news-details
ملحق الجمعة

العالم الأخلاقي الآني في جحور الكورونا، من صمود الصين مرورًا بالوضاعة الأوروبية وإلى التسلّق الاسرائيلي

 على الرغم من السدامية الشديدة التي رافقت البشرية بأجمعها جراء انتشار الوباء العالمي المستجد كوفيد19، أو ما يسمى بالكورونا، والتي طالت بدورها دولًا من أقصى نقاط العالم الى أقصاه الآخر، وانبسطت على خطوط استوائه وعرضه دون بوصَلَة تعيّن الاجتياح العاجل للفيروس، او تحدد اتجاهه أو تقيد امتداده البرقيّ اللاانتقائي العادل الوحيد في باحة الجائحات السياسية، تقطن تجربة إنسانية وأخرى نقيضة لها تستحقّ أن نقف عندها قليلًا.

الحقيقة العامة أنّ الفيروسات على اختلاف مسمياتها، تتلقى بيئة حاضنة لتغرس أنيابها فيها، وطالما أنّنا نتحدّث عن كثافة سكانيّة مهولة وغير معهودة من مليارات النسمات الانسانية، تلزمنا العيش مع عوز في المساحات وفي رقع ضيقة بمسافات مختزلة تقربنا عنوةً من بعضنا، يزداد احتمال التعرض للفيروسات ويصعّد أسهم ووتيرة الإصابات سريعًا.

وبخلاف ما يمكن الحديث عنه من حياكة المؤامرات العالمية والنفسية المغلوب أمرها والتي قد تكون ممكنة ومشروعة وصادقة في أحايين كثيرة تحت وطأة عالم مكتظ بجشع رؤوس الأموال ورعاتهم، فإنّ أبحاثا كثيرة أثبتت بأن فيروس كورونا هو نوع من أربعة فيروسات أخرى كانت تنتقل منذ الستينات بين أنواع معينة من الحيوانات كالوطواط على سبيل المثال، وبأنّها في زمننا الحالي تطورت قابليتها لإهلاك جسد الانسان بمميزاتها التاجية المعدية. 

لست بصدد خوض النقاش في غمار المعلومات الصحية المتراكمة المتعلقة بفيروس كورونا والتي لا أفقه بها ولا ادرك التعبير عنها علميًا، والتي بطبيعة الحال لها أهلها وباحثوها الكثر. هنالك تجارب فيروسية طاحنة مرّت منذ عقود على وفود بشرية مليونية كالإنفلونزا الاسبانية بعد الحرب العالمية الأولى وفيروسات حديثة نسبيًا مثل السارس وإيبولا وغيرها، وما يعنيني من هذه الضوضاء التي نعاينها ونمارسها ونحظى بتوثيقها هي الروح الأنثروبولوجية الاجتماعية القابعة ما وراءها. 

لا شكّ أنّ التخوفات العظيمة الّتي لاحقتنا منذ الإعلان عن انتشار الفيروس في مقاطعة ووهان الصينية، وضعتنا محط تساؤلات مصيرية فيما إذا كان الفيروس سيصل بلادنا أم سيظل متقوقعًا في مهده المعتاد، ولكن لا بد من الإشارة بمكان ما أنّ ما يكمن خلف خطوط الظنون بعينها هي التجربة الفريدة الّتي مدّتنا بها "بؤرة الكورونا" الأولى، فعلى الرّغم من الحصاد الإنساني المروع، تغلبت الصين على كبوتها بفترة زمنية قياسية تكاد تعيد تحليقها الى موانئ الشفاء.

 

//"تعامل مع أي شخص على أنه مصاب وتصرف مع كل الناس على أنك مصاب" 

هي جملة بسيطة ذات معنًى مهيب، اتبعتها جمهورية الصين الشعبية لكبح جماح انتشار الفيروس، ولتذويت الإنسانية بمعناها الحقيقي بين صفوف ناسها المرصوصة. وبالطبع رافقت هذه الحملة مسؤولية جمّة ملقاة على الحكومة دفعتها لبناء مستشفيات ميدانية ورفع حالة التأهب بشكل فوري وخيالي حتّى باتت تسجل اليوم عدد إصابات ضئيلا جدًّا مقارنة بما كان بدايةً، حيث لجأت أخيرًا إلى إغلاق مشافيها في ووهان وهوبي والزام الناس بالحجر المنزلي فقط. وبصدق ان الشعوب تتمثل بتنظيم حكوماتها، واذا ما استشهدنا بالمصلح الاجتماعي روبرت اوين نذكر انه قال مرارًا بأن الانسان نتاج المكان أو البيئة التي يترعرع بها، وهذا ما عهدناه لدى متابعتنا للتكافل الاجتماعي والقلق الجمعي الذي رافق الناس هناك، ومنهم من لم يكن الا زائرًا أو طالبًا أجنبيًا مكث بين أروقتها وتشبث فيها كأنّها قرآنه أو انجيله أو عهده القديم.

الصين الشّعبية الشرق آسيوية الّتي تعرّضت بصلافة ودونية للسخرية والتنمّر طوال مواجهتها لهذه الزلفة المؤقتة والتي ستكون عابرة لاحقًا ومجرد فصل خفيف في مسيرتها، تقدّم اليوم بنفسها وللعالم كلّه درسًا ليس فقط بقدرتها التدبيرية والتنسيقية وتمخض اشتراكيتها عند سقطة حادة للنظام الرأسمالي المخادع والمهين في دول أخرى، والذي يرى بربحه المادي قيمةً تسمو على نفس الأنام؛ هذه الاشتراكية النبيلة التي تعيدنا الى سياقات تاريخية وفرت للعمال فيها رافعة فكرية ونضالية تقبر بؤسهم الاجتماعي مستقبلًا وتعبر هذا التكدس الاقطاعي الذي يطال جهاز الصحة بالمناسبة، وتحول دون خلخلة الوضع الراهن وتجاوزه الى مجتمع أخلاقي اشتراكي جديد يحقق العدالة والمساواة والرفاهية للجميع.

نعم لم تمنحنا الصين في تجربتها الفريدة هذا الأمر وحسب، بل مدّت عروقنا باتعاظ انساني وتضامن أممي رفيع، ففي ذروة مكافحتها للڤيروس المتفشّي في أرضها وبين مواطنيها، بقيت تقاومه بتنظيم تام حتّى احتوت هذه الأزمة، وعبرتها الى تقديم ثلاثين طنًا من المساعدات الطبية من إنتاجها الخاصّ مع إرسال طواقم طبيّة صينية النشأة لدعم إيطاليا تحت عنوان رمزي عميق لم تنصرف عنه دقّه الصين في جملة أممية بحت أرفقتها بملصقات على صناديق المعونات: "نحن أمواج لذات البحر، أوراق من نفس الشجر، أزهار من نفس البستان"، تتشارك فيها إيطاليا المنكوبة التي تتكبد جل الخسائر البشرية في العالم، والتي تصل إلى رحيل مئات الأرواح في اليوم الواحد، الأمر الذي من غير المعقول استيعاب وتحمل حقيقته.

ولم تكتف الصين بأن تكون سندًا مثابرًا وظهرًا حارسًا منيعًا لإيطاليا وليبيريا فحسب، بل عكف سفيرها في فلسطين على تنفيذ التعهد بالتزامه وبلاده تجاه الفلسطينيين واستعدادهم لتقديم كل أشكال الدعم لمواجهة الفيروس. وبينما تحارب على دكّتين وكأنها على عقدٍ منصوص مع انسانيتها يدأب الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيش في حربه الضروس مواجهًا هذا الكابوس الذي حلّ ضيفًا شرسًا يقضم أجساد مواطنيه، فيحرص فوتشيش على أن يبجّل الصين وخدماتها، معزّزًا الثقة بتقديمها المساعدة لبلاده بعد أن أدار الاتّحاد الأوروبي الخسيس السفيه ظهره في وجه صربيا وقرينتها إيطاليا من قبلها، وذلك بعد تهديدات كان يطالب هذا الاتحاد الرذيل الساقط الرئاسة الصربية من خلالها بعدم استيراد البضائع الصينية طمعًا بمراكمة جيوبه بالمال الصربي، الأمر الوحيد الذي تجيده غابات رؤوس الأموال المتوحشة.

منحتنا الجمهورية درسًا مجانيًا للبشرية برمّتها تقدمه بتضحية ووجدان ضخمين عن كيفية تفشّي الإنسانية لصدّ وكبح الأوبئة ومن ثمّ الحروب المفتعلة، كانت هذه عبرة للتضامن القويّ مع شعوبنا المشردة في كلّ مكان، كاليمن المغيّبة إعلاميًا والتي يتعرض أهلها لجريمة شعواء من غيلان آل سعود تضورها بل تميتها جوعًا في أحيان كثيرة وبشكل ممنهج؛ وإلى الشعوب الافريقية الجنوبية المستضعفة والمضطهدة مثلًا والّتي ينقصها حتّى أساسيات الحياة الأولية التي يتمتع بها كلّ منا.

هذه الأمثولة الصينيّة المفتخرة تعظنا وتنصحنا بها الكتلة الاشتراكية الشعبية الوحيدة ليكون التضامن خارجًا عن نطاق الذبذبة والتملّق للرّجل الأبيض، وعابرًا لاحترام الذّات الإنسانية والحفاظ عليها دون تفرقة وتجزئة ودون اعتبارات واهية، تافهة وسخيفة كالعرق والدين والجنس.

 

//تبجّحات ترامب رغم أن  الأمريكي يعاني مقومات صحية ضعيفة

ومع أنّ التقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية تشير إلى حقيقة أن الفيروس غير مصنّع، في إشارة إلى أنّه من غير الممكن أن يتم خلقه وإعادة انتاجه في ظروف مختبرية، إلا أن هذا الأمر لا يعفي رأس الحربة الإمبريالية من مسؤوليتها ولو تجاه مواطنيها هي وقرصانها الأحمق ترامب، فكيف تؤكّد بعد امتثال حالات كثيرة للشفاء في الصين عن وجود مئة ألف إصابة في أوهايو لوحدها؟ هل هذه العجالة لتوجه الرأي العام واهتمام الأطباء والمختصين من أجل احتكار لقاح تبيعه للعالم ليراكم جيوبها المغمورة أصلًا وعلى حساب الانسان؟ ومنه الأمريكي الّذي يملك مقومات صحية ضعيفة ضمن جهاز الصحة المعطوب القائم على الاستغلال والذي شدد السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز في حملته الانتخابية على وجوب معالجته وقدم خطّة تؤكّد على الضمان الصّحي الكامل للجميع فور فوزه. ثمّ ماذا عن مسؤوليتها المعزولة بل المنشقة قصدًا عن النّاس في إيران؟ هذه التقييدات السلطوية، والعقوبات الاقتصادية المريعة الّتي تفرضها على الدولة الإيرانية منذ عقود والتي يدفع ضريبتها الضعفاء فقط، الذين لا حول لهم ولا قوّة والّذين يموتون يوميًا جراء سياسات تعسفية معتوهة بغية الهيمنة والنهب والاستعراض البطولي.

ولا بدّ أن تشارك المملكة المتحدة ربيبتها الأمريكية بهذه الهرولة السّخيفة لخطة مناعة القطيع الساذجة مع قلة الأسرّة وعدم قدرة المستشفيات على استيعاب كميات كبيرة من المصابين، حتّى تعدل اجراءها التصعيد "وتسخير" حالة الطوارئ خدمةً لذاتها كي لا تشكل عبئًا على وزارة الصحة، فمن سياسة "اغسلوا أيديكم" حلّ رئيس الوزراء بوريس جونسون كومضة بالية من عتمة الانتهازية ملزمًا الناس بالعزل.

ومع أنّ ممالك الأباطرة الكبرى تتشارك بفجاجة لتسليع الروح البشرية والتعامل معها ببخس الأثمان، فإنّ أنظمة الدول العربيّة لا تقلّ وضاعةً في طرق تعاملها مع الفيروس وتفشيه حتّى بين المواطنين الذين لا سعر لهم. ففي لبنان تقوم السفيرة اليسا بالتحدث نيابةً عن الشعب، والحكومة ذاتها في تيه كبير، تراشق وتبادل اتهامات وتعظيم روح المؤامرة الإيرانية الطائفية على لبنان، كما تشاركها السعودية البلهاء فيها، ونظام مصر الّذي أخفى حقائق عدد الإصابات فيها وتناول الموضوع باستهزاء ولا مبالاة عظيمين. كلّ هذه السياسات غير الرزينة تثبت امتداد اللا وعي العربي حتّى في مسائل صحة وسلامة الجمهور تحت رايات حكومات ووزارات بائسة لا توجد بها أدنى المقومات الإنسانية التي تضمن خلودًا مؤقّتًا للذات البشرية.

وعلى عكس الدول الأخرى اهتمت السعودية ومصفقيها البُله بترويج شائعة خلو ساحات مكة من المصلين بدلًا من نشر الوعي وحثّ النّاس على الاعتكاف في بيوتهم في ظل الأزمة الموبوءة، وبالتأكيد أنني أدرك منزلة وأهمية تلبية نداء الله، الغاية الرّوحانية، المحافظة على الشعائر الدينية، مظاهر ممارساتها وتأدية المناسك الخاصّة بها والّتي ترتبط بدورها بماورائيات الصّلاة في الحرم المكّي، وأوازيها بحزن وجهم الناس الشّديد ولكن ما جال في ذهني حين انبثقت هذه الخرافات، أنّ عمق الحدث قد يكون بادرةً لاندثار السطوة الرأسمالية لآل سعود والّتي لا تلتهم فقط عوائد النفط والبترول مشاطرةً لأمريكا، بل تتغذّى بشراسة على الايرادات والمدخرات المرافقة لزيارات الناس البسطاء الذي يتظللون بنور ايمانهم في السعودية بغية الحج أو العمرة، والّتي يفترض أن يقوم خادمو الحرم لأجلها بشيء خياليّ صعب على جشعهم كتفعيل ميزان العدل وتقسيمها على كلٍّ منهم بالتساوي.

ظننت حينها أن الكورونا سيحوّلنا إلى أناس استهلاكيين أقل، اقتصاديًا ودينيًا، ممّا عهدناه في ذواتنا قبل هذه الأزمة، أو سيجلد بالضرورة علاقتنا مع الله والّتي من المفترض أن تقوم على رباط داخلي صميميّ وليس صوريّ شكليّ واستهلاكيّ.

لقد حول غيلان آل سعود ذلك المكان المقدّس إلى بؤرة تجاريّة خالية من الابتهال، ومليئة بالمقابل برموز الامتياز والتفوّق الرأسمالي الحقير لتخدم بالنّهاية -وعلى حساب الناس- أسيادهم الأمريكان وأعوانهم الصّهاينة، لذا فإن من حسنات الكورونا أنه وفي حال استمرّ الوضع على ما هو عليه مع تشديد الاجراءات بالحجر والعزل، فإنّ خسارةً اقتصاديّة مدوّية ستلحق بهم.

وبمعزل عن هذه الخسارة فإن الصّلاة يمكن أن تتجلّى بروحانيّة خالصة إلى الله وبأمان أكثر بدون سفسطة فارغة، بكائيات وعواطف خرقاء داخل المنازل المعقّمة في ظل الظروف الصعبة، وإنّ الصوت الخافت داخل القلب لا المكان القابع به يتّصل بالله بالخشوع والتضرّع والتعبد ولو كان في بحرٍ لا كعبة فيه ولا سفينة.

 

هذه السعودية تشبه بجوهرها الطامع ذلك المأفون بنيامين نتنياهو الّذي يقايض، يراوغ ويسلّع بصوت الجماهير العربية -الأداة الأخيرة الّتي يملكونها للصّراخ بوجه فاشيته- والّتي يبيعها ويخدّرها بخمس آلاف شاقلٍ، بصفاقة تامة يتوّج آل سعود حقدهم وخبثهم الدفين لإشعال حربهم الشعواء ضد اليمن العزيز الصّامد وبنفس الآليات. 

 

///جنود حقيقيون من الطبيبات والأطباء والممرضين/ات العرب في الصفوف الأولى

قال انجلز في كلمته التأبينية لرفيقه ماركس: "ان الناس في الدرجة الأولى ينبغي لهم أن يأكلوا ويشربوا ويلبسوا ويجدوا المأوى قبل أن يستطيعوا توجيه اهتمامهم للسياسة والعلم والفن والدين أو أي شيء آخر"، ولا بدّ أن هذه الأزمة ولو جاءت في غير سياقها الآني لأكل النّاس بعضهم دون أن يوجهوا تركيزهم صوب انتزاع حقوقهم الطبيعية وممارسة حقّهم في تحجيم عنجهية المتسلق نتنياهو الّذي ركب هول الشداد وكأنّه يسدي للجمهور خدمة ومنحةً في عرضه لحكومة الوحدة "الوطنية".

وبدلًا من الاهتمام بهموم النّاس ومعالجة مؤشرات النّقص في قطاع الصحة من نقص حاد بعدد الأسرة وسلة الدواء الخاوية، وقلّة الأطباء والممرضين والبخل الوقح في الاستثمار بالجهاز الصحي، يقوم هذا الجبان بخرق كل معايير الخصوصية طالبًا عرض خطة تنسيقية مع جهاز الأمن المخابراتي العام لتعقب المصابين بالفيروس بذريعة منع تفشي الوباء، ويطلّ كل ليلة بشكل عصيب مميت مقيت ليطرح تدابير احترازية انتهازية يتخلّلها لؤم ممزوج بالخشية التمثيلية وكأنّ البلاد ستفقد مواطنيها اذا لم يستولِ على سدة الحكم مرّة ثانية، متجاهلًا اخفاقه البالي في أكثر المنظومات أهمية وهي التربية والتعليم والصّحة في هذا الوضع وفي كل حالة مستعصية أخرى. 

وبصرف النظر عن البلبلة الشديدة في اصدار التعليمات، لا بد من الإشارة الى أنّه وفي ظل الظروف الراهنة لا توازي إسرائيل ثمن ما قدمته الصين، والتي قلنا سابقًا ان شعبها المنتظم مرآة لأدائها، لذا لا شك ان خروج الدولة عن السيطرة على أعداد المصابين المتصاعد أسيًّا ليس سببه الاستهتار والتهور الذي يصورونه من المواطنين نفسهم وحسب، بل حالة الفوضى الّتي تخرق سياسة الرّجل الأكبر نتنياهو وتقاطعها مع نظام صحة وسلامة الجمهور الّذي من المفترض يجب أن يكون أولوية في الاستثمار والكدّ والعمل. 

بالإضافة لهذا التسلق، وكل أصداء الصوت النشزة، يطال المعلمين حصّة من حالة التشتت قائمة وبشكل شرعي على القلق. وعوضًا عن وعود الصين بأن لا يقل متوسط مرتبات المعلمين في كلّ مدارسها، تصدر الحكومة الاسرائيلية قرارات عشوائية بإطلاق المعلمين لعطلة غير مدفوعة الأجر، مع ازدياد البطالة في قطاعات أخرى، واستغلال المحال التجارية لكل هذه الذبذبات والتدليس برفع أسعار البضائع مع تدفق الناس بشكل غير واعٍ الى المجمعات وكأنّ محميتها الاقتصادية تعزلها عن الفيروس، والتزاحم الأناني لشراء حاجياتهم -الّتي قد تكون بمعظمها استهلاكية فارغة مقابل احتمال انتقال العدوى في ظلّ هذا الإغفال والتهاون والتراخي على المستوى الصحي-. ولا شكّ أنّه وفي ظل الصراع القائم ستتحمل الطبقة الفقيرة وزر كل هذه الإجراءات والتدابير التي قد تبدو مهمة واستثنائية الا انها عادية بل أقل من مستوى تعامل الصين في ظروف أكثر سوءًا. 

ووجب التنويه بأن الدولة المختارة الّتي تنشغل كغيرها بضمان ربحها وتكريس استغلالها، تنتهك كلّ معايير الضمان الاجتماعي للعمّال من أجل الظهور بحلّة التماسك أمام واجهة الاقتصاد العالمي، ونظرًا لأنّ العرب ذوو الوزن الأكبر لتواجدهم بنسبة لا يستهان بها تحت خط الفقر فإنّ هذا العبء سيتقاسمونه طوال الأسابيع المقبلة بترقب وذعر، ومنهم العمّال أو أصحاب "الأيدي البسيطة الرخيصة" الذين يعملون بقطاعات لا يتعهد لهم أحد فيها بتحصيل حقوقهم وتعويضهم، بعد خروجهم إلى عطلة غير مدفوعة الأجر ممّا قد يوغلهم إلى حالة اقتصادية مفقرة واجتماعية مشظية تغلي من تركيب الصراع الطبقي وتحتجزهم تحت جور البطالة.

هذه السياسة الاعتيادية متمثلةً بزعيمها العنصري والمحرض نتنياهو، والتي تنكرت للعرب في معارك انتخابية سابقة لا يمكن عزلها عن السياق الحالي، ضمن وجود جنود حقيقيين من الطبيبات والأطباء والممرضين/ات العرب يضعون ذواتهم تحت طائلة المسؤولية الإنسانية والأخلاقية والمهنية في الصفوف الأولى لمنح المصابين كلّ العلاجات الممكنة، هؤلاء العرب الأوائل في أقسام عملهم الذين أحدثوا ثورةً في معقل الفاشية، هم الذين حاول أن يتلاعب عليهم نتنياهو قبل الانتخابات الأخيرة في آذار مستجديًا لابتلاع صوتهم، والذين سرعان ما أذاب صوتهم في حساباته الصبيانية. حضور كل هذه الطواقم هو الرّد الحتمي الذي يحمي النهضة السلوكية الإنسانية رغم نوايا تأبيد الاحتلال وانتهاج العنصرية والتحريض.

أخيرًا، لقد قال العلم والمعلم توفيق زياد في السياسة: "صحيح اننا لسنا أفضل شعب ولكن ليس هنالك شعب أفضل منا" فلمَ لا نمتثل لقوله اجتماعيًا وانسانيًا وأمميًّا؟!  يجب ان تربي هذه الأزمة المجتمعات كلّها كيف ينبغي أن نخلق حاضنة أخلاقية سليمة، بتصويب القيم النبيلة التي مدتنا بها الصين كمثال يحتذى به من أجل رافعة إنسانية حاضرة في وجدان الشعوب وأولها نحن.هذا مطلب ساعتنا التعيسة اليوم، وهذا ما يستوجب فعله دون هوادة أو تردد للمحافظة على ما تبقى من بشريتنا مع المساهمة في جعل هذه التجربة أساسًا للتكافل والتضامن العالمي مع كلّ القضايا الإنسانية، نازحين بإرادة قصوى الى صفوف الاشتراكية.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب