news-details
ملحق الجمعة

حول "مآثر" وكالة المخابرات الامريكية في  غرب آسيا 

النهج المغامر والعدواني والمتآمر للولايات المتحدة الامريكية ضد شعوب غرب آسيا، مستمر منذ عقود طويلة وفي وقتنا الحاضر اصبح اكثر خطورة، وعدوانية ووحشية.

ولا يكفي إلا التأمل بدقة في احداث الامس حتى ينكشف فورا خيط غير مرئي للوهلة الاولى يمتد من الماضي الى الحاضر. ومن اجل رؤية هذا الخيط علينا ان نلتجئ الى الوقائع ونعود الى تلك الازمنة والاحداث التاريخية التي خطت فيها وكالة المخابرات المركزية خطواتها الاولى في مجال الدبلوماسية السرية، والتي من الاصح وصفها في مجال الارهاب الرسمي الدولي الذي تقوم به الولايات المتحدة وحليفتها اسرائيل في منطقة الشرقين الادنى والاوسط.

ان منطقة الشرقين الادنى والاوسط – او غرب آسيا – الغنية بالنفط اصبحت محط اهتمام كبير لدى وكالة المخابرات المركزية الامريكية حال تأسيسها في عام 1947، وأعير في البيت الابيض، في نهاية الاربعينيات اهتمام خاص لتوطيد مواقع الولايات المتحدة في العراق التي توجهت اليها انظار احتكارات النفط الامريكية المتعطشة، لدى انتهاء الحرب العالمية الثانية وكان من الضيوف الدائمين لبغداد في ذلك الوقت هوارد بيج، "الدبلوماسي النفطي" مندوب شركة "إيكسون" الذي كانت وزارة الخارجية الامريكية تحصل منه على المعلومات الاساسية عن الوضع الداخلي في بلدان الخليج العربي في ذلك الوقت وكان عدد اعضاء مكتب وكالة المخابرات المركزية لدى الممثلية الامريكية قليلا وقد خطا في العراق خطواته الاولى منشغلا بتجنيد عملاء محليين وادخال "رجاله" في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البلاد. 

وهذا ما فعلته الولايات المتحدة في العراق منذ ذلك الوقت وحتى الآن فخلال حكم صدام حسين كان هناك العشرات من العملاء لأمريكا، والآن قتل السليماني والمهندس لم يكن ليتم بهذا الشكل بدون تجنيد عملاء محليين. وقال رجل المخابرات الامريكية ويلبر ايفلاند متذكرا في كتابه "قصور من الرمال، اخفاقات امريكا في الشرق الاوسط": ان عدد موظفي مكتب وكالة المخابرات المركزية الذي عمل في العراق تحت الستار الدبلوماسي كان قليلا الى درجة ان كلا سكرتيريه اضطرا حتى الى الانشغال بتنظيم الاتصالات واللقاءات مع العملاء في شقق سرية (eveland w.c. ropes of sand. America’s failure in the middle east. 1980 – p.46)، وفي كتابه هذا كون ايفلاند صورة واسعة عن عمليات المخابرات المركزية التي كان عملاؤها يمارسون اعمالهم في الشرق الاوسط وراء قناع دبلوماسيين ومدرسي جامعات وعلماء آثار وحتى تحت ستار منظمة اجتماعية هي "جمعية اصدقاء امريكا في الشرق الاوسط" (جمعية اصدقاء امريكا في الشرق الاوسط – منظمة امريكية تأسست في عام 1951 وكانت لها فروع في مصر وسوريا والمغرب وتونس وليبيا والاردن. وكان الاعضاء النشطاء في هذه الجمعية يقومون بأعمال التخريب والتجسس بحجة تعزيز العلاقات الثقافية بين الولايات المتحدة والبلدان العربية، وكان كيرميت روزفلت عميل المخابرات المركزية رئيسا لهذه الجمعية)، وقد مارس هؤلاء العملاء نشاطات هدامة وتخريبية ضد الشعب العراق وضد الوطن العراقي، وهناك من يمارس هذه النشاطات الآن من خلال تأزيم الوضع داخل العراق وخلق صراع طائفي. وبعد ذلك وضع رجل المخابرات الامريكي ديك كيرين رئيس فرع وكالة المخابرات المركزية في العراق ملفات عن ضباط الجيش العراقي لتجنيدهم فيما بعد وتتبع بدقة المثقفين والطلبة ذوي الميول المعارضة في العراق.

وبقدر ما تطورت وكالة المخابرات المركزية ببطء ولكن بثبات، من جهاز مخابرات للدولة الى اداة فعالة للارهاب الدولي الذي اصبح جوهر "دبلوماسية القوة" للولايات المتحدة، شعرت الوكالة بحاجتها الماسة الى "شخصية قوية" ورئيس لا يثبت نظريا فقط ضرورة وامكانية القيام بعمليات تخريبية ارهابية واسعة النطاق، بل ان يكون له ايضا مركز ثابت في فئات السلطة العليا لكي ينفذ هذه العمليات على السلسلة، واصبح هذا الشخص ألن دالس الذي اكتسب سمعة "الجاسوس الفائق" السيئة و"ملك الدبلوماسية السرية" والذي شغل منذ عام 1951 حتى عام 1953 منصب نائب مدير وكالة المخابرات المركزية واصبح مديرا لها منذ عام 1953.

وترتبط ترقية ألن دالس ارتباطا وثيقا ومباشرا بتعيين شقيقه الاكبر جون فوستر دالس وزيرا للخارجية الامريكية في كانون الثاني عام 1953. وعلى هذه الصورة انتقلت قيادة وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية الى ايدي شقيقين من كبار الموظفين متفقان على تبرير العنف والارهاب، شغلا هذا الجهاز الشرير أي جهاز المخابرات المركزية للولايات المتحدة، للقيام بعمليات تخريبية هدامة وحشية والقيام بمحاولات الاغتيال السياسي بأقصى طاقته.

وفي تلك الفترة اصبح العداء للشيوعية حجر الزاوية لاعمال هذين الشقيقين في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وشغل الشرق الادنى والشرق الاوسط – غرب آسيا – منذ البداية مكانا هاما في برامج الاخوين دالس الجيوسياسية.

في شهر ايار عام 1953 قام جون فوستر دالس بجولة في بلدان الشرق الاوسط وجنوبي آسيا، وكان الهدف الرسمي من الجولة مناقشة مسألة "المساعدات الامريكية" بينما كان يريد في واقع الامر الاطلاع على الاوضاع عن قرب من اجل اعداد استراتيجية طويلة الامد للولايات المتحدة، يجب ان يكون اساسا لها وفق مأربه، تشكيل حلف عدواني موجه ضد الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت، واشار ايفلاند الى ان "مهمته الاولى كانت مساعدة شعوب "القسم الشمالي" من دول الشرق الاوسط على الدفاع عن نفسها من الشيوعية". واقترح جون فوستر دالس على تركيا وايران وباكستان مساعدات عسكرية امريكية ملمحا الى ان هذا يجري من اجل "تعزيز دفاعها المشترك لمقاومة القوى التي تهدد كل "الامم الحرة".

وانضم الشقيق ألن دالس مدير المخابرات المركزية الى هذا البرنامج، وألن دالس لم يكن حديث العهد ابدا في شؤون الشرق الاوسط، الى التنفيذ المباشر للبرنامج الذي حدده وزير الخارجية بدون ابطاء، وكان هو السياسي الموروث قد عمل بعد الحرب العالمية الاولى في سفارتي الولايات المتحدة ببرلين والقسطنطينية، ثم ترأس قسم الشرق الاوسط في وزارة الخارجية الامريكية. وعندما اصبح رئيسا لوكالة المخابرات المركزية اعاد فورا علاقاته القديمة التي يمكن ان يستغلها الآن بفعالية، حين شغل الشرق الاوسط احد الاماكن الرئيسية في مخططات وكالة المخابرات المركزية للولايات المتحدة.

وكان كرميت (كيم) روزفلت الذي ترتبط باسمه سلسلة كاملة من الجرائم الدموية للمخابرات الامريكية في الشرقين الادنى والاوسط والذي يثق به دالس ثقة شديدة، ملائما اكثر من غيره لدور لورنس العرب الامريكي الجديد في جماعة العملاء السريين لوكالة المخابرات المركزية. وكان كيم روزفلت حفيدا لثيودور روزفلت الذي كان رئيسا للبيت الابيض – رئيسا للولايات المتحدة – من عام 1901 حتى عام 1909 ودخل التاريخ كواضع لسياسة "الهراوة الكبيرة" التي اعلنت في عام 1903.

وبادر كيم المستشرق من حيث التعليم والملم بشؤون العالم العربي بشكل لا بأس به الى الاستيلاء بسرعة على كل امور الشرق الاوسط في وكالة المخابرات المركزية الامريكية، وذلك باستخدام مختلف الممثليات الثقافية، مشتركا سواء في إعداد العمليات التخريبية ام في تنفيذها المباشر، وكانت العمليات كثيرة، لكن كيم روزفلت مدين بالترقي في منصبه اللامع اكثر من أي شيء آخر على الارجح، لأقذرها، الا وهي عملية اسقاط الحكومة الشرعية في ايران، في خمسينيات القرن الماضي المعروفة في مدونات المخابرات المركزية بالاسم السري "جاكس" حين تخلص الشاه من محمد مصدق الذي اراد تخليص ايران مهما كلف الامر من سيطرة الاحتكارات البريطانية ومرر من خلال مجلس النواب الايراني في آذار عام 1953 مرسوما بتأميم شركة النفط البريطانية الايرانية.

وبعد ان تخلص الشاه الايراني من رئيس الوزراء محمد مصدق وانصاره انهال على كل من اظهر اقل ما يكون من علائم المعارضة بالتنكيل البوليسي الوحشي. ونزلت اولى وافظع الضربات طبعا، بأعضاء حزب الشعب الايراني (تودة) وبكل قوى اليسار، وكانت الاداة الرئيسية لنظام الشاه في التخلص جسديا من المعارضة جهاز خاص دخل تاريخ ايران تحت اسم سافاك المشؤوم. 

وقد تأسس سافاك عمليا عام 1957 بالاشتراك المباشر لوكالة المخابرات المركزية الامريكية، ومخابرات "موساد" الاسرائيلية التي اولاها الشاه ثقة خاصة. (جعل العملاء الصهاينة من طهران فيما بعد مقرا لهم في الشرقين الادنى والاوسط)، اما الامر الرسمي بتأسيس سافاك فلم يصدره الشاه الايراني الا عام 1958 قبل سنة واحدة من التوقيع على ما يسمى بمعاهدة "الدفاع المشترك" مع الولايات المتحدة جعلت من ايران العوبة في ايدي الاسياد طبقة رأس المال مما وراء المحيط، وهذا ما تريده الآن الولايات المتحدة من خلال الحرب الاقتصادية والسياسية والاعلامية والانسحاب من الاتفاق حول الحد من انتشار السلاح النووي مع ايران، فالهدف تحويل ايران الى العوبة ليس فقط بأيدي الولايات المتحدة بل واسرائيل والصهيونية العالمية. ولكن صمود الشعب الايراني سيفشل هذه السياسة الامريكية الصهيونية الاسرائيلية العنصرية والتي هدفها فرض الهيمنة على منطقة الشرق الادنى والاوسط – غرب آسيا.

ونذكر بانه في ذلك الوقت شمل ثلاثين الفا ومخبرية المأجورين ما لا يقل عن الثلاثة ملايين، كل مجالات الحياة الايرانية عمليا بملامسه، وقام مدربون اجراميون "محنكون" من وكالة المخابرات المركزية جاؤوا خصيصا الى ايران، بتدريب موظفي سافاك على اساليب "الاستنطاق العنيف" على مثال اجهزة العنف الهتلرية.

وكان جهاز سافاك في جوهره دولة داخل دولة، وقد وضعته رعاية الشاه عميل الولايات المتحدة، وصديق السعودية واسرائيل في ذلك الوقت، فوق القانون وفوق معايير الاخلاق واعفته من المسؤولية عن اية جريمة، وكانت لدى عملاء سافاك الصلاحية بالاعتقال لأقل ذرة من الشبهة والقيام بالتفتيش بدون تصريح من النيابة، وكان الناس يختفون ولا يعودون الى الظهور ابدا، فلم تكن هناك حدود لمدة الحبس الاحتياطي ولمدة العقوبة التي تصدر من دورات مغلقة للمحاكم العسكرية.

وكان من الممكن للمدربين من وكالة المخابرات المركزية ان يكونوا راضين تمام الرضى عن عملاءهم، فقد تعلموا في سافاك بسرعة "فن" لوي الايدي واقتلاع الاظافر والاسنان وكسر الاصابع والحرق بالماء الساخن وسمل العيون، وكان "الاطباء السود" كما سمى الجلادون انفسهم، يعذبون الناس في الطابق الثالث من سجن "كوميتيه". وكان ضجيج المدينة الكبرى يبتلع صراخ الضحايا نهارا اما ليلا فقد كان الصراخ يخترق النوافذ المحكمة السد مما يجعل عابري السبيل يفضلون تجنب هذا المبنى.

وعندما ذاع بعد ذلك مضمون الكثير من الوثائق السرية في عهد الشاه اتضح ان 360 الف معتقل سياسي من خيرة ابناء الشعب الايراني اعدموا او عذبوا في زنزانات بوليس سافاك السري خلال عقدين من الزمن.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب