أَفخازيا ومدينة سوخومي في عِز جمالها، طبيعة وهدوء ونظافة. في الحديقة الواسعة، مقاعد خشبية مبعثرة، وعجائز وكهول يفتّتون الخبز ويرمونه للحمام الذي يروح يهدل ويتسابق لالتقاطه، اعناقه الزرقاء والبنيّة يتموج ريشها، ومشية الحمام فيها الكثير من الغندرة والجهْل. صبية ممشوقة بفستان اصفر طويل تدرج كاليمامة، تلتفت حولها بحذر، وكأنها تقوم بعمل عليه منع، تبيّن انها بصّارة برّاجه، تمسك شَعري وتروح تهمس كلمات تعويذة وأنا اتطلع الى عنقها وبقعة سمراء حية يانعة من صدرها، وأنفحها روبل، بصوت رخيم كالهديل وبسمة رضية ترطِن: ديدي مادْلوب، وتعني شكرا جزيلا.

في حي قديم من تفليس امرأة تسأل: محمّديان!! محمّديان!! أي مسلمون نعم محمديان ونصرانيان. وتلوح في البال ايام وتاريخ سمرقند وبخارى وسيحون وجيحون، لو يقرأ قراؤنا كتب شُجيرتي في منديل احمر، وجميلة، ومضيق الثلوج والدماء، وحكاية راع، والدم المقدّس وأرى الشمس، ورباعيات عمر الخيام وصدر الدين عيني، وصدى الحرب، والعشرات من هذا الادب الراقي، والتضحيات الجسام لأهل تلك البلاد، والصعوبات الهائلة الدموية لبناء عالم جديد، عالم الاشتراكية، وتعنّ على بالي وجبة من فطيرة الذرة الساخنة في المقلى مع الجبنة البيضاء المطيبة بالنعنع كما قرأت في كتاب أرى الشمس، تحقق ذلك في زيارة اخرى بعد سنوات، وأنا أفتش عن مزيد من هذا الادب في المكتبة الشعبية بإدارة الرفيق سهيل نصار من الناصرة.

بومضة فكر يقطع عشرات السنين، أصل الى الجليل، هذه الايام، والصباح صباح يوم خميس من هذا الشهر، شهر آب من هذا العام، نفس الصوت الناعم الرخيم الذي رمى عليّ الحُرم بعد ان اخترت لقاءها على نبع فراضه، يعود ويزرع الامل الرحب والحفاظ على سِر العلاقة، سلام وكلام ينعش النفس والروح في حرّ آب، كالنسمات الشمالية في كوكب الهوا، وشبابيك الهوا، هكذا يقول اهالي صفد العَذّية عن راس العقبة في بلدنا، من هناك نطل على بحر الجليل وقرون حطين وجبال حزور وسيخ وزيتون الرامة المبارك، في خِربة جول وسوسْيا.. وسهل كفر عنان وحومات من بلدات البطوف.

الرفاق السوفييت يقترحون على فرقتنا الدراسية، تمديد اقامتنا عدة ايام للمشاركة في احتفالات ذكرى ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى.

في القاعة الواسعة يُنشد العراقيون ومعهم كاظم وساهرة:

سالِم حزبنا، سالم حزبنا

  ما همّتُه الصدمات سالم حزبنا

واحمرْ علَمنا واحمر علَمنا

  المنجل والشاكوش واحمر علَمنا

وِشّو هامِمنا وِشّو هاممنا

  حليفنا السوفييت وشو هامِمنا

ومن امريكا اللاتينية وكوبا حلقة واسعة تغني:

غْوانتاناميرا واهيرا غونتانامير

ديوكيرو كواندو ميمويرا

تنيرا ميتوفيا اونرامو رامو

دي فلورْ سايونا بانديرا

اوروبيون من بلاد الغال والفنذال وبأصوات ناعمة طرية شذية: بانْديرا روسّا.

رشقات نشيطة من أنشودة كاتيوشا، وانسياب ناعم لأمسيات موسكو: موسكوفسكايا فيتْنشيرام.

أحلم بسماع اغنية: يا صقيع الشمال ارْأف بحالي.

ومقطوعة منغمة من القوزاق:

ليس بالمحراث مخدّدة أرضنا الطيبة

أرضنا مخددة بحوافر الخيول

وبجماجم القوزاق ارضنا مزروعة

و"دوننا" الهادئ عامر بالعرائس الشابة

أبونا الدّون الهادئ منوّر باليتامى

وموجات الدون الهادئ من دموع الآباء والامهات.

حول فِرقتنا حلقة من المستمعين ونحن ننشد:

عَليكِ مني السلام

ففيكِ طاب المقام

عشقتُ فيكِ السّمر

عشقت ضوء القمر

والليل لمّا اعتكرْ

والفجر لما انتشرْ

يا قوم هذا الوطن

فعالِجوا في المِحن

إن تهجروه فمن

يا ما أحَيْلى السّكن

أهوى عيون العسَل

أهوى ثلوج الجبل

سالت كدمع المُقَل

ضاعت كرمز الأمل



 

يا أرضَ أجدادي

وطابَ إنشادي

وبهجة النادي

والكوكب الهادي

والنهر والوادي

في أرض أجدادي

نَفْسي تُناجيه

جِراح أهليه

في الخَطب يحميه

في ارض أجدادي

أهوى سواقيها

ذابتْ لآليها

سبحان مُجريها

بأرض أجدادي

هاشم السوداني الأسود الغامق يراقص إيلين الشقراء من السويد، وألِن الاسترالي النشيط يراقص زويا السوريا، وفي ساعة متأخرة مباركة أنا الغشيم أنجح في مراقصة كويا سِرفولا من بلدة سَماطي في فنلندة.

اما رفيقنا الرائع الذي أفاق من النوم يومها وقبّل كويا فراح يراقص رفيقا شابا يانعا من الحزب الاشتراكي الاسترالي، وهو يحسبه فتاة، والاسترالي يحسّ على هذا الخطأ ويضحك: اما رفيقنا بعد الاكتشاف وسّمة البدَن يقول بلجهته المحلية: هذا باقي انتِ رفيق مِش رفيقه!!

الجوّ الأممي القوي، والأمل الرحب، وكرَم المضيفين، والفودكا من نوع ستاليشنايا والنبيذ الارميني والمولدافي وخبز الجودار والكافيار الأسود، كل ذلك له مفعول رهيب، دفقات وموجات من الشعور العظيم، وسمو القِيم الانسانية وقوة الوحدة ولذة وبهجة الكفاح ضد مرارة الاضطهاد والعدوان، ولذة السباحة ضد تيار الظلام.

إيام تِسقيك مْرار السّقطري

  ومن عانَد الايام عقله خاب

ونعود بطاقة اكبر لمعاندة الأيام بعقول واعية صائبة، في مطار اللد موظفان وقحان يفتشان الحقائب والحاجيات ويقولان: وما همّنا من الشيوعية والروس فليذهبوا الى جهنم. وأنا أكلم حالي وبصوت مسموع: وما همّنا منكوا يا عبيد الامريكان، يجب الرد على النار بالمثل.

وصلنا الى مطار اللد في الساعة العاشرة ليلا، وكان علي ان أجد سيارة اجرة، كان الدور لسائق متقدم في السّن الى حد ما، قد يكون في الخمسين من العمر، أخذ معه صديقا شابا سمعه تقيل، شبه أطرش، شرحتُ له عن موقع القرية النائية الجبلية فهتف: ماذا!! أنت تخوّفني!! إصعد على السيارة، ظل بنفسية واثقة طول الطريق حتى وصلنا الى فوق الرامة، في ليل دامس، والغيم غطى كهرباء كرمئيل، جبال سوداء، وصعود وغيوم، عند جسر عين جوشَن أوقف السيارة وقال: إفهمني لا اجرؤ على التقدم اكثر، فقلت له أنا نبّهتك الى ذلك، فكيف تتركني هنا!!

  • صحيح معك حق. لكني لا استطيع اكثر من ذلك، حتى وإن تنازلتُ لك عن نصف الاجرة، كان رذاذ المطر يتساقط بنعومة، مما زاد الطين بلّة، مرّ اكثر من نصف ساعة وأنا أقنعه، أخيرا اقترحتُ عليه ان يبيتا عندنا في البيت، وهكذا كان مع هذا البطل الشجاع.

ناما في المضافة بعد وجبة عشاء وعنب أسود قرقشاني، أما الابن هشام، وبعد غياب سبعة اشهر فنظر إلي باستغراب ولاذ بأمه، قد يكون بسبب الحياء او لأي سبب آخر.

وكالعادة، في قرانا، وطيلة أيام، جاء المئات من الناس والتهنئة بالسلامة، وبعد كلمات كيف حال ما اتقَضّالَك والحمدلله على السلامة يأتي السؤال: "في دروز في هذيك لِبلاد"؟، وأنا احاول التهرّب من هذا السؤال بأجوبة التفافية، وشرحت ان في جورجيا هنالك مكان للعبادة، واسع، وفيه حاجز بين النساء والرجال، الامر الذي ارتاحوا له، وارتاح له الرفيق جمال موسى الفَذّ.

لكن هذا السؤال يتكرر عشرات المرات في اليوم حتى طلع طبعي وصرخت: هذا المهم إسّة!! وإن ما كنْش دروز بطّل ينفع العالَم... الكلمة في محلها بتِسوى جمَل.

ليس من السهل التصدي لهذا الانغلاق، وضيق الانتماء الى الحمولة والحارة والطائفة والملّة...، رأينا ونرى ذلك بعد نصيحة الرجل السّام من بلاد العمّ سام هنري كيسنجر، الذي كان من اوائل من عملوا على دَبّ الخلاف بين سُنة وشيعة. وكم صدق الرفيق احمد اسكندروف الذي عرّفنا بخطورة هذا الشخص الصهيوني قبل ان يصير وزيرا للخارجية، وأفكاره الجهنمية وما يكتبه في مجلة – بْلي بوي -، ثم رحلاته المكوكية الثعلبية.

هذا الرفيق الفذّ في جرأته وصدقه كان يقول: صحيح اننا لا نتدخل في الشؤون الداخلية للدول الصديقة، لكن لماذا يجب ان نسكت على قتل الشيوعيين في العراق، وعلى حلّ الحزب الشيوعي في مصر، وعلى منع نشاط الشيوعيين في سوريا، وعلى ملاحقة الشيوعيين في الجزائر، وكلها دول صديقة تقدم لها المساعدات وهي معادية للاستعمار، ولمصلحة هذه الدول كيف يمكن النضال ضد الاستعمار واضطهاد الشيوعيين وهم في مقدمة النضال ضد الاستعمار.

ويُقتل القائد الشيوعي اللبناني فرج الله الحلو ويذاب جسمه في حامض كيماوي، والمرافقة الجميلة مرغريتا سوخاتشوفا تقول لي ولزوجتي: كنت في سوريا الصديقة ثلاث سنوات، ولم أجد كتب حنا مينا، حصلت على مؤلفاته في لبنان، والجواهري وشعره ومنه: يا دجلة الخير، يعيش خارج وطنه، والرئيس محمد انور السادات ينتقل بسرعة فضائية من انتقاد الاتحاد السوفييتي لأنه لا يوافق معه على القضاء على اسرائيل، الى قوله:

طردت السوفييت والخبراء السوفييت من مصر بالجزمة!!

ويأتي الى اسرائيل،... عجايب وغرايب.

ولإنعاش ذاكرتنا نقول: ان الدولة العربية الاولى التي اقامت علاقات مع الاتحاد السوفييتي كانت اليمن سنة 1929،. وفي نفس السنة شُنق في سجن عكا عطا الزير ومحمد جمجموم وفؤاد حجازي.

من سجن عكا وطلعت جنازه

  محمد جمجوم وفؤاد حجازي

ويقول محمد أنا أولكو

  خوفي يا عطا أشرب حسرتكوا

ويقول حجازي أنا أولكو 

  ما نهاب الردى ولا المنونا

بعدها بسنوات يقول فؤاد نصار: في سجن عكا تعرّفت على سجناء يهود لأنهم يكافحون معنا نحن الفلسطينيين، الامر الذي عزز عندي انتمائي الى الشيوعية.

;