news-details
ملحق الجمعة

جبال الريح (ج 2-الحلقة 11)

كنت محترفا في العمل الحزبي من سنة 1970، بمعاشات كرامة وقِلّة، قُل على شفا الحرمان وحتى الجوع، الباقي يكمّله أهلي من مخصصات التأمين. لذلك بدا سؤال الناس غريبا عما أحضرت معي من هذيك البلاد، ماذا أحضرت!! حاملات مفاتيح، فتّاحات عُلب وقناني، كاسات خشب جميلة ملونة، دمى للطفل، ثلاث دمى تدخل في بعضها البعض، قنينة فودكا ستاليشنايا، كاسات مشروب من جورجيا، زلَف خشب ملون، غلاية قهوة لأن زوجتي اشترت – غاز – في غيابي، يبدو انني كنت العائق، العديد من الاقلام الجميلة، ودمية طفل زنجي. وكان الرفيق نمر مرقس يزور فرع الشبيبة بمعدل مرة في الاسبوعين او الثلاثة، والاجتماعات تعقد في بيتنا، ويحضر معه ألعابا لهشام، وضعت دمية الطفل الزنجي على المذياع من نوع "السعادة" اشتريناها بالاقساط من محل إتكِسْ في حيفا، في زاوية الشارع الواقع فوق ساحة الحناتير والتي غيروا اسمها الى ساحة باريس.

كان موسم العنب جيدا حتى سنة 1970 حين دبّ المرض العضال في كروم العنب، ويُقال – مع نفْضة زيق – ان الحكومة رشّت الكروم من الطائرة بنوع من المسحوق حتى يمرض لتوجيه الشباب الى حرس الحدود ولترك العمل في الارض من اجل تسهيل الاستيلاء عليها، وظلت نفضة الزيق قائمة حتى قال لي رجل وجيه من احدى قرى الشاغور وهو زلمة حكومة – هكذا قال هو -: أنا اعرف ان الحكومة رشّت كروم بيت جن لتمرض، قال لي ذلك في شهر 11/71. ثم سمعنا عن رش مزروعات بلدة – عقربة – الفلسطينية.

وخصصت الدولة جبل الديدباء للبناء بشرط كل  8 دونمات في ارض الزابود والجرمق مقابل قسيمة بناء، اما بقية المواقع فمقفلة للبناء، أبو جمال حسين يحب التجارة وأراد ان يشتري سيارة شحن وكان شرطهم، أي الدولة بواسطة الشركة – ان ثمنها هو التنازل عن عدد من الدونمات من ارض الخيط، وهكذا كان.

وعوضًا عن ارض الخيط عرضت الدولة على الناس، سهل كفر عنان – وقسائم ارض في ياقوق، وزيتون لاجئين من الرامة، البعض رفض املاك اللاجئين الغائبين والبعض وافق وقال: اذا عاد اللاجئون فأملاكهم صبّور برَكة عليهم وألف مبروك، وهكذا ضاعت أرض الخيط، وقسم من الارض الشرقية في الجرمق والزابود، وظل الناس بأكثريتهم يصوتون للمرشحين الدروز في حزب المباي، وقسم من المعارضة راح يصوت لحزب الحيروت، وهكذا الحال اليوم وكأننا يا بدر لا رُحنا ولا جينا. وستُبدي لك الايام ما كنت جاهلا اكثر مما أبدت لغاية اليوم، وطبعا مع حملة تحريض وكذب على الشيوعيين كالببغاوات البريئة او المتعيشة على هذه الفِرية وهذا الافتراء.

نظر الناس بكراهية الى دمية الطفل الزنجي، خاصة النساء الحبالى، لئلا تتوحم الواحدة على "عبد"!! ويقولون: حِب حبيبك ولو كان عبد اسود. وسهيل الفلسطيني يغني:

يا عمّي عِندك ابنك

  بِعيّرني يا سودا

وِنْ كان مانا مِعْجابُه

  على هَلي مَردودا

صديقنا مصطفى من صفد يكره الولايات المتحدة فقط لأن هناك من يطالب بمساواة السود مع البيض!! وأبو فؤاد زميله في لعب الورق يضحك على سخافته.

كيف لو يقرأوا رواية "موسم الهجرة الى الشمال" للطيب صالح ابن السودان، عدد من نساء الانجليز "ماتوا في حُبه، انتحروا" وواحدة تقول: سيّد سعيد لعنة الله عليك. والسائحات البيض يركضن وراء السود في عكا. في اول سوق عكا شاب اسود مع ثلاث سائحات اجانب وينادي على طول صوته: ولَك محمود نادي على حبيب وتعالوا – ثلاث صبايا وأنا لحالي!!

ومع ذلك يحبون "عَنطَرْ ابن شدّاد" وقصته، وسيدي حسن يحكي ويقصِّد تغريبة بني هلال، وقصة الزير سالم وعنترة بن شداد، وفي طوفة العريس، حتى لو كان العريس ابيض – شقّ اللِفْتِه – يحوربون: "عريسنا عنطر عبِس،

عَنطر عَبِس عريسنا،

وأية اغنيات عن السّمرا والبيضا:

هَيمان القلب هيمان

  السمرا والبيضا دُشمان

السمرا قالت للبيضا

  بيني وبينِك شرعِيّه

لَدُقك دق الكُبّه

  واسلَّم روحِك للشيطان

البيضا قالت للسمرا

  حَبِّه تِطلعْ في ثِمّك

لَبْني عقَبْرِك عمْره

  واسلِم روحك للشيطان

وفي حلقة الدبكة:

يا طير الطاير يا بُجناحينِ

  السمرا يا روحي البيضا يا عيني

عصِدر السمرا لزْرع جْنيني

  وعصدر البيضا تخِت للنّوما

فاطمة السودانية "سودا مثل العُطبِه"، ليست متعودة المشي على الثلج والجليد، أنا اساعدها وهي ترتعش وترتجف، يبدو انها محافَظَه محافِظه.

عدنا من الدورة الدراسية مع كثير من الغرور، صرنا نقاطع القائد المحاضر او الذي يقدم بيانا سياسيا، وهؤلاء القادة روحهم طويلة، يطوّلون روحهم علينا، يبتسمون ويقولون: على مهلكوا شوية شوية، ومن هؤلاء:

طيبو الذكر جمال موسى وسليم القاسم، ورمزي الخوري ونمر مرقس وكمال غطاس وهم اكثر من استمعت اليهم في بداية عمري الحزبي.

وكم اكره تحضير وتقديم البيان السياسي!! المصدر الوحيد كان جريدة الاتحاد وبعض الصحف، قبل الانهيار كان البيان السياسي يقتبس من صحف – برافدا، إزفِسْتيا، رابوتشي ديلو، رودي برافو، الاومانتيه... والحزب الشيوعي السوفييتي، ولديّ عادة سيئة انني أحاضِر واخطب "ارتجالي" بدون تحضير على ورق، اذا سجلت على الاوراق حتى ولو بخطوط عريضة أتبلكم!! ما عدا التقرير امام مؤتمرات الشبيبة والحزب، يجب ان يكون مكتوبا وفي توازن مطلوب بين العربي والعبري، بين الوضع في الناحية العربية واليهودية، وكذلك في استعمال اللغة، وهو امر في غاية الصعوبة، لا اتقن الكلام بالعبرية حتى قال الرفيق ذوقان عطاالله من يركا: عِبرانية الرفيق محمد مثل عبرانيّات واحد يمَني من كيبوتس عمْقه.

بطلب من الرفيق نمر مرقس كان عليّ ان اقدم سلسلة محاضرات بمناسبة ذكرى ميلاد لينين، ومن حلقتين!! اما لماذا من حلقتين فلست ادري، اول محاضرة في الرامة، كان الاجتماع في بيت الرفاق كمال ونجيبة غطاس، ومن رفاق الشبيبة حضر كما اذكر: سميح ونعمان ومازن وعزّت وباسل ووائل ويوسف، ومعنا كمال ونجيبة. واعتقد انها كانت اقصر وأسوأ محاضرة، اين وُلد، وفي اية سنة، ومتى توفي وانتهت المحاضرة.

اما الحلقة الثانية فنبّشتُ في الكتب المتوفرة وكانت افضل بما لا يقاس من الاولى، قالت الرفيقة نجيبة:

كان لينين يحبّ الاطفال، هذا هو التعليق الوحيد.

بعدها انتخبت سكرتير منطقة عكا للشبيبة الشيوعية، وفي المنطقة اربعة قطاعات، عكا، كفر ياسيف، الشاغور، الشمال.

عقدنا اول اجتماع شعبي في القرية، في ساحة بيت الرفيق فايز قبلان، بحضور الرفيق المحامي حنا نقارة،

كان اسم حنا نقارة المحامي على لسان الناس عندنا، فكم منع الحجز على البيوت وعلى شلاعي المعزى من قبل ضريبة الدخل، كان عَليّ ان اتكلم باسم الفرع، ولأنني جديد في الكار، ويبدو انه لا يُتكل عليّ، جاء الرفيق نمر للمساعدة والمراقبة. العشرات حضروا الاجتماع ورؤية وسماع حنا نقارة، وأصرّ الرفيق نمر ان يكون خطابي مكتوبا، فكتبته، لكني احيانا افشل في قراءة خطي فأتوقف، لكن الناس حفظوا جملة قلتها ضد تزييف التاريخ وفصل الدروز عن العرب، فقلت:

حَذارِ من اللعب في التاريخ فحروفه مكتوبة بالنور والنار، مثل هذه الكلمات غطت على الكثير من النواقص،

كان فرعنا قد كبر: فايز، محسن، سلمان، محمد، كامل، سعيد القاسم، سعيد المحمود، وفي فرع الشبيبة: محمد ونايف وسعيد ونجيب وسلمان ونايفة وسهيل، وشكيب، وأقمنا فرعا لأبناء الكادحين – الاشبال او الطلائع – كانت تأتي الرفيقة سميرة مرقس وتلتقي معم وتدربهم، وكم أحبوها واشتاقوا اليها، وكم أحبتهم هي، هشام، عَدي، مروان، وليد، ثائر، نوال، علي، علاء، فادي، فداء، خالد، حلمي وخالد آخر.

استأجرنا مقرا في اكثر من مكان، كان رجل المخابرات "أبو آشِر"، وبعده أبو سرور واتباعهم في القرية يضغطون على اصحاب البيت ويطلبون منا الخروج من النادي، في افتتاح احد النوادي وفي موقع ممتاز، حضرت وفود من الرامة وترشيحا والبقيعة وكفر ياسيف، وكان المتحدث الرفيق إبراهيم مالك والذي قال: نظرتُ الى هذه الارض الجبلية والجدران والسناسل التي بناها الاهالي، كان على الحكومة ان تقدم مكافأة لهؤلاء الفلاحين الشرفاء لا ان تصادر ارضهم وتعاقبهم.

كنت عضوا في هيئة تحرير الغد، سوية مع جورج طوبي ونمر مرقس وسالم جبران وغسان حبيب ووجيه سمعان، وكان المقر في "بستان الشيوعية" فوق السوق ونادي المؤتمر، أعددت تقريرا صحفيا للمجلة، وقابلت اربعة شبان: محاسن، جمال، نجيب، سعيد، ووضعت عنوان: وراء كل بسمة دمعة... جاء سالم جبران وغيّر العنوان وبحق الى:

"بيت جن، بلد العنب والسنديان والشباب الثائر"، كيف لا ومحاسن يقول: بعد الجيش بلا عمل، وآخر: فلاحون بلا ارض، وآخر: والمشنقة يا فتى مرجوحة الابطال، وزعنا مئة عدد من مجلة الغد، وحفظ الناس ما قاله الشباب، وطبعا مع صورهم، توفي منهم اثنان، ولليوم يتناقل البعض اقوال الشباب. جمعنا في الاجتماع مئة ليرا من حملة الحزب المالية، سلمان لوحده وعلى فقره تبرع بكل ما كان عنده – ثلاثين ليرا.

بعدها بدأ التحريض على حنا نقارة: اشتغل بأجرته، والناس دفعت الضريبة.

نعم الناس دفعت الضريبة مع تخفيض لا يذكر، كان في القرية ثلاثة من اصدقاء ضريبة الدخل والمسؤول "حَبّوشي" وهم "واسطة خير". "الله يسبل سترُه على جميع خلقُه".

لهذه الجملة قصة طريفة: دُعيت الى عرس في قرية حرفيش، كنت يومها عضوا في الكنيست، وأصر المعزّب إلا ان يُجلسني في صدر الديوان، بين عضوي كنيست دروز سابقين، وأنا محشور بينهما، ولا واحد اراد ان يهز شوية، ليفسح لي مجالا اكثر، جاء احد اتباع احدهما وركع امامه، وطال من جيبه ورقة فيها ابيات قصيدة لعضو الكنيست الذي هو من مصوّتيه المتحمسين، والقصيدة طويلة، وعضو الكنيست السابق الآخر تضايق وراح يردد على طول صوته: الله يسبل سترُه على جميع خلقُه – الله يسبل ستره... اما انا "فبقّيت في الضِحكِه" وغادرت المكان الى البلكون حيث يجلس الشباب، وبقيت اذكّر الاثنين بما حدث في حرفيش وهما يضحكان.

كان هناك فرع شبيبة شيوعية في حرفيش ومنهم:

شكيب، محمود، نهاد، وسليم، وكنا نعقد اجتماعات في بيت سليم، أقطع طريق الوادي الوعري من بيت جن الى حرفيش وأعود ليلا مشيا على الاقدام "في الليالي المعتمات" وهناك حزّيرة عن العلَقة: أنعَم من حرير في سرير في الليالي المعتماتِ، إن مالت عالجَنبين بجرَح ولا لْها سْنان ولا نَبات – نابات –

كثير من الناس – علّقوا – وكذلك البقر، تظل العلَقة تمص دم عَمّال البقر وتكبر في جوزته حتى يختنق إن لم يعالج بفِنْد علّيق شائك من فمه الى حلقه.

 

الصورة//أرض الخيط التي نهبتها الدولة بالترهيب والترغيب

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب