// د. خليل اندراوس

 

لقد عانت دول امريكا اللاتينية وعلى مدى قرون طويلة من التدخل الاقتصادي والسياسي والعسكري في شؤون دولها وفرض سياسات خاصة على قيادات هذه الدول تخدم مصالح رأس المال الامريكي المالي والنفطي وتخدم مصالح شركات صناعة السلاح الامريكي على حساب تطور ورخاء شعوب امريكا الجنوبية التي تعاني من البطالة والفقر والعنف وتجارة المخدرات ولذلك تنامت في هذه الدول مشاعر معادية للولايات المتحدة ووجود الادارة الحالية اليمينية المتطرفة برئاسة المأفون ترامب وسياساته التي تأخذ بسياسات حكام اسرائيل العنصرية الشوفينية والتي تمزق جسد فلسطين من خلال الاستيطان الكولونيالي واستمرار الاحتلال وبناء الجدار العنصري العازل خارقا حدود 1967 والتخطيط لبناء جدار عازل حول قطاع غزة وكأن الحصار غير كاف، كمثل يحتذى به يعمق معاداة شعوب امريكا اللاتينية ضد الادارة الامريكية وسياسات طبقة رأس المال الحاكمة في الولايات المتحدة.

وترجع العلاقات المتوترة بين نصفي القارة الامريكية الى عام 1823 عندما اطلق الرئيس الامريكي جيمس مونرو مبدأه الشهير الذي سعت واشنطن من خلاله لادخال سائر البلدان الواقعة في الجنوب تحت سيطرتها، وهذا ما تحاول الولايات المتحدة ان تمارسه الآن تجاه دولة فنزويلا في الوقت الراهن، فنزويلا هي دولة تقع على الساحل الشمالي لامريكا الجنوبية، تغطي اراضي فنزويلا مساحة تقدر بنحو 916.445 كيلومترا مربعا (353.841 ميلا مربعا) ويقدر عدد سكانها بحوالي 29.100.000 نسمة. تعتبر فنزويلا دولة ذات تنوع بيولوجي شديد للغاية فهي تضم مناطق بيئية عديدة ومتنوعة تبدأ من جبال الانديز في الغرب لتصل الى حوض غابات الامازون في الجنوب، مارة عبر سهول يانوس الواسعة وساحل الكاريبي في الوسط ودلتا نهر اورينوكو في شرق البلاد. في عام 1522 سقطت فنزويلا تحت الاحتلال الاسباني رغم مقاومة الشعوب الاصلية ولكنها اصبحت واحدة من اولى المستعمرات الامريكية الاسبانية التي اعلنت عن الاستقلال في عام 1811، ومع ذلك لم يصبح امر الاستقلال راسخا ومستقرا حتى عام 1821 م.

كما حصلت فنزويلا على الاستقلال الكامل في عام 1830 كقسم من جمهورية كولومبيا الكبرى الاتحادية ، خلال القرن التاسع عشر عانت فنزويلا من الاضطراب السياسي والدكتاتورية وسيطر عليها مجموعة من الكوديللو الاقليميين (وهم زعماء عسكريون اقوياء مطلقون) لفترة طويلة تصل حتى القرن العشرين وقد وصلت حكومات دمقراطية الى الحكم في فنزويلا منذ عام 1958، ولكن سبق ذلك فترة عانت فيها فنزويلا من بعض الانقلابات والدكتاتوريات العسكرية، مثل معظم بلدان امريكا اللاتينية وقد ادت الصدمات الاقتصادية في الثمانينيات والتسعينيات الى ازمة سياسية تسببت في مقتل مئات الاشخاص في اعمال العنف التي سميت بكاراكازو (ضربة كركاس) في عام 1989. ويعتقد ان اسم فنزويلا جاء من امريكو فسبوتشي ومعه الونسو دي اوخيدا عندما قادا الحملة البحرية عام 1499 عبر الساحل الشمالي الغربي لخليج فنزويلا. وعندما بلغوا شبه جزيرة جواجيرا لاحظوا القرى(البلافيتوس) المقامة والمبنية (التي شيدها الناس) على الماء. وذكر هذا فسبوتشي بمدينة البندقية (فينيتزيا) بايطاليا (او بالايطالية: فينزيا) ولذلك اسمى المنطقة باسم فنزوولا ومعناها فينيسيا الصغيرة، أي تصغير فينيسيا بالايطالية. هوغو شافيز اصبح رئيس فنزويلا من خلال انتخابات دمقراطية في الفترة من 1999 وحتى وفاته عام 2013، وهنا لا بد وان نذكر الشخصية التاريخية سيمون بوليفار العسكري والسياسي الفنزويلي في فترة ما قبل الجمهورية فقد ولد في كاراكاس عاصمة فنزويلا في 24 يوليو 1783، وهو مؤسس ورئيس كولومبيا الكبرى وواحد من ابرز الشخصيات التي لعبت دورا هاما في تحرير الكثير من دول امريكا اللاتينية التي وقعت تحت طائلة الامبراطورية الاسبانية منذ القرن السادس عشر مثل كولومبيا وفنزويلا والاكوادور وبيرو وبوليفيا وبنما.

بعد هذه المعلومات العامة عن فنزويلا، نعود لبحث السياسة الامريكية محور الشر، ضد شعوب امريكا اللاتينية فمنذ بضعة عقود من الزمن وامريكا اللاتينية تحت مرصاد القتلة المحترفين والمتآمرين، من وكالة المخابرات المركزية وسياسات الحصار الاقتصادي ضد كل دولة لا تقبل بالهيمنة الامريكية المطلقة على هذه الدولة او تلك، ويرتبط النشاط الاجرامي للاجهزة الخاصة الامريكية ضد شعوب امريكا اللاتينية بان بلدان هذه القارة تعتبر منذ زمن بعيد موضع اهتمام خاص من الرأسمال الاحتكاري الامريكي الذي يحصل على ارباح هائلة من نهب ثرواتها الطبيعية بلا رحمة واستغلال كادحيها بلا شفقة، وهذا ما تريده امريكا من فنزويلا وخاصة نهب ثرواتها النفطية وبالنسبة للولايات المتحدة هذا الامر أي نهب النفط الفنزويلي يعتبر في النهاية مسألة امن وطني ولذلك نرى الولايات المتحدة ليس فقط تتدخل بالشؤون الداخلية لفنزويلا بل تهدد بتوسيع مستوى التورط العسكري غير المباشر والمباشر، ولذلك نرى بعض الضباط الفنزويليين المتآمرين يعلنون انشقاقهم عن مادورو وولائهم للعميل الامريكي غوايدو الذي ينسق سياساته وتآمره مع المخابرات المركزية الامريكية ومع ادارة المأفون ترامب. الاحتكارات الرأسمالية الامريكية تعتبر امريكا اللاتينية ملحقا لها تستأثر بجزء كبير من انتاجها الوطني الاجمالي وجزء كبير من عائدات التصدير، وتزداد توظيفات رأسمال الولايات المتحدة المباشرة في اقتصاد بلدان امريكا اللاتينية عاما بعد عام فمثلا بلغت في عام 1973 وفق المعطيات 16.4 مليار دولار ووصلت عام 1975 الى رقم هائل وهو 22.2 مليار دولار وهي بازدياد مطرد في الوقت الحاضر.

ولا تتورع الولايات المتحدة عن أي وسيلة لاقامة نظام في قارة امريكا اللاتينية يضمن الى درجة قصوى مصالح الاحتكارات ويتيح امكانيات غير محدودة لزيادة توسع الولايات المتحدة الاقتصادي واي دولة تخالف هذا النهج وهذه السياسة مثل فنزويلا الآن، تمارس ضدها كل اساليب التآمر والتدخل والحصار الاقتصادي. ولقد بينت الخبرة التاريخية ان الشكل الامثل لبناء الدولة في امريكا اللاتينية هو من وجهة نظر واشنطن انظمة الدمى الدكتاتورية التي تسير بطاعة عمياء في ركاب الاستراتيجية الامريكية في العالم والتي تعتمد على اجهزة قمعية قوية مبنية ومكونة وممولة من قبل الولايات المتحدة – محور الشر في امريكا اللاتينية لا بل في العالم اجمع، وهذا ما تريد ان تفعله في فنزويلا من خلال توجهها للجيش الفنزويلي مطالبته بالتمرد ضد الرئيس المنتخب دمقراطيا مادورو، وعبر عقود عديدة وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وبداية سياسة "الحرب الباردة" التي مارستها الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي سابقا وضد روسيا والصين الآن لا يقتصر استراتيجيو واشنن استراتيجيو رأس المال المالي والعسكري وشركات النفط على ابداء المساندة الشاملة لما هو موجود من انظمة دكتاتورية فعلا في بلدان امريكا اللاتينية بل ويترصدون كذلك لحركات التحرر الوطني التي تستخدم الولايات المتحدة الامريكية ضدها في المنطقة - أي في امريكا الجنوبية كل ما في حوزتها من وسائل، واكبر مثل على ذلك سياسات امريكا العدائية ضد كوبا، وقتل تشي جيفارا، وتشيلي والآن فنزويلا ليس فقط في فترة حكم مادورو لا بل ايضا زمن رئاسة هوغو شافيز الذي كان يرى بجمال عبد الناصر مثله الاعلى، وهذه السياسات لواشنطن ضد دول امريكا اللاتينية المناهضة للهيمنة الامريكية تبدأ بالضغط الاقتصادي والتخويف ومساعدة القوى الرجعية بالاسلحة وهذا ما ارادت فعله الآن في فنزويلا من خلال تهريب كميات كبيرة من الاسلحة لصالح المتآمرين على الرئيس مادورو المنتخب دمقراطيا والرافض لهيمنة رأس المال النفطي الامريكي وتنتهي بالقيام بالعمليات السرية على ايدي المرتزقة وعملاء المخابرات المركزية وحتى التدخل المسلح المباشر الذي مارسته الولايات المتحدة في الماضي في بنما وتشيلي وغيرها من دول امريكا اللاتينية والذي تهدد به الآن ضد فنزويلا أي التدخل العسكري المباشر.

ما من شك في ان اهم العمليات التخريبية لوكالة المخابرات المركزية في امريكا اللاتينية كانت اشتراكها النشيط في اعداد وتنفيذ الانقلاب العسكري الفاشي في التشيلي وقد كتب السياسي ورجل المجتمع البارز في التشيلي اورلاندو ليتيلير بعد الانقلاب يفضح الاهداف الحقيقية للولايات المتحدة!

"بعد الزيارة التي قام بها وليم سايمون (وزير المالية الامريكي السابق) لتشيلي والتي بحث فيها مسائل خرق الحكومة العسكرية لحقوق الانسان، هنأ بينوشيت باقرار "الحريات الاقتصادية" للشعب التشيلي وهذه نظرية شديدة الملاءمة لنظام اجتماعي تتعايش فيه "الحريات الاقتصادية" والارهاب السياسي بدون ان يعيق احدهما الآخر.. الا ان من المنطق تماما ان من يطبق "حريات اقتصادية" غير محدودة يجب ان يتحمل مسؤولية ارتباط هذه السياسة بشكل وثيق بالتنكيلات الجماهيرية والجوع والبطالة وتشديد سياسة الدولة البوليسية". وهنا اذكّر بتاريخ تشيلي حيث جرت انتخابات دمقراطية بتاريخ 4 ايلول عام 1970 فاز فيها المناضل سلفادور اليندي مرشح حلف الوحدة الشعبية وكان وصول حكومة ائتلاف احزاب اليسار الى السلطة مثالا ساطعا على امكانية الظفر بالسلطة السياسية بنجاح بالطريقة الدمقراطية، واشار الشيوعيون التشيليون الى ان "انتصار شعب تشيلي في عام 1970 كان ذروة مرحلة متوترة من المعارك الجماهيرية في كل جبهات النضال الاجتماعي ولم يكن هذا الانتصار ممكن التحقيق الا بفضل تلاحم الحركة الشعبية على اساس خط سياسي حدد طابع الثورة التشيلية. وقد اشير الى الاعداء الرئيسيين بدقة، فهم الامبريالية وطغمة الاحتكاريين والملاكين العقاريين وكان ذلك تجاه الضربة الرئيسية، وكونت الطبقة العاملة جبهة اجتماعية سياسية هي الوحدة الشعبية وبهذا بدأت الحركة الشعبية التحولات في المجتمع التشيلي في ظروف صراع حاد من اجل السلطة مع الطبقات المسيطرة السابقة" (ر. كاستيليو. عِبر وآفاق الثورة في تشيلي براغ عام 1974). وهذا ما فعله هوغو شافيز رئيس فنزويلا الواحد بعد الستين والذي صار رئيسا للبلاد في 2 فبراير/شباط عام 1999، عرف بحكومته ذات السلطة الدمقراطية الاشتراكية واشتهر لمناداته بتكامل امريكا اللاتينية السياسي والاقتصادي مع معاداته للامبريالية وانتقاده الحاد لأنصار العولمة الامبريالية وللسياسة الخارجية للولايات المتحدة الامريكية وهذا ما يتبناه وينادي به ويمارسه الرئيس الحالي لفنزويلا مادورو، ولذلك تعمل الولايات المتحدة بكل الوسائل الاعلامية والاقتصادية والسياسية والمؤامرات من اجل الاطاحة به، هكذا يجب ان نفهم وندرس وندعم الثورة في فنزويلا الآن.

لذلك علينا ان نرفض تدخل الولايات المتحدة بشؤون فنزويلا الداخلية، والحل فقط من خلال الحوار بين القوى السياسية الفاعلة داخل فنزويلا ومن خلال انتخابات دمقراطية، ورغم الازمة الاقتصادية التي تعاني منها فنزويلا بسبب الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة ضد فنزويلا فما زال الشعب في فنزويلا يدعم ويظهر تعلقه برئيس البلاد المنتخب دمقراطيا نيكولاس مادورو. وهنا لا بد ان اُذكر البعض بان ما نشهده في فنزويلا الآن عبارة عن تطبيق امبريالي امريكي لنموذج ايصال البلاد الى حال من العزلة والحصار والمجاعة تمهيدا للانقضاض عليها سياسيا واقتصاديا وحتى عسكريا وهو ما سبق وتكرر ما يشبهه في كل من العراق وليبيا واليمن وسوريا، وهنا اذكر بان ايفو موراليس رئيس بوليفيا قاطع اسرائيل واعترف بفلسطين ومادورو رئيس فنزويلا الحالي يصرح بان دعمه للقضايا العربية مطلق والقضية الفلسطينية في مقدمتها، في حين نشاهد بعض انظمة الفساد والرجعية العربية تسعى الى التطبيع مع اسرائيل. يا للعار!! وما تسعى اليه الولايات المتحدة هو اعتبار فنزويلا بأنها لم تعد كما ايران دولة مارقة في القاموس الامريكي الصهيوني – محور الشر – بل قضية امن استراتيجي تستدعي عملا مكثفا على مدار سنوات وتوظيف كل القتلة الاقتصاديين والارهابيين لتحويلها من دولة مارقة الى دولة فاشلة.

(يتبع)

إعلانات

;