news
ملحق الجمعة

النكبة ما بين تهليلة وقصة للأطفال| د. رلى حامد – أونيل

في المقالين السابقين كتبت عن النكبة وأهمية الذاكرة الفردية والجماعية، ومدى أثر الصدمة وعمقها. سوف أتطرق في مقالي هذا إلى الترجمة الثقافية للنكبة كوسيلة للتعبير عن مشاعر جيل النكبة تجاه تجاربهم وذكرياتهم بأدوات وآليات يتقنوها، هي وسيلة للتعبير عن الألم، الشجاعة، والصمود. كما وأن الترجمة الثقافية والإبداعية للنكبة هي وسيلة لنقل صور حياة ما قبل النكبة للأجيال التي لم تعاصرها، يتم بها نقل صور عن الحياة الاقتصادية، الثقافية، السياسية والتاريخية، لتعطي هذه الأجيال الشعور بالانتماء لهذه الأرض وتجارب أهاليهم.

لن أتطرق هنا إلى العمل الابداعي الذي يحطه شعراؤنا، كتابنا ومبدعينا المعروفين والمعروفات، إنّما إلى الناس "العاديين"، خاصة النساء، واستعمال ثروتهم اللغوية للتعبير عن حزنهم، اشتياقهم للأهل والأرض، وأمنياتهم بالعودة إلى أرضهم. إنها قصص شخصية تختزل مسيرة عمر ومشقة جيل لم يهاون ولم ينكسر إنّما أصر على البقاء في أرضه وموطنه. وقد أكد وديع عواودة في مقالته "كي لا نفقد الذاكرة" (مجلة جدل، مركز مدى الكرمل، 2014) على أهمية الرواية الشفوية الفلسطينية والذاكرة الشخصية لحفظ الهوية الفلسطينية في البلد، إذ أننا أقلية قومية تعيش في "بطن حوت يبتلع كثيرًا من ذاكرتهم الجماعية ويشوه هويتهم الوطنية"، خاصة وأن 70% من الفلسطينيين مواطني دولة إسرائيل هم من فئة الشباب التي لا تتراوح أعمارهم الثلاثين عامًا. هذا الجيل حرم من الكثير من التراث الثقافي لأجداده وأيضا "تحاك له كل يوم مخططات ممنهجة ابتغاء صياغة هوية بديلة هي هوية العربي – الإسرائيلي" (عواودة، 2014، ص 2).

 

أغلب أجدادنا وجداتنا واظبوا على الحديث عن النكبة، إذ كان عندهم شعور بدور يجب أن يقوموا به، ورسالة يجب إيصالها وتوريثها لمن بعدهم. فتنتقل هذه الروايات والحكايات من حكاية ما قبل النوم لتهليلة طفل، أو بواسطة شعر شعبي يقوموا بزجله للتعبير عن حالتهم العاطفية سواء كان شجن وحنين أو ألم وفراق، أو صمود وبقاء.

 الزجل والتهليلة – وسيلة تعبير عن معاناة:

لا شك بأن لدور الأمهات والجدات أهمية كبيرة في نقل الرواية الفلسطينية، نقل حكايات القرى، العائلة، الحياة اليومية وغيره.  إنها وسيلتهن لخلق ثقافة الانتماء، ووعي تجاه ظلم تاريخي ووطني.  وقد أكد دكتور مصلح كناعنة في كتابه بالإنجليزية "موسيقى وأغاني فلسطينية – التعبير والمقاومة منذ 1990" (2013) بأنه في الحالة الاستعمارية فإن "المستعمر يغني انتصاره، بينما الذي يقع تحت الاستعمار فإنه يغني أمله وأمنياته في الانتصار" (ص 1). إذ تقوم كل مجموعة باستخدام الأدوات الثقافية المتاحة لها لوصف، تعبير وتحليل حالتها   ووضعها التاريخي، السياسي والاجتماعي. وأضاف كناعنة بأنه من الممكن "قراءة التاريخ عبر الموسيقى" (ص 2). وقد أكدت لي هذا أم غازي كيال عند مقابلتي لها في بيتها من خلال مؤلفاتها الزجلية التي تعبر بها عن شوقها لبلدها البروة وأرضها، رغم أنها لم تتعلم إلا أنها وجدت في الزجل والغناء الشعبي وسيلة لإيصال قصتها ورسالتها لأولادها وأحفادها، كقولها عن محبتها للبروة:

مسكين اللي ترك دارو وبنى بيت

وأنا بصرخ بأعلى صوت

الوطن أغلى من الذهب

أو تعبيرها عن زيارتها للبروة وحنينها لأيام ما قبل النكبة:

رحنا على البروة زوار

والطريق كله حجار

واشتقنا لباب الدار

والقعدة مع الجيران

 

أما سلمى (اسم مستعار) فقد عبرت عن معاناتها ما بعد النكبة بقولها:

مضت لنا أيام يا أبو زيد ما أحلاها

وأيام البيضا فاتتنا وفتناها

وأيامنا السود همنا الحقناها

يا غربتنا في بلاد الناس ظلمتنا

ويا لمة الحي شملتنا

ويا طلعتنا من بلادنا يا طلعة سودا

ويا رجوعنا ع بلادنا ما إلها عوده

 

أما "الشامية" صبحية مجلي (أم سمير) التي استقرت في الناصرة بعد تهجيرها وزوجها من عرب الصقر وبيسان، فقد كانت تهلل لآخر يوم في حياتها تهاليل تصف بها حنينها وشوقها لأهلها وإخوتها الذين عادوا إلى وطنهم الأم سوريا بعد النكبة، وبقيت في فلسطين وحيدة مع زوجها بدون أخ أو أخت... إذ قالت:

يا موج البحر .. خذنا عند البابا .. إلنا مدة ما شفناه

أو منادتها للقمر لإيصال تحية ومحبة و"يا قمر سلم على تيتا وانت رايح عندهم .. شايفينك .. سلم عليهم"

 

إن التهاليل والزجل أعلاه جاءت لتعبر عن حالة وقصص جيل تم انتزاعه من أرضه وتفريقه عن عائلته بقوة السلاح، إلا أن المنتصر لم يستطع انتزاع الوطن والانتماء من داخل شعب أصر على البقاء ورفض دور الضحية رغم المأساة الشخصية الفردية والجماعية.

 النكبة – حكاية ما قبل النوم:

إن لرواية القصة أهمية كبيرة في الحفاظ على الهوية الشخصية، كما ولها أهمية وطنية وثقافية. إذ أن القصة الشخصية لها أهمية في زرع روح الانتماء، ومن خلال المقابلات التي قمت بإجرائها مع مهجرات الداخل في منطقتي الناصرة وعكا، فقد أجمعن جميعهن على أهمية الحديث ومشاركة قصصهن مع أبنائهن وأحفادهن خاصة. منهن من سرد القصة بشكل "قصة ما قبل النوم" لابن أو حفيد، وهذا ما ذكره المخرج السينمائي الفلسطيني نزار حسن إذ أكد على دور أمه في إخباره وإخوته قصة النكبة كقصة ما قبل النوم، وهذا ما أعطاه فكرة فيلم "أسطورة" (1998). هذا يؤكد على أهمية خاصة تعطى إلى الأمهات والجدات ودورهن كراويات يوثقن التاريخ، النكبة والصدمة، فمن خلال الذكريات والقصص الخاصة والفردية استطعن وساهمن في صقل هوية وانتماء الخاص والعام لشعبنا أجمع. كما وأن قصصهن تقوم بوصف الوظائف الاجتماعية اليومية للأعمال التي كن يقُمن بها، معاناتهن، ودور هذه المعاناة في بناء هوياتهن ومشاعرهن.

لقد جعلت النكبة من بيوتنا وتجاربنا "مصانع" لسرد قصص، أغاني شعبية وزجل، وغيرها من آليات لنقل الذاكرة عبر الأجيال والوقت. إن لجميع الوسائل الثقافية أهمية كبيرة بنقل صور مأساة نكبتنا للأجيال القادمة، خاصة في حالتنا كأقلية قومية في إسرائيل وفي ظل جهاز تعليم مسيس يهدف إلى صنع "عربي جيد" يدرس تاريخ اليهود ولا يتم تدريسه تاريخ شعبه. لذلك تم استهداف كتابنا وشعرائنا وفنانينا لخوف المستعمر من الدور الذي تقوم به هذه الفئة ودور وتأثير إنتاجهم علينا. كما وأن المبدعين والمبدعات يقومون بالتعبير عن التغييرات التي حصلت لشعبنا منذ النكبة بطرق سلسة وقريبة من الفرد، بعيدا عن الخطابات السياسية العامة.

 

جامعة كورك – إيرلندا

الصورة: عمل للفنان نضال خيري

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب