news-details
ملحق الجمعة

جبال الريح: الجزء (2) الحلقة (13)

السوريون في الجولان المحتل، يحتفلون سنويا بعيد الجلاء، والنشيد الوطني المهيب: حماةَ الدّيار عليكم سلام، 

ويذكرون أسماء الرموز الوطنية: سلطان الأطرش وصالح العلي وحسن الخرّاط ويوسف العظمة وأحمد مْريوِد وأسعد كنج أبو صالح والعَلم السوري المرفوع، ويحيّون الرئيس حافظ الأسد، ونستمع الى اذاعة دمشق: 

حسن الخراط ورجاله،

والجبَل والقريّه

  بني معروف يا رْجالُه

الرفيق زاهي كركبي ينشد بصوته الرائع:

هنا ميسلون، فهبّوا نحيّي جميعا ثرى ميسلون

هنا استبسل العُرب ضد الغزاة

  هنا استشهد الباسلون

وكان لجيشِ الغزاة انتصار

  شديد علينا رهيب

وكان لدى العُرب إما الخنوع

  وإما النضال العنيد

نهضنا نناضل ليلا نهارا

  الى ان بلغنا الأرب

ولن نترك السيفَ او نستردّ

  جميع حقوق العرَب

القريّة بلد سلطان الأطرش، والى الجولان وقُراه الاربع، أرسلت السلطات الاسرائيلية الاحتلالية اربعة من عملائها الدروز عندنا لمحاولة التأثير هناك. عاد اثنان منهم مع بذرة وطنية الى حد ما، بالسر وبتحفُظ وصعوبة، في فترة انتقال عويصة، واثنان ظلاّ صامدَين في العمالة.

وكانت المحوربة المشهورة والسائدة عندنا:

دارِ لِقريّة تبشّري فيكي ملَك

يلّلي تِعادي بوطلال ما أجْهلَك

ورْصاصِنا يوم الوغى وِصل الفلَك

ومن العجب العجاب ان كل الدروز هنا يحبون ويعتزون بسلطان الأطرش، وحتى العملاء، ومع ذلك لم يحركوا ساكنا بمعظمهم ضد فصلهم عن شعبهم العربي الفلسطيني، وعن أمّتهم، وتزييف تراثهم، وفرض الخدمة العسكرية الاجبارية على ابنائهم، ومصادرة عيد الفطر والقائمة طويلة ورخيصة ودنسة، يا عيب الشوم!!

حتى ان أحد طلاب الجامعة وُجّه لتحضير بحث عن علاقة سلطان باشا الأطرش بالصهيونية بواسطة – أبا حوشي -!!

يا سلطان بلاد الشام

  يا مْشَيّد دين الإسلام

إلَك كرسي بجبَلنا

  من تونس لبلاد الشام

مَن هو عقيد الخيل نرفع رايتُه

  أبو طلال كل العروبة عِزوِته

في الكثير الكثير من البيوت، في المضافات صورة مكبّرة لجمال عبد الناصر وسلطان الأطرش في مضافة الأطرش في القرية. ويستسلم القائد الفرنسي غمْلان أمام سيف سلطان المشهر. وقال الشاعر:

وسيْفُك مثل ضيفِك لن يجوعا.

وكذلك صورة سلطان مع المعلم كمال جنبلاط، ويقول الرفيق جمال موسى ان وثيقة استقلال لبنان وُقّعت في بيت الأمير مجيد أرسلان.

أما أحد وجهاء بلدنا وأمام أمّار الحكومة ساسون وأمنون فيقول: هذا كمال نزيرَة مِش كمال جنبلاط!!

وصرخ أحد الحضور: معلوم إمّك أحسن من نزيرة. إن خِليتْ بِليَت.

أقارب أمي كثيرون، لها خمس خالات، ولكل واحدة عدد كبير من الأبناء والبنات، ومن مَزْغري اذهب معها لزيارة اقاربها، وفي ليلة شتاء كان أبو نمر حسين الحوراني – طافِش – يلعب على الربابة ويقصّد:

عالي يا جبل حوران

  يا بُرجِ محفّظ بِركان

فوقك ما بِمُر الريح

  ولا بْتِعدي فيك الفرسان

وأنا أحبّ هذه القُصدان وصوت الربابة، لكن مع المجموعة حول الموقدة المهبرجة طفل رضيع يبكي، وتحمله صبية في أول عمرها، فما كان مني إلا أن صرخت:

  • طَيّب رَضْعيه!! الصبية غير متزوجة ومن أين لي ان اعرف وأفرّق بين الوالدة المرضِع والصبية العزابية!!

أمي قرصتني قرصة موجعة: الله يكسِر خجلَك.

والناس بعضهم يضحك ضحكة صفراوية، او يخجلون ويرشقوني بنظرات غاضبة، والبنت شهقَت وحمْرقت.

سلمان الحمَد حطّ كتفه تحت المصفّحة الفرنساوية وقلبها فوقاني تحتاني، وسمّوه دبابة الجبل. وشيخ من الثوار سدّ بوز المدفع في لفّته. وسليمان العقباني كان يضرب الجندي الفرنسي بالسيف يقسمه شقفْتين، وانبسطت ان زوجة قريبنا ملحم في بلدة بَكّه في حوران هي حفيدة سليمان العقباني او ابنة حفيده سليمان. اعربتُ لها عن ذلك في احدى المكالمات، وعاتبني زوجها ملحم وقريبه فيصل لماذا لم أزرهم في الجبل عندما كنت في وفد من "عرب الداخل" للمشاركة في تشييع جنازة الرئيس السوري حافظ الأسد. 

أرسلت له كتاب "أنفاس الجليل" وصار يقرأه هناك للرايح والجاي، وأوصلتُ سلامي مع الرفيق سيف الدين القنطار عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري برفقة يوسف الفيصل الامين العام.

في الديوان يتندّرون عن عشيرة الدروز وعشيرة اخرى وهي تقول:

يا دْريزي ويش لكْ بالحروب

  مالَك عليها مقدرَه

عاودْ لكارِ امك وَبوك

  فاروعتك والمشحَرَه

ويرد الدرزي:

يللي تريد حْروبِنا

  باشين ما تِقدر عليه

واسمَر شوارِب عندنا

  مثل الصخر نِركي عليه

واشْقَر شوارب عِندكو

  مثل البَغل نِركب عليه

الكبار يحفظون كل القُصدان والهْجينيّات الحورانية:

هِي هي يللي مِعْتلين

  على السّلايل

سلّموا عرْبوعِنا

  وقولوا لهايل

بالسّويدا ثارِنا

  حِنّا خَدينا

وكثيرون يحفظون قصايد شِبلي الأطرش الذي سجنه الاتراك في سرايا اسطمبول، ويقولون: الداخل الى اسطمبول مفقود، والخارج منها موْلود، ويذكرون بالشّر حكم محمد رشاد وعبد الحميد، هذا الى جانب تحريض الانجليز، آفة الأمة العربية بالأمس واليوم، وأمير البيان شكيب أرسلان وامثاله من القوميين العرب المتنوّرين يحذرون من بريطانيا وجرائمها، ويدعون الناس الى معارضة بريطانيا، تركيا شر لكنها أهون الشرّين بالنسبة للانجليز، وجاءت بريطانيا الى فلسطين والأردن والعراق، وجاءت فرنسا الى سوريا ولبنان.

وعلى عيون الناس، نصّب الانجليز الملك فيصل على سوريا، واُلقيت قصائد المديح، حتى جاء أحد الشعراء من لبنان وخاطب الملك فيصل:

بِسيفك أم بسيف الانجليزي

  دخلتَ بلاد الشام "إيزي"!!

وكلمة ايزي كلمة انجليزية تعني بسهولة، وهكذا كان.

شنق الأتراك ذوقان الأطرش والد سلطان، وبطشوا بأعداد هائلة من الوطنيين.

عندما توفيت والدة الأمير مجيد أرسلان، اقيمت لها جنازة عظيمة في خَلدة، ويقول سلام الرّاسي:

كنتُ في مقدمة وفد ضيعتي ابل السّقي وجوارها ورحنا نندب – قول على الميت – بكلمات قلتها:

تْمجّدت خَلده العظيمة

  برُفات اثنين حَلّوا

سيدة خَلدة القديمة

  وسيدة لبنان كِلُّه

في خلدة اللبنانية كنيسة وتمثال للبتول مريم – سيدة خلده، وهناك دُفنت ايضا والدة الأمير مجيد أرسلان، عاش سلام الراسي في بيئة اجتماعية بين الدروز، احبهم وأحبوه وهو عضو الحزب الشيوعي اللبناني، وانتدبه امين عام الحزب لينشط بين الدروز في الانتخابات، وله قصة طريفة مع شكيب وهّاب الرجل العسكري، كان طفلا عندما جاء شكيب وهاب الى إبل السقي لملاحقة الفرنسيين هناك، حيث كان لهم أتباع ومؤيدون، وضع شكيب وهاب بندقيته في بيت والد سلام الراسي، عند المدخل، لأنه أمّن لأهل هذا البيت الوطني، فراح سلام الراسي ليمسك البندقية، فما كان من اقاربه إلا ان هتّوا عليه، اما شكيب وهاب فوانَسه ولاطفه وقال: لو لم أكن بحاجة اليها لأعطيتك اياها.

بعد عقود عديدة زار سلام الراسي الشيخ شكيب وذكّره قائلا: انا هو ذلك الولد الذي لم تكسر في خاطري.

كان شكيب وهاب قائد فرقة متطوعين من سوريا ولبنان وفلسطين من الدروز، وهذه الفرقة حاربت في موقعة هوشي والكساير، كبّدت قوات الهاجاناه الصهيونية خسائر، وتكبدت هي خسائر، وكان ياما كان من تنفيذ وعد بلفور وجرائم الصهيونية، وخيانة وسذاجة ملوك العرب التي اضاعت فلسطين.

جاء شيخ درزي وسأل سلام الراسي عن وزارة "المير" أي الامير مجيد فاجابه الراسي: إمشي قْناق قْناقين. قْناق لهجة درزية كما يبدو وتعني الزقاق او الدرب، فما كان من الشيخ إلا ان قال:

الله يعِزّ الطايفه، وهو يحسب الراسي درزي من لهجته.

من مزْغرنا ونحن نحورب المحوربه السورية:

وينكوا يللي تريدون الزعامِه

  وين شكري وابن مَرْدم للكفاح

عالمنابِر بسّ لخرْط الكلام

و: 

يا ديرتي مالِك علينا لومْ

  لا تعتبي لومِك على من خان

قبل ان نسمعها من اسمهان، وصوتها الرائع المتوجّع الحنون.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب