news-details
ملحق الجمعة

الخطاب الأيديولوجي في رواية "سيرة بني بلوط" (1)

تمهيد

تسعى هذه المقالة إلى دراسة بنية الخطاب الروائي في سيرة بني بلوط (2004)، للكاتب محمد علي طه (1941-) وعلاقة ذلك بالفكر الأيديولوجي للروائي، وذلك من خلال ثلاثة محاور؛ الرواية بين التأريخ والتخييل، فضاء الرواية، والشخصية المركزية ودورها، كعناصر فاعلة في الرواية، تترابط فيما بينها لتكون بناء مُنجَزا واحدايحقق لعبة "الإيهام بالواقع". لن ندخل في مفهوم الخطاب الروائي لأن حيز البحث لا يحتمل ذلك مقتصرا على التعريف الموجز للباحث سعيد يقطين: "وليس الخطاب غير الطريقة التي تقدم بها المادة الحكائيّة في الرواية". (يقطين، ص7)وسيقتصر على محاورة العناصر الثلاثة الفاعلة في الرواية، لنرى إلى الوسائل والتقنيّات التي يبذلها الروائي للتأثير في المتلقي. لن تلتئم عناصر الرواية دون لغة قادرة على نقل الحدث من الواقع إلى الخيال، ودون أن تحمل مواصفات الناطقين بها بما يتلاءم مع زمكانية الأحداث.ف"المتكلم في الرواية"، كما يرى باختين، هو دائما صاحب أيديولوجيا.

تناول عدد كبير من الدارسين موضوع الأدب والأيديولوجيا، عالميا وعربيا، فقد خصصت مجلة فصول عددين متتالين تناولت فيهما هذا الموضوع (فصول، 1985، م5، ع3،4)، وكتب ميخائيل باختين (1895-1975) كتابه الهام الخطاب الروائي (1987). كما صدرت بعض الكتب الهامة في هذا المجال منها كتاب تحليل الخطاب الروائي(1989) للباحث سعيد يقطين وكتاب بعنوان النقد الروائي والأيديولوجيا(1990) للباحث حميد لحمداني وغيرها. رأى البعض "أن الفن جزء من الأيديولوجيا في التحليل الأخير...لذلك كثيرا ما اتهم هؤلاء الأدباء الذين يتبعون هذا المنهج بالدعاية والمباشرة، واتخاذهم الفن وسيلة لنشر الأيديولوجيا، وهي أمور تنأى بهم عن ميدان الفن". (الماضي، ص142) ويرى الباحث شكري عزيز الماضي، أنه "وعلى الرغم من ذلك فإن للفن استقلالية نسبية"، ويضيف "أن الانطلاق من أيديولوجية محددة للحياة والإنسان، ومفهوم للفن، تجعل رؤية الفنان أكثر عمقا وشمولية وتماسكا، لأن مثل هذه الأيديولوجيا يمكن أن تكون سلاحا بيده، يساعده على تشريح الظاهرة التي يعالجها". (السابق)

يعتبر المنظر ميخائيل باختين من أهم من تناول العلاقة بين الأدب والأيديولوجيا، ثم جاء باحثون آخرون وتابعوا في هذا المجال مضيفين رؤى أخرى داعمة مثل لوسيان جولدمان (1913-1970)، في دراساته وأبحاثه المتعددة منها مقدمات في سوسيولوجيا الرواية (1993) وبيير زيما (ولد 1946) وكتابه النقد الاجتماعي- نحو علم اجتماع للنص الأدبي (1991) وكلهم دعوا إلى الابتعاد عن الرواية المونولوجية واتباع الرواية الديالوجية الداعية إلى تعدد الأصوات وتعدد اللغات، ووضع لوسيان جولدمان وفقا لذلك أسس "البنيوية التكوينية" أو "السوسيولوجيا الجدلية للأدب".

من الحري بنا التأكيد على أهمية الشكل وضرورة عدم التضحية بالفن في سبيل الأيديولوجيا، وذلك للابتعاد عن المباشرة والتقليدية والدعاية، تلك التهمة التي وُجّهت، منذ زمن بعيد، للأدب الاشتراكي. إذ إنّ طرح هذه القضية في هذا السياق ليس وليد الصدفة، لأنّا نعلم أن الكاتب الفلسطيني الملتزم، سواء عاش في المنفى أو فوق أرضه، فإنه مقود، بوعي منه، أو دون وعي، لخدمة قضيته. فقد وُظّف الفن الفلسطيني، في غالبيته، لخدمة القضية السياسية والاجتماعية والفكرية. فهل تمكّن الكاتب محمد علي طه من تحاشي الدعائية والمباشرة؟ وهل نجح في توظيف الوسائل الفنية التي تتيح له عرض الأحداث وتصوير الشخصيات بمنأى عن ذلك؟


 

  1. الرواية بين التأريخ والتخييل

اعتمدت الكثير من الروايات العربية والأجنبية على التاريخ في بناء الحبكة المركزية، واستمدت أحداثها وبنت شخصياتها اعتمادا عليه، فتداخلَ التاريخي بالخيالي وولدت روايات عالمية ناجحة. هذا الموضوع شائك وشائق في آن معا، وقد لقي من الدراسة ما يكفي تنظيرا وتطبيقا، ووقف الدارسون عند ميزات الرواية التاريخية ودوافع كتابتها.من أوائل من تناول هذا الموضوع هو المنظّر جورج لوكاتش الذي ألف كتابا بعنوان الرواية التاريخية وفي العربية هناك كتاب الباحث فيصل دراجالرواية وتأويل التاريخ-نظرية الرواية والرواية العربية، وهناك الكثيرون ممن تناول هذا الموضوع ضمن أحد فصول مؤلفاتهم مثل عبد المحسن طه بدر في كتابه تطور الرواية العربية الحديثة في مصر، وإبراهيم السعافين في كتابه تطور الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام.

إن رواية سيرة بني بلوط مزيج من التاريخ والسيرة الذاتية والخيال، تدور أحداثها في فترة الانتداب البريطاني في فلسطين، وفيها حكايات مستمَدّة من هذا الصراع بين أهل البلاد وبين المستعمِر الإنجليزي، وفيها صراع ليس خفيا بين الغنيّ والفقير وبين المستغِلّ والمستغَلّ. قاد هذا الصراع شخصيات ذات حسّ وطنيّ عفويّ غير مدعَّم بثقافة عميقة واسعة ودراسة للتاريخ والثورات، ولا تعتمد على نظريات فكرية وفلسفية. فأبطال الرواية هم من عامة الشعب ومن المؤمنين بضرورة طرد الأجنبي. وليس ذلك بغريب عما هو مألوف لنا عبر الأعمال الأدبية التي تناولت هذه الحقبة، وعبر ما قرأناه في كتب التاريخ. فالإنسان الفلسطيني عاش في تلك الفترة في ظروف سوسيواقتصادية صعبة يسعى فيها المستعمِر والمحتلّ إلى تجهيله عمدا. لذلك فإن الرواية تعكس الوضع الاجتماعي والفكري والثقافي مرهونا بزمن محدد وبشروط اجتماعية محددة. 

يلاحظ القارئ المتأني أن انتقال الشخصية المركزية إلى المدينة قد أحدث نقلة نوعية في وعي الثوار، مما يدل على أن هناك تواصلا بين هؤلاء الثوار-الوطنيين بالفطرة- وبين أشخاص مزودين بفكر مؤدلج.يشعر القارئ أن هناك تماثلا بين الروائي الذي يعمل "في الخفاء" على تمرير أيديولوجيته وأفكاره السياسية والاجتماعية، وذلك منذ الحروف الأولى للرواية. فالقارئ لا ينظر إلى اللغة نظرة عابرة، وهي التي تحمل أفكار الكاتب ونواياه في حال الوعي واللاوعي، ولنا على ذلك أمثلة عدة منها ما جاء في بداية الرواية:

 "في مساء يوم الخميس الثالث من أيلول 1981 فارق أبي الحياة بصمت وهدوء.

كنا، أفراد العائلة، متحلقين حول سريره الخشبي الذي اشتريناه له قبل عشر سنوات في عيد ميلاده الستين. في المرات القليلة بل النادرة التي تحدث فيها إلينا ذكر أنه كان ولدا في السابعة من عمره عندما احتل الإنكليز بلادنا...". (افتتاحية الرواية، ص9).لماذا افتتح الروائي روايته بهذا النص؟ 

هناك عدة زوايا يمكننا من خلالها النظر إلى هذه الافتتاحية، ولكن أكثر ما يهمنا هو الإشارة إلى التاريخ الدقيق، الذي جاء على لسان الراوي، للدلالة على أن الرواية تستمد أحداثها من واقع تاريخي حقيقي، ومن أحداث تاريخية مأخوذة من الواقع، وأن هناك شخصية واقعية عاشت أيام الانتداب البريطاني لفلسطين. قارئ اليوم المتأني/الباحث يرى بوضوح ما يرمي إليه الروائي الذي يُحمِّل مسؤولية الفقر والجوع والعوز والتشرد للمحتل الإنجليزي، ويقوم بتحضير القارئ لمتابعة ما سيحدث لاحقا من أجل تجنيده ليحمل آراءه ورؤيته. بل إنه يبني خطابه الروائي مدفوعا برؤية ترى الفلسطيني مظلوما بسبب هذا الاحتلال.

رواية سيرة بني بلوط، ليست سيرة ذاتية لشخص محدد ورد اسمه في كتب التاريخ، أو سيرة شخصيات معروفة مسبقا للمؤلف والقارئ معا. تتمحور الأحداث حول شخصية مركزية تطغى على بقية الشخصيات. بالرغم من ذلك يخرج القارئ بعد الانتهاء من قراءة الرواية بانطباع أنه يقرأ تاريخ شعب في فترة زمنية محددة ضمن هذا المكان، ولا يقرأ رواية شخصية أو أشخاص، وذلك منذ العنوان سيرة بني بلوط الذييحمل بعدا جماعيا لا بعدا فرديا. وبنو بلوط هم شعب له جذور عميقة كما هو حال شجر البلوط في هذه الأرض بالذات. فإن كان هذا هو حال عتبة الرواية، كما يقول المنظرون، فإن خاتمتها تنتهي نهاية شبه مفتوحة على أمل لقاء المحاربين من جديد ومتابعة المشوار الجماعي: "اقترب سرحان مني وقبض على ذراعي وشدني فوقفت، حدق في عيني للحظات ثم قال: حافظ على بندقيتك.. لا بد أن تحتاجها بعد سنوات.. يموت الفهد.. ويموت عبد الكريم.. ولكن القضية لن تموت [...]

ومضى سرحان باحثا عن أفق.

وبقيت أنا والبندقية..

والوطن..

وتميمة..

والعصفورة..

وشجرة البلوط..

والسر..". (الرواية، ص198-199)

هذه اللغة الشعرية ذات الدلالات الشفافة في نهاية الرواية تشير إلى أسى وحزن وألم وأمل بتجدد اللقاء ومتابعة المسيرة الجماعية. 

من عادة الروايات التاريخية التقليدية أن تعتمد في أحداثها على شخصية كان لها دور هام في حقبة زمنية معينة، فيحولها الروائي إلى عمل فني يجمع فيه بين التاريخ والخيال لتصبح رواية فنّيّة تقول ما لا تقوله كتب التاريخ، وتصبح قادرة على التحاور مع القارئ بشكل آخر بعيدا عن الطرح التاريخي الذي يحتمل الصدق والكذب والتزييف. إن الفن مدعوما بالتخييل وبالتقنيّات الفنية لقادر على جذب القارئ بعيدا عن قراءة التاريخ الجافة. وكل كاتب هو صاحب أيديولوجيا، فتتغلغل أفكاره من خلال عناصر القص كلها عبر اللغة المركب الرئيسي لعملية التخييل وأداته الأولى.

لا يمكن، برأينا، مقاربة الرواية الفلسطينية بمعزل عن المحيط الذي يكتنفها بكل مركباته وحيثياته الفكرية، السياسية والاجتماعية. كما لا يمكن التركيز على شكلها الفني بمعزل عن اجتماعية الرواية، كجزء من التاريخ، وإلا جعلنا الدراسة عملية ميكانيكية محضة. يقول لوسيان جولدمان: "لقد كانت الرواية في الجزء الأول من تاريخها سيرة حياة وعرضا لمجتمع، ولذلك كان من الممكن دائما بيان أن العرض الاجتماعي يعكس-بدرجة أو بأخرى- المجتمع في هذه الفترة، وليس شرطا أن يكون المرء عالم اجتماع حتى يرى هذا...". (جولدمان، ص38) 

إن كان هذا هو حال الرواية العالمية في بداياتها، كما يراها لوسيان جولدمان، فإن ذلك ينطبق، برأينا، على الرواية الفلسطينية التي لم تعبُر بعد تجربة مئات السنين، كما هو حال الرواية الغربية، إذا اعتبرنا أن رواية دون كيشوت(1605) لميخائيل دي سرفانتيس (1547-1616) هي الرواية العالمية الأولى، كما يقول منظرو الرواية. ثم إن الكاتب الفلسطيني المؤدلج لم يجد الوسيلة، ولا الطريقة المشروعة التي تتيح له أن يدخل عالم الفانطازيا والخيال المحلق، بمعزل عن واقعه الاجتماعي والسياسي، إذ لم يستطع الروائي الفلسطيني بعد، أن يبتر نفسه عن واقعه وعن محيطه، فالقضية الفلسطينية ما انفكت أحداثها تتفاعل، بحيث لا نستطيع فصل الماضي عن الحاضر، بل إن محمد علي طه وزملاءه من الأدباء الفلسطينيين يبذلون قصارى جهدهم لتوثيق الأحداث السياسية والاجتماعية في ذاكرة الإنسان الفلسطيني والعربي عامة، ساعين إلى تصوير واقعهم عبر هذه المرحلة التي لم تتعد القرن بعد، منذ الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم. وعلى ما يبدو فإن قرنا من الزمان لا يعتبر فترة زمنية طويلة قابلة للنسيان. لذا لا يمكننا مقاربة رواية محمد علي طه سيرة بني بلوط دون ربطها بمحيطها الاجتماعي والسياسي والتاريخي.

تتضح في الرواية صورة القرية وأهلها؛ ثقافتهم، فكرهم، عاداتهم وتقاليدهم، بجميع أبعادها، بحيث يمكننا رسم صورة شبه سينمائية للقرية، أكثر مما تبرز صورة المدينة، بالرغم من انتقال 

الأحداث من القرية إلى المدينة، ورغم حرص الكاتب على تأثيث فضاء الموقعين بكل ما يحتاجانه. وقد تمكن من رسم صورتين متباينتين، رغم التشابه في العادات والتقاليد والمعتقدات. فعالم القرية هو الأوسع والأشمل لأن مجتمعنا في تلك الفترة هو مجتمع قروي لا مدني في غالبيته. وبما أن دافع الكتابة أيديولوجي فقد برزت صورة القرية بناسها وأهلها وهم يصارعون المحتلّ، وكان من الطبيعي أن تتسع رقعة الأحداث لتناسب "الواقع" التاريخي لتلك الفترة، فامتدت الأحداث لتشمل المدينة وأهلها، وبالذات تلك الشريحة التي حاربت المستعمر الإنجليزي.

يفرض هذا الموضوع، بحد ذاته، على الدارس مقالة منفردة تتناول هذه القضية بكل أبعادها، لكننا نقول إن الكاتب قد رسم صورة سليمة تجعل القارئ يكاد يشم رائحة المكان، وبالتالي نكاد نضع إصبعنا على مواقع جغرافية بعينها، من ناحية، كما يمكننا أن ندرك نوعية المجتمع وخصائصه الفكرية والاقتصادية والثقافية في تلك الفترة. والأهم أن رواية سيرة بني بلوط تتحدث عن فترة زمنية هامة في تاريخ الشعب الفلسطيني، وبالتحديد في ثلاثينيات القرن الماضي، ما قبلها وما بعدها بقليل، نجد فيها شعبا يصارع المحتلّ، فكانت حكاية مصطفى جابر بلوط مثالا لثائر فلسطيني يسعى لتحقيق هدفين؛ الاستقلال والعدالة الاجتماعية.

يخرج القارئ بعد قراءة الرواية بانطباع أنه قرأ حكاية رجل قرويّ خرج من صلب مجتمع فلّاحيّ لاقى الأمرّين، فكافح وناضل منذ شبابه المبكر، فاكتسب وعيا اجتماعيا وفكريا وسياسيا، يرى أنّ هناك ظالما ومظلوما وأنّ هناك غنيا وفقيرا، وأنّ هذا الفارق الطبقي ينبع من استغلال القوي للضعيف. يقتل الإنجليزي المحتلُّ والدَه فلا يجد الرعاية اللازمة، لا هو ولا أمه، فيقرر أن يأخذ ثأره من المحتل، ومن فئة الظالمين في مجتمعه. هذا على الصعيد الخاص، أما على الصعيد العام فهناك مجتمع كامل يقبع تحت نير الاحتلال ويئنّ تحت وطأة الفقر والاستغلال. فكان من الطبيعي أن تنشأ ثورة يقودها رجال يؤمنون بضرورة التخلص من الغريب لأنه هو سبب الغبن اللاحق بشعبهم ومجتمعهم.

لم نقرأ تاريخ ثورة ولم نقرأ كيف ولماذا بدأت، ولم نقرأ نتائجها، كما اعتدنا في دروس التاريخ، بل قرأنا رواية فنّيّة فيها أبطال وفيها أحداث تدور في زمن الثورة. فانصبّ اهتمام القارئ لمتابعة الأحداث، من خلال عيني الراوي، الذي ينضم لرجال آخرين يحملون نفس الفكر ونفس العقيدة. وهكذا تمكّن الروائي من تمرير رؤيته العقائدية من خلال عمل فني قادر على تثوير القارئ، وتجنيده للوقوف في صف الثوار ممثلا بمصطفى جابر بلوط، الفلاح القروي الثائر، فغلب عنصرُ التخييل عنصرَ التأريخ، فاختار أسماء الشخصيات والمواقع من الخيال لتتحول الأماكن والشخصيات إلى رموز يبحث القارئ عن دلالاتها لا عن مكانها ودورها في حدث تاريخي معيّن. لكننا نصرّ على التأكيد على أنّ كلَّ الحيل الفنية لا تستطيع أن تلغي الجانب التأريخيّ من الرواية، كما أن التخييل لم يتمكن من إلغاء دور "السيرة" بالرغم من اختيار الكاتب اسما خياليا لبطل الرواية. 

 

  1. الفضاء الروائي

عندما ندخل عالم فضاء أي رواية علينا أن نؤكد أننا لا نستطيع القيام بذلك دون التطرق إلى عناصر الخطاب الروائي الأخرى. أما المرجع الأهم لدراسة الفضاء فهو اللغة التي وظفها الروائي لتأثيثه وبنائه. فقد رأى المنظر يوري إيزنزويغ أنه "مرجع فضائي لنص لغوي، مما استلزم ربطه بإطار دلائلي (سيميائي) عام، ثقافي وحضاري...". (نجمي، ص32) وفي هذا الفضاء "تنتظم الكائنات والأشياء والأفعال، معيارا لقياس الوعي والعلائق والتراتبيات الوجودية والاجتماعية والثقافية". (السابق). ونحن إذ نتحدث عن فضاء الرواية فإنا نصر على ولوج هذا العنصر الروائي من خلال تمازجه التام مع عنصر الزمن، مؤكدين على مصطلح الزمكانية (الكرونوتوب) الذي اجترحه المنظر الروسي باختين، (باختين، 1990، ص5) لأن الفصل بينهما، برأينا، شبيه بالمستحيل، "فإن الرواية بما تتسم به من سعة، تسند دورا حقيقيا لمقولتي الزمن والفضاء، بما يجعلهما حاضرتين بمختلف تمظهراتهما في كل موضع من الرواية. فالكاتب يحرص على إعطاء كل لحظة قوية وكل مشهد من مشاهد روايته إطارا زمكانيا". (كولدنستين، ص19) 

تدور أحداث الرواية، كما ذكرنا، في عهد الانتداب البريطاني، ولهذا تأثير على فضاء الرواية، سواء في تصوير شكل البيت، أثاثه، والأدوات التي يستعملها سكانه، داخل البيت وخارجه، هذا فضلا عن المأكل والمشرب، وأسلوب الحياة اليومي في التعامل بين الناس، والمحيط الفكري والثقافي للمجتمع في هذا الحيز الزمكاني. فهناك فرق بين عصر وآخر، ولا شك أن الزمن ينعكس على المكان، مؤيدين في ذلك ما رآه باختين "أن الزمان، فيما يخص الأدب، هو العنصر الأساسي في الزمكان، فالزمكان بوصفه مقولة شكلية مضمونية يحدد أيضا (وإلى مدى بعيد) صورة الإنسان في الأدب، وبالتالي فهذه الصورة هي دائما زمكانية بشكل جوهري". (باختين، 1990، ص6) وقد لمسنا ذلك منذ الصفحة الأولى للرواية: "وكان ولدا في السابعة من عمره عندما احتل الإنجليز بلادنا وكان يومئذ مع أهله في الحقل يقطفون الذرة البيضاء التي يخبزون من طحينها أرغفة الكراديش العسيرة المضغ. ونظرا لصغر سنه لم يكن يجيد عملية الحصاد الخطرة التي يستعمل بها الفلاحون المناجل والسكاكين الحادة، فأمره والده، أي جدي، أن يحرس كوم عرانيس الذرة من عدوان قطعان الماعز الأسود والأبقار التي كانت ترعى في الحقل وراء الحصادين". (الرواية، ص9-10)  

تصور هذه الافتتاحية شريحة من الناس ببعدها السوسيواقتصادي، في إطار زمني محدد، ولذلك فإن صورة المكان-الحقل- وثيقة الصلة بهذا الزمان المشار إليه. نود التنويه هنا إلى أننا قد آثرنا استعمال مصطلح "المكان" في هذا السياق، لأن المكان، كما يقول جورج بولي هو "جزر في الفضاء، جواهر [أفراد] أكوان صغرى منفصلة داخل الفضاء" (نجمي، ص 44) الذي يحوي أماكن عدة يقوم الكاتب بتصويرها بما يتلاءم مع زمن محدد دون غيره. فالحقل الذي أمامنا ليس صورة فوتوغرافية مجردة، بل إنها ذات دلالات اجتماعية، فكرية وثقافية لهذه الشريحة، بالذات، وفي هذا الزمن بالتحديد. إن ذلك ذو علاقة وثيقة بالأدوات المستعملة ضمن هذا الحيز، فضلا عن نوع المأكولات التي توحي بضيق ذات اليد، التي جعلت الناس يتناولون "الكراديش" صعبة المضغ. وهو يرتبط ارتباطا وثيقا بنوع الحيوانات الأليفة التي كانت مصدر رزق للفلاحين آنذاك، وبالتالي فقد حُدِّد المستوى الفكريّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ لهذه الشريحة البشريّة في هذه الفترة العصيبة من تاريخ الشعب الفلسطينيّ، في مواجهة الآخر. 

إن اللغة، كما نعلم، هي الأداة التي يحتاجها كلّ نص أدبي، ومن واجب الكاتب أن يصور المكان والفضاء عامة بواسطة مفردات وكلمات تُكوّن، في اجتماعها، صورة شبه واقعية تجعل القارئ يشعر بمصداقيتها، كي تنطلي عليه عملية الإيهام بالواقع. لا يحتاج القارئ المتمرس إلى مجهود كبير ليرى كيف تجاوبت اللغة مع الأمكنة وصورها، ومع أحداث معينة. فصورة بيت الفقير ليست نفسها صورة بيت الغني، مما يضطر الفقير إلى السرقة، أحيانا، من بيوت الأغنياء، وصورة المحيط القروي ليست ذاتها صورة محيط المدينة. وصورة الفلاحين في القرية والأحاديث واللغة التي يستعملونها ليست صورة المقاتلين الثوار وليست ذات الأحاديث ولا اللغة التي يستعملها المقاتلون. فهناك مستوى فكري مغاير يُنقل للقارئ عبر اللغة التي تتجاوب مع مستوى الشخصيات الفكرية. 

ففي موقع آخر من الرواية، ومنذ صفحاتها الأولى أيضا، نقرأ على لسان الراوي الذي كان آنذاك لا يتعدى "الرابعة أو الخامسة من عمره" هذه الذكريات: "صعدت أمي في يوم ما، إلى سدة البيت لتتناول شيئا من المونة التي كانت تخزنها هناك ولحقتُ بها فشاهدت أكياسا صغيرة ومتوسطة ومرطبانات متعددة الأحجام فيها برغل وعدس وحمص وفول وبذور بطيخ وقطين وكشك وزعتر ومربى البندورة...". (الرواية، ص14) 

إن شكل البيت ووجود "السدة" التي تحوي هذه الأنواع من الحبوب والقطنيات، كونها "مونة"، يتلاءم تماما مع أجواء تلك الحقبة الزمنية. فهناك، لا شك، ترابط وثيق الصلة بين نوع المأكولات ونوع الأدوات التي تلائم عصرا بعينه دون غيره. وهو ما نراه بالتحديد في كلمتي "السّدة" و"مونة" الآخذتين في الانقراض في أيامنا هذه، أو لنقل إن لها دلالات مختلفة عن دلالاتها اليوم، نظرا لتغير الزمن وأسلوب الحياة المغاير لذاك. هذا الأمر لا ينعكس على ملبس الناس ومأكلهم ومشربهم فحسب، بل إنا نلمسه في تصرفاتهم وأفعالهم، وفي المستوى المعيشي، تحضيرا لما سيحدث فيما بعد. فوصف البيئة، حسب رأي فيليب هامون، هو وصف مستقبل الشخصية، (بحراوي، 2002، ص6)فماذا فعل الناس تحاشيا للمأساة التي أحسوها قادمة لا محالة في نيسان عام 1948؟

كان أهل القرية مثلهم مثل أهالي القرى الأخرى يحملون سلاحهم البدائيّ من عصيّ وفؤوس، وأسلحة نارية بدائية، مقارنة مع ما يتوفر لدى الخصوم من سلاح متطور وصل حد الطائرة. ما كان بوسعهم فعله حماية لأنفسهم هو قيامهم بحفر خندق عند مدخل البلدة "اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حفروا نفقا في الشارع الرئيسي المعبد الذي يربط بلدتنا بالمدينة، واشترى بعض الرجال البنادق من تجار في الشمال". (الرواية، ص 15) لقد وقع الأب تحت طائلة الخوف، حين علم أن اليهود قد دخلوا القرى الأخرى، فما كان منه إلا أن خبّأ الجرّة وفيها "السيرة" التي تروي "سر اللسان المربوط للعبد الفقير مصطفى بلوط". (الرواية، ص31) 

إن تصرف الناس آنذاك يتماشى مع ذاك العصر، ومع تلك الوضعية، مما يساهم في تصوير الواقع الذي يعيشه الإنسان الفلسطيني، من ناحية، ويساهم فنيا في عملية "الإيهام بالواقع"، من ناحية أخرى فيبدو الوصف قريبا جدا من الواقع المعيش. إن شكل الطبيعة كان مغايرا عما هو عليه اليوم، واهتمام الناس بالأرض ونبتها وطيورها كان مختلفا أيضا. فلو قرأنا الفقرة التالية على لسان الراوي الطفل لأدركنا ما نرمي إليه: "كان الطقس ربيعيا وأشعة الشمس الدافئة تتراقص على خدود الأزهار المتعددة الألوان مثل فساتين النساء يوم العرس [...]، وبدت أراضي هضبة "رأس البير" التي تقسمها السلاسل الحجرية مثل سجادة خضراء مزركشة بشقائق النعمان والصفّير والأقحوان وعيون البقرة [...] والعصافير تزقزق فرحة... والبلبل والشحرور واللامي والحلاج والزرعي". (الرواية، ص16)

إن هذه الصورة الجميلة لطبيعة الأرض، التي وردت على لسان الطفل،لم ترد في هذا السياق عفوا، بل إن الراوي، بدعم من الروائي المتخفي، يرمي إلى توثيق هذه الصورة ليدلل على الألم والوجع الذي يعتريه اليوم بعد مرور عقود من الزمن من وقوع المأساة، وقد فقد أرضه وناسه وبات يعيش مع ذكريات كان يعشقها ولن تعود أبدا كما كانت، لأن معالمها النفسية والاجتماعية قد تغيرت. إن تأثيث الفضاء، في الأمثلة أعلاه، يعتمد على لغة ومفردات وتشبيهات وصور لغوية ذات صلة قوية بتلك الفترة، وإلا كيف نفسر تشبيه جمال الطبيعة في زركشتها وتعدد ألوانها بفساتين النساء يوم العرس؟

كانت الأعراس مناسبة لتتزين بها النساء ويعمَّ الفرح بين الأهل والجيران والأقرباء بلباسهم الذي يكون له طعم آخر مختلف عن أيامنا، فلم يعد لبس الثياب الجديدة والمزركشة مناسبة ننتظرها كل بضع سنوات. ولم يعد للثوب الجديد تلك البهجة كما كانت "أيام القلة"-كما اعتدنا أن نقول- ولذلك، أن يرى الطفل هذه الصورة يعني أنه كان، آنذاك، في أوج فرحه، وهو إذ يصورها في مرحلة لاحقة فإن ذلك ينمّ عن حسرة وألم بسبب فقدانها.  (يتبع)\


 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب