news-details

حجم تمثيل "المشتركة" أرعب الصهاينة فقرروا الانقضاض عليها.. من نتنياهو حتى ميرتس| برهوم جرايسي

تقول أمثالنا الشعبية، "ما ظل في الخم ولا ريشة إلا أنت يا ممعوط الدنب"، وقيل أيضا، "بعد ما طيّرت العشوش أجا النذل يتصيّد". هذه ليست فقط أمثالا شعبية، بل هي حِكم شعبية عتيقة دقيقة لوصف الأحوال.

فآخر التقارير يتحدث عن أن حزب "ميرتس"، الذي يتراجع باستمرار في الشارع الإسرائيلي، يقرر شن هجوم على القائمة المشتركة، وليس أن يعيد حساباته لينقض من جديد على الشارع الإسرائيلي ببرنامج جريء. فحتى معاقله القديمة تلاشت، وفي الأساس منطقة تل أبيب الكبرى، وهو يصارع في كل انتخابات لاجتياز نسبة الحسم، ويبحث عن حلفاء ليدفعوا به إلى ما بعد حاجز نسبة الحسم، والحفاظ على التمثيل.

وهذا يأتي في أوج سعي نفر من عَجَزة، بمفهوم العجز السياسي، أحزاب "العمل" و"ميرتس" و"كديما"، وحتى حزب "كولانو" الذي أسسه موشيه كحلون وسرعان ما تلاشى، لتشكيل حزب جديد، يلملمون فيه بعضهم؛ علّ وعسى أن يعودوا إلى الواجهة السياسية.

ويبرز بينهم رئيس الوكالة الصهيونية الأسبق ابراهام بورغ، الذي أمضى حياته السياسية في حزب "العمل"، ورئيس بلدية حيفا السابق يونا ياهف، الذي تقصّع بين أحزاب صهيونية عدة، آخرها حزب "كديما". وهم يبحثون عن "فريق عربي"، فوجدنا أن غالبية الأسماء التي تريد التلاقي معهم، هم أيضا من تلك الأحزاب الصهيونية السابق ذكرها، على أمل أن يفهم العرب الآخرون منهم، أي مطب سياسي يسيرون نحوه.

وفي المقابل، فإن هذه الأنباء ترد بتزامن مع كثافة التقارير التي تتحدث عن سعي بنيامين نتنياهو إلى تفكيك القائمة المشتركة، من خلال انقلاب عضو الكنيست منصور عباس، رئيس القائمة الموحدة (المنبثقة عن الإسلامية الجنوبية) في القائمة المشتركة، على أسس الشراكة في القائمة المشتركة، تحت يافطة أنه يريد "تحقيق شيء للجماهير العربية"، وأنه مستعد للتعاون مع نتنياهو واليمين الاستيطاني، إذا لبى مطالبه.

وهذا كلام خطير، لأن فيه خفض للسقف السياسي، وحجب القضية السياسية الأساس، ودفعها جانبا، مقابل فتات هزيل قد يلقيه نتنياهو، كطُعم، لمن لديه الجاهزية والقرار الداخلي بتفكيك المشتركة.

وهذه المقالة لن تنشغل كثيرا بمنصور عباس وممارساته، فهو أول ما فعله عند انتخابه على رأس قائمة حزبه للكنيست، تمهيدا لانتخابات نيسان 2019، كان تفكيك القائمة المشتركة، وغرر بحزب التجمع الوطني الديمقراطي، وخضنا الانتخابات بقائمتين، وكانت النتيجة كما تعرفون، سيئة للغاية.

ولكن كل حزب عرف حجمه في تلك الانتخابات، فرضخ عباس في انتخابات أيلول 2019 وآذار 2020 لمطلب الجماهير، ولكن هذه الرغبة بتفكيك القائمة المشتركة "لم يفتك" عنها. وكل مرّة يظهر لنا بموّال جديد، وآخرها، أنه مستعد للجلوس حتى مع المستوطن الشرس بتسلئيل سموتريتس، إذ لبى له الطلبات، والقصد بالجلوس هنا، هو الدعم، وليس مخاطبة وزير في اجتماع.

نتنياهو يعرف أن تفكيك القائمة المشتركة سيؤدي إلى خفض نسبة التصويت بين العرب، وكلما انخفضت نسبة التصويت بينهم، زاد وزن اليمين الاستيطاني، الذي يصوّت بأقصى نسب التصويت في كل واحدة من الجولات الانتخابية؛ تماما كما جرى في انتخابات نيسان 2019، حينما بلغت نسبة التصويت بين العرب 50% إلى 51%، وارتفعت في جولتي الانتخابات التاليتين إلى 61% و63% على التوالي، وفي المقابل، تراجعت نسبة التصويت بين اليهود بنصف بالمئة.

وهذا أضاء ضوء أحمر للصهاينة جميعا، "كلن يعني كلن"، لأن النتيجة كانت أن القائمة المشتركة حصلت على 15 مقعدا، وغيّرت الكثير من التوزيعة البرلمانية؛ خاصة إذا عرفنا أن 64% من اليهود صوتوا لأحزاب اليمين الاستيطاني المتطرف بمن فيهم الحريديم، وحزب "يسرائيل بيتينو" بزعامة أفيغدور ليبرمان. وهذا لا يعني أن الباقين في الأحزاب الصهيونية، على شاكلة بيني غانتس ويائير لبيد وموشيه يعلون، "جماعة أوادم".

وحينما نعرف أن عدد مقاعد الكنيست محدود، فإن لكل مقعد واحد، وزن، وقد يكون مقررا. وأزمة عدم تشكيل حكومة مستقرة منذ 20 شهرا، سببها قوة كتلة "القائمة المشتركة"، وهذا استنتاج كسبب رئيسي، عدا التناقضات الأخرى في داخل الشارع الإسرائيلي.

هذه ليست المرّة الأولى التي يصطدم فيها الصهاينة بقوة تمثيل العرب واحتمال أن يؤثروا ويغيروا الموازين، فهذا ما كان في العام 1992، حينما قررت كتلتا الجبهة الديمقراطية والحزب العربي الديمقراطي منح فرصة لرئيس حزب "العمل" يتسحاق رابين لتشكيل حكومة، كدعم خارجي مؤقت، وبشروط محددة، حتى حققت الحكومة الأغلبية البرلمانية، فواصلت كتلة الجبهة نهجها ككتلة معارضة، ولا توجد أي مقارنة بين تلك الحالة، وما يبتدعه منصور عباس وغيره، اليوم.

وإذا عرفنا هدف نتنياهو من تفكيك القائمة المشتركة، ولعبه مع من جعل من نفسه الحلقة الأضعف؛ فإن الأحزاب الأخرى وشخصياتها السابقة، التي مقتها الشارع الإسرائيلي، لكثرة تلعثمها، وعجزها عن أن تعرض البديل السياسي الحقيقي لليمين الاستيطاني، وكل ما فعلته في السنوات الأخيرة هو السباحة مع التيار، أيقنت أنه لم يعد بمقدورها الاستناد لمعاقلها السابقة، كي تجتاز نسبة الحسم.

فرأينا حزب "العمل" ينقرض إلى حيث لا رجعة، وبالعربي الفصيح لـ 66 قرد، وميرتس يجاهد كي يبقى أنفه فوق سطح الماء، ولهذا فإن أشلاءهم تبحث عن ساحة أخرى، لضمان بقائها على الساحة، فرأت مجددا بساحة الجماهير العربية كاحتمال لها للانقضاض عليها، ولكن هذا لا يمكن من دون خلع الحصن السياسي الناشئ، المسمى "القائمة المشتركة"، الذي حصل على 89% من أصوات العرب، والنسبة ترتفع إلى 93% حيث لا تأثير للأحزاب الصهيونية وأجواء التجنيد وغيرها.

وينطبق على هؤلاء، المثل السابق ذكره، "بعد ما طيّرت العشوش أجا النذل يتصيد"، بمعنى أن هذه الأحزاب وتلك "الشخصيات" ليست على استعداد لمراجعة أجنداتها السياسية الصهيونية، وتملقها لليمين الاستيطاني المتطرف، بل واصلت استعلاءها الصهيوني على العرب، بدعوى أنهم فريسة سهلة للانقضاض عليهم.

ولهذا نرى أن من يمكن تسميتهم "جماعة ابراهم بورغ"، يتحركون بسرعة في الشارع العربي، بينما يلعبون في أقصى هامش الهامش في الشارع اليهودي، دون وزن لهم، وهم بذلك يتلاقون مع أقصى اليمين الاستيطاني المتطرف، في استهدافهم لقوة الجماهير العربية وحجم تمثيلها، التي في كل أربع سنوات ترتفع قوتها الانتخابية بمعقد برلماني كامل.    

إن خفض السقف السياسي، وجعل الحلبة البرلمانية ذات أجندة خدماتية، منقطعة عن جوهر السياسات، وبالأساس عن العدوانية الشرسة تجاه شعبنا الفلسطيني، واستهدافنا في حياتنا اليومية، لكوننا جزءا لا يتجزأ من شعبنا الفلسطيني مترسخا في وطنه، فإن هذا يكون مريحا لكل الأحزاب الصهيونية، بأن تتمخطر بكل وقاحة في شوارعنا العربية، لحصد أصوات.

إن ميرتس وجماعة بورغ ومن لفّ لفهما يلوحون "بالشراكة اليهودية العربية"، ولكنهم يريدون شراكة "أخدمني وأنا سيدك"، يريدون الجماهير العربية أن تكون مطية لهم، ليعودوا إلى الحلبة السياسية، أو أن يثبُتوا فيها بحدهم الأدنى على الأقل. وهذه ليست الشراكة الكفاحية الحقيقية، التي تقودها الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، ونموذجها في كتلتنا الرفيق عوفر كسيف، لأنهم يرفضون شراكة كهذه؛ فهم شركاء في مشروع المؤسسة الحاكمة لتدجين وصهينة العرب، "وما فشر".

فهل سيصحو مَن واجبٌ عليه أن يصحو، ولا يلعب بديباجات خطيرة لتبرير فعلته؟

 

 

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب