. نعم يملك. وهذا هو المحزن والمعيب والمؤسف! بعيدًا عن ثقافة اليافطات واللافتات والقول الغوغائي والنبر الشعاراتي الصاخب، أسجّل التوضيحات التالية، لكلّ من طالبني بالإبانة، في ثلاثة بنود مكتوبة بلغة حسابية علمية عملية:  

 

البند الأول - حساب الربح والخسارة مع المؤسّسة:

الفعل السياسي والبرلماني في محصّلته الأخيرة هو تجارة بلغة السوق. ولا بأس بذلك على عموم الأمر وإطلاقه. والتجارة تُكال بمكيالين اثنين وبهما تُحسَب: الربح والخسارة. لا أحد يعلم حجم الثمن الذي سيدفعه نتنياهو في هذه الصفقة المعقود عقدها مع النائب الدكتور منصور عباس. هل هي مائة مليون شاقل؟ هل هي مليارد شاقل إذا ضربناها بعشرة أمثالها؟ سؤالان: (1) من أين سيأتي نتنياهو بهذا المبلغ الضخم؟ (2) وما هو الثمن الذي سندفعه نحن في المقابل؟ 

التجارة شطارة. ونتنياهو تاجر مراوغ خبيث. فانظر كيف ربحت تجارته: (أ) نتنياهو يصنع بنفسه مادّة التجارة و ينتج منها البضاعة المنجزة. قل لي يا دكتور منصور من ذا الذي يعمل بسياساته العنصرية الخبيثة كلّ هذا الخراب اللاحق بمجتمعنا؟! من خطّط لسنوات طويلة سياسات الإهمال والإغفال وحجب الأموال؟! وماذا يكلّفه هذا الإنتاج وهذه الصناعة؟! ماهي تكلفة إنتاج كلّ هذا الخراب في مجتمعنا؟! صفر . صفر كبير! المفارقة الغريبة العجيبة أنّ إنتاج كلّ هذا الخراب لا يكلّفه أيّ شيء. لا، بل يوفّر عليه ملياردات يُبقيها في خزينة الدولة ليستغلّها في مواضع لا تُحمد عاقبتها. يكفي أن يحجب عنا وعن مؤسّساتنا الأموال المستحقّة في كلّ مجالات الحياة حتى تمتلئ خزينة الدولة بأموال هي من حقّنا المدنيّ. هذه أول مرّة في حياتي أعلم أنّ عملية إنتاج شيء بهذه الضخامة تدرّ  أرباحًا طائلة! وهذا أمر مخالف لمنطق الطبيعة. (ب) ما سيدفعه نتنياهو في هذه الصفقة هو من أموالنا المستحقّة في الأصل. وهذه الأموال التي سيدفعها لنا في هذه التجارة البائرة يعرف كيف "يستردّها" منا نحن. من أين تظنّه سيأتي بهذه المبالغ، إن هو دفعها يا دكتور منصور، إن لم يكن من مخالفات البناء ورسومات العمار والغرامات المفروضة على مصالحنا وأراضينا بالأطنان؟!  قال المثل: "من دهنه قلّي لُه"! (ت) إذا كانت صناعة الشيء وإنتاجه يدرّ  على نتنياهو كلّ هذه الأرباح وماذا سيربح حين يتاجر  بها؟! ما هو الثمن الذي سيقبضه حين يبيعها؟! من مبكيات الأمور أنّ الثمن الذي ندفعه نحن هو إبقاؤه وتثبيته راعيًا مشرفًا على خطوط الإنتاج. الثمن الذي ندفعه هو مساعدته على إنتاج المزيد من الخراب والبوار! وهكذا يربح نتنياهو ثلاث مرّات في هذه الصفقة وهو يتاجر بالخراب والبوار الذي ينتجه! يا لها من مفارقة عجيبة غريبة! مفارقة قد وصلت غرابتها حدًا يصعب على العقل البشري أن يعقلها!

لقد اتّفق نواب المشتركة مع أحزاب صهيونية في قضايا وقوانين كثيرة فيها خدمة للجميع، للعرب واليهود، قوانين وصفقات لم ندفع فيها ثمنًا فرديًا خاصًّا مهينًا ومشروطًا. التعامل مع السلطة هو من ضرورات تحقيق الحقّ المدني. هذا وارد وهو من شروط اللعبة المدنية وقوانينها. وإلا ما حاجتنا إلى الكنيست أصلا إن لم تكن من هذا الباب؟! في مثل هذا فليتنافس المتنافسون في ميادين الفعل السياسي. غير أنّ التعامل مع الأحزاب والتلاقي معها شيء وتعريض الوعي والموقف والقيم للخطر  هو شيءٌ آخر.. لا تجوز المجازفة بالقيم. ولن تجوز.. الاستثمار في فهم التفكير المؤسّساتي هو تجارة رابحة لن تبور يا دكتور!

 

البند الثاني - حساب الثقة مع الناخب:

أذكّرك يا دكتور منصور، والذكرى تنفع المؤمنين، بأننا ذهبنا للتصويت بالباصات لنقتلع نتنياهو من جذوره. هذا بعض دواعي التصويت. وحين نرى أنّ من منحناه صوتنا وكلمتنا وثقتنا قد صادر الصوت ولم يُحسن التصرّف به لا بدّ أن نتألّم ونصرخ ونغضب. أمّناك على صوتنا وماذا فعلتَ به يا دكتور؟! نرفض أن يخدعنا أحد. ولا نقبل أن يخدعنا بعض أهلنا، ولن نقبل. هذا هو نبض الغضب الذي أسمعه باستمرار من الناس البسطاء حتى من المحسوبين على حزبك يا دكتور. قال لي أحدهم: "إذا كان الدكتور النائب منصور عباس، أو أيّ نائب غيره، سيوصلني مباشرة إلى نتنياهو من الباب الخلفي أو من شبّاك السرّ أو من الطاقة فما حاجتي إليه؟! من منا لا يعرف الطريق وحده إلى نتنياهو؟! من منا يحتاج إلى وساطة الدكتور منصور وغيره للتصويت لنتنياهو ؟!" قال ما قال بوجع. إذا كنت يا دكتور تعطي نتنياهو الآن شرعية لا يستحقّها كيف ستقنع الناخب بخطابك السياسي غدًا حينما تأتي الانتخابات؟! وحتى لا تتحوّل الانتخابات القادمة إلى انتحابات واستجداءات مرهقة ومربكة ومذلّة فلا بدّ من التأسيس لوعي بعيد المدى في العمل السياسي التنظيمي. حسابات الثقة بيننا وبين ممثّلينا في البرلمان أهمّ من المبلغ الذي سيدفعه نتنياهو  والذي إن دفع سيعرف كيف يستردّه منا! على من تعوّل يا دكتور منصور وقد اختلف وعينا السياسي وتبدّل حسّنا وإدراكنا عمّا كان عليه قبل عقود؟! لماذا تصرّ على عقلية أو ذهنية كانت متّبعة ورائجة في الخمسينات والستينات؟! الاستثمار في ثقة الناخبين هو تجارة رابحة لن تبور يا دكتور!

 

البند الثالث - حساب التثقيف والتوعية مع الجماهير:

ما أعلمه أنّ كلّ تنظيم حزبي أو سياسي مطالب بأمرين اثنين قريب وبعيد: (1) تحقيق الحقوق المدنية للجماهير. وهذا هو البعد المدني اليومي الأفقي التحتي، (2) وتثقيف الناس سياسيًا وأخلاقيًا. وهذا هو البعد الفكري الرأسي الفوقي. أما البعد المدني القريب فهو في مسيس الحاجة إلى القدرة على المرونة والذكاء والدهاء. أما العمق الفكري البعيد فهو يحتاج إلى أناة وصبر لأنه فعلُ تشذيبٍ وتهذيب. على الأحزاب والتنظيمات أن تسعى للاستثمار في الانسان للمدى البعيد. من السهل التدحرج إلى تحت ومعانقة الحاجات اليومية الملحّة للناس. من السهل التماهي المباشر والتفاعل الحيّ مع المسحوقين في حاجاتهم اليومية الحارقة. لكن من الصعب أن ترتقي بالإنسان المتألم الشاكي إلى فوق إذا كان التعالي على آلامه هو الثمن الذي يدفعه لهذه "الفوقية". لا يجوز لنا أن نبيع الفوقي بالتحتي. لا يجوز أن نشتري الحقّ المدنيّ بالوعي السياسي والأخلاقي والقيم. لا يجوز.. الاستثمار بعيد المدى في وعي جماهيرنا هو تجارة رابحة لن تبور يا دكتور. وحتى لا تبور تجارتنا في المرّة القادمة يا دكتور  لا بدّ من هذه الحسبة الثلاثية المتساوية في أضلاعها، لا بدّ منها كاملة غير منقوصة ولا مقطوعة ولا مؤجّلة .. أصلحنا الله وإياك!

 

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب