شاركت يوم الجمعة الماضي الرفاق من الناصرة ومن باقي فروع الحزب الشيوعي بالذكرى الخامسة والعشرين لهذا الرفيق القائد توفيق زياد. وخلال جلوسي في القاعة وأنا أسمع الكلمات التي ألقيت والفيلم الذي استعرض مقاطع هامة من حياة هذا الرفيق المليئة بالأدوار الكفاحية والنضالية الواسعة التي جابهها في حياته منذ مراحل شبابه الأولى حتى رحيله غير المتوقع، والذي وقع علينا نحن رفاق الحزب بشكل خاص كالصاعقة، الحقيقة أنني لم أكن مركزا أفكاري بكل ما يجري في القاعة بل عادت بي الذاكرة الى أول مرة عرفت وسمعت بها توفيق زياد..

كان ذلك في أواخر نيسان في سنة 1954، حيث جرى إضراب شامل في مدرسة عرابة البطوف ضد الضريبة المجحفة المفروضة على الجماهير العربية في تلك المرحلة والمسماة بضريبة الرأس. وكان هذا الإضراب الذي بادر إليه فرع الحزب الشيوعي في عرابة وبالاعتماد على أعضاء الشبيبة الشيوعية الذين كانوا يتعلمون في هذه المدرسة، وجرى هذا الإضراب في تاريخ 9 آذار 1954 والذي في أعقابه جرى اعتقال أربعة رفاق من قيادة فرع الحزب الشيوعي في عرابة لمدة أكثر من شهر، ولكن عند خروجهم من المعتقل عرجوا في طريقهم على مركز منطقة الناصرة للحزب الشيوعي وهناك طلبوا من قيادة المنطقة ان يرافقهم أحد الرفاق من قيادة المنطقة، من أجل عقد اجتماع شعبي في عرابة والهدف منه هو رفع معنويات الجماهير في عرابة بعد أن فرضت السلطة جوا من الإرهاب هناك بعد هذا الإضراب التاريخي. وكان الرفيق الذي انتدب من قبل الحزب لهذه المهمة الرفيق توفيق زياد وجاء مع الرفاق الذين كانوا معتقلين، وعقد اجتماعا شعبيا واسعا حيث تكلم فيه بالإضافة إلى أحد الرفاق المحليين الرفيق توفيق زياد الذي ألهب الجماهير في كلمته الشجاعة والمؤثرة، وكانت عمليا هذه اول مرة اتعرّف بها على الرفيق أبو الأمين.

في طريق عودته من عرابة الى الناصرة كانت قد اعترضت طريقه الشرطة على مفرق مسكنة (المعروف اليوم بمفرق "جولاني") ومن هناك أعتقل وأخذ الى مركز شرطة طبريا السيئ الصيت وهناك عمليا جرى تعذيبه بشكل وحشي وصلبوه ولم يبق وسيلة له للدفاع عن نفسه الا بصاقه في وجه جلاديه. وبالرغم من اعتقاله التعسفي وتعذيبه الهمجي الا انهم قدموه هو لمحكمة عسكرية في عكا. ولقد كان هناك في المعتقل بطبريا شاب يهودي ذو ضمير انساني كان قد رأى الأسلوب الهمجي الذي استعملته الشرطة مع الرفيق توفيق زياد، قال للرفيق انا رأيت كل شيء وانا مستعد للشهادة معك ضدهم، وفعلا خلال محاكمة الرفيق توفيق جاء وقدم شهادته التي كانت ضد رجال شرطة طبريا وكانت قد جرت عدة جلسات لهذه المحكمة. وفي الوقت الذي كانت تجري محاكمة الرفيق توفيق كانت أيضا تجري محاكمة ثلاثة رفاق من عرابة وهم إبراهيم شكري شمشوم وسليم كناعنة وطيب الذكر محمد شاكر خطيب. وهؤلاء هم الذين كانوا معتقلين والذين حضروا مع الرفيق توفيق لعقد الاجتماع الشعبي في عرابة.  وكنت في حالات كثيرة احضر هذه المحاكمات في عكا، وفي احدى المرات بعد ان خرجنا من المحكمة ذهبنا جميعا لزيارة مسجد الجزار كأثر تاريخي هام. وخلال زيارتنا هذه اردت ان امزح مع الرفيق توفيق زياد وقلت له "عندكو من هالشكل" فضحك الرفيق توفيق ضحكته المعهودة وقال لي "مني مثلي مثلك".

بعد عدة جلسات صورية في المحكمة العسكرية حُكم على الرفيق توفيق زياد بإثبات الوجود لمدة ستة أشهر مرتين في اليوم في مركز شرطة الناصرة.

وللذكرى والتاريخ ان هناك أيضا ثلاثة رفاق كانوا يزورون فرع عرابة، ومن اجل منعهم من زيارة عرابة حُكم عليهم بأمر عسكري بإثبات الوجود مرتين يوميا في مركز شرطة الناصرة لمدة ستة أشهر، وهم الرفاق طيبو الذكر فؤاد خوري وسليم القاسم ومنعم جرجورة، وهذا كله بسبب فرع عرابة. ومن المهم ذكره ان هذا النضال الهام قد حقق إنجازا هاما لجماهيرنا، حيث ألغيت عنها هذه الضريبة المجحفة.

 

بعد ما سمعنا ما قاله الرفيق توفيق وعرفنا ما يجري في داخل قاعة البلدية تأهب أعضاء الشبيبة الشيوعية لاستقبال الرؤساء المعارضين للإضراب الاستقبال الذي يليق بهم، وبعد خروجهم كانت المجابهة معهم ومع الشرطة في ذلك اليوم، وعرف الرفاق ان هناك بعض الرؤساء الذين حاولوا التمادي على الرفيق توفيق ولكنهم لاقوا من يصدّهم في داخل القاعة أيضا...

 

اللقاء الثاني الطويل الذي كان لي مع الرفيق توفيق زيّاد كان في سجن الدامون بعد انتفاضة أيار 1958 التاريخية، حيث حُكم على الرفيق توفيق زياد ستة أشهر سجن قضيناها سويا في غرفة واحدة مع عدد من الرفاق من الناصرة وام الفحم والمغار. وكان الرفيق توفيق خلال فترة سجنه يعطينا المحاضرات الفكرية والبيانات السياسية في المناسبات المختلفة، وبعد خروج الرفيق توفيق من السجن تحمّل هذه المسؤولية الرفيق محمود الحصري أبو العفو. ولكني أتذكر حادثة جرت مع الرفيق توفيق، حيث كنا عائدين من العمل وكان دائما أحد العساكر يقرأ اسماءنا وعندما قرأ اسم الرفيق توفيق أجاب بكلمة "أيوا" فما كان من هذا العسكري الا ان يرد على ابي الأمين بكلمة "أيوا في رأسك" فأجابه على الفور الرفيق توفيق "في رأسك انت اذا كنت لا تفهم اللغة العربية، فتعال عندي لأعلمك اللغة العربية". وكان هذا الموقف الشجاع درسا هاما لي في الجرأة والتحدي. عن السجن هناك عدة قصائد هامة جدا أبدعها الرفيق توفيق زياد أذكر منها قصيدته "من وراء القضبان" التي يقول في مطلعها:

"ألقوا القيود على القيود

فالقيد أوهى من زنودي

لي مِن هوى شعبي

ومن حب الكفاح

ومن صمودي عزم

تسعر في دمي

نارا على الخطب الشديد"

 

ويسترسل بها طويلا وكانت هذه خلال اعتقاله قبل محاكمته في سجن الرملة في أيار 1958 وقبل ان يصل الى سجن الدامون، هذا بالإضافة الى قصيدته الشهيرة "سمر في السجن" وهذه القصائد موجودة في ديوانه "أشد على أياديكم".

لقد عرفت في الرفيق توفيق زياد الانسان أولا والمناضل الجريء والمكافح المثابر الى أقصى حد، والخطيب المميز والملهب للجماهير في خطاباته الجريئة.

لقد كنت أيضا مع الرفيق توفيق زياد في 25 آذار 1976 وهو في داخل بلدية شفاعمرو وانا مع أعضاء الشبيبة الشيوعية في الخارج ننتظر نتائج اجتماع رؤساء السلطات المحلية والبلدية العرب، والذي ارادت السلطة الحاكمة اتخاذ قرار ضد الاضراب في الثلاثين من آذار. وكان الرفيق يعرف جيدا نبض ونفسية الجماهير في الخارج وبعد ان رأى ان الأكثرية المطلقة من الرؤساء هم ضد الاضراب قال مقولته الشهيرة "ان الشعب هو الذي قرر الاضراب وليس انتم".

وبعد ما سمعنا ما قاله الرفيق توفيق وعرفنا ما يجري في داخل قاعة البلدية تأهب أعضاء الشبيبة الشيوعية لاستقبال الرؤساء المعارضين للإضراب الاستقبال الذي يليق بهم، وبعد خروجهم كانت المجابهة معهم ومع الشرطة في ذلك اليوم، وعرف الرفاق ان هناك بعض الرؤساء الذين حاولوا التمادي على الرفيق توفيق ولكنهم لاقوا من يصدّهم في داخل القاعة أيضا.

في ذلك الوقت أيضا جرى قلب سيارات بعض الرؤساء الذين حاولوا التمادي على الرفيق توفيق، وهناك البعض منهم من أحرقت سياراتهم وبعدها كان يوم الأرض الخالد الذي أصبح يوما تاريخيا نضاليا هاما في تاريخ جماهيرنا العربية في هذه البلاد.

لقد عرفت دائما مبدئية الرفيق توفيق زياد وبشكل خاص في الازمات التي كانت تواجه الحزب وبرزت بشكل خاص في أصعب المراحل أي مرحلة انهيار المعسكر الاشتراكي، حيث تراجع عدد من الرفاق المسؤولين في تلك المرحلة فكان رد الرفيق توفيق المفحم والمبدئي الى اقصى الحدود لمثل هؤلاء في ملحمته الشهيرة "الندابة" هذه الملحمة المكوّنة من ثلاث عشرة قصيدة والتي يقول في اول قصيدة من هذه الملحمة والتي هي بعنوان "عن الزمان الصعب":

"في الزمان الصعب ينمو الشك

والريبة تزداد

وتستشري الظنون

وعلى اعقابه ينكس مرتدا

ضعيف العزم والايمان

نحو اللا يقين"

 

ويقول في مقطع آخر في نفس القصيدة:

"ولدى البعض يصير المسلك الشهم

وحفظ الودّ والإخلاص للمبدأ

شيئا كالنقيصة ويصاب بعمى الألوان"

 

إن هذه الملحمة المكونة من ثلاث عشرة قصيدة يناقش ويفضح بها الذين ارتّدوا بعد الازمة التي عصفت بالعالم الاشتراكي في تلك المرحلة. وبهذه المناسبة انصح الرفاق الشباب بقراءة هذه الملحمة التاريخية الهامة للرفيق توفيق زياد والموجودة في ديوانه الشهير "انا من هذه المدينة" والتي كُتبت في نيسان وايار 1991.

إن هذه الملحمة هي في الواقع دليل العمق الفكري والايمان الذي لا يهتز في المبادئ والطريق التي اختارها الرفيق وعمل بكل قوة وثقة وايمان من اجل تطويرها وانتصارها طريق حزبنا الشيوعي، طريق الكفاح المتواصل والمسؤول من اجل مصلحة جماهيرنا العربية في هذه البلاد، ومن اجل مصلحة كل المظلومين والجماهير الكادحة التي كان وما زال الحزب الشيوعي يُعتبر درعها الواقي في كل الظروف الصعبة التي تواجهه هذه الجماهير المضطهدة، ليس في بلادنا فقط بل في العالم اجمع.

هناك أيضا مقولة هامة للرفيق توفيق زياد التي يقول فيها "ديرو بالكو على بعض"، انني اذكر انها قيلت في مرحلة اهتزاز القناعات لبعض الرفاق. وكان الهدف منها كما فهمته في تلك المرحلة حيث أراد ان يقول لنا عززوا وحدتكم الكفاحية وحافظوا على حزبنا الشيوعي، لأنه كان وما زال هو البوصلة لجماهيرنا وهو القادر دائما على قيادة هذه الجماهير والمحافظة عليها وعلى بقائها وترسخها في وطنها، وكما قال القائد الكبير أيضا الرفيق اميل توما "هذا الوطن الذي لا وطن لنا سواه".

وفي النهاية أقول لتبقَ ذكرى رفيقنا توفيق زياد وجميع الرفاق الأوائل الذين عبّدوا لنا الطريق الخالدة على مرّ الأجيال راسخة في اذهاننا.

 

(عرابة البطوف)

 

 

;