news-details
ملحق الجمعة

حيفا في ذاكرة برهوم، كي لا تُنسى – المقدِّمة

إدَّعى الأب الرُّوحيُّ للحركة الصَّهيونيَّة، بنيامين زئيف (ثيودور) هرتسل، في أواخر القرن التَّاسع عشر، أنَّ فلسطين هي لليهود بمقولته الشَّهيرة "أرضٌ بلا شعبٍ لشعبٍ بلا أرضٍ"، والحقيقة أنَّ هذه المقولة هي مقولة كاذبة في شطريْها، وأنَّها أوهى وأوهن من بيت ﴿..العَنْكَبوت﴾. وعندما بدأتُ أجمع ذكريات والدي وجدْت أنَّه من واجبي أن أدوِّنها لتخرج إلى النُّور وتجد متنفَّسًا لها بين قرَّائي الأحبَّاء. وعندما كنتُ أكتبُ ذلك كنتُ أجد الحقيقة التي يعرفها شعبي في بلدي وأصدقائه من شرفاء الوطن والعالم أنَّنا هنا منذ فجر التَّاريخ على أرضنا، "وجذورنا في رحم هذي الأرض ممتدَّة" وستبقى لنا إلى دهر الدَّاهرين، جذورنا في رحم الأرض ورؤوسنا فوق الغمام شامخات وعاليات..

يجوز أنَّ هذا هو السَّبب الذي جاء بي على إصداري لهذا الكتاب، الذي أضعه بين أيديكم\أيديكنَّ، "حيفا في ذاكرة برهوم، كي لا تُنسى"..

لقد اعتمدتُ في هذا الكتاب على المصادر الأوليَّة، شواهد أوليَّة، لتشهد أنَّ على هذه الأرض شعبًا، يعيش حياته، ويريد أن يعيشها بكلِّ مركَّباتها الحياتيَّة اليوميَّة والثَّقافيَّة والدِّينيَّة والنِّضاليَّة والتَّنظيميَّة والنِّقابيَّة والرِّياضيَّة والسِّياسيَّة، وأنَّ "على هذه الأرض ما يستحقُّ الحياة"..

كذلك اعتمدْتُ على ذاكرة والدي الطَّيِّبة، بالأساس، حيث قمتُ بدعم ما جاء على لسانه، بالاستناد إلى كتبٍ كانت بحوزته في مكتبته العامرة، التي كنتُ قد "صادرْتها" من بيتنا القديم في حيِّ وادي النِّسناس لصالح مكتبتي، في بيتي..

وجدتُ  كتاب "الذِّكريات"، بقلم الطَّبيب اللبنانيِّ د. قيصر خوري، الذي عاش في حيفا عقودًا من الزَّمن،حيث صدر كتابه، الجزء الأوَّل،عن المطبعة التِّجاريَّة في القدس، في العام ألفٍ وتسعمائة وخمسة وأربعين، وجاء في مقدِّمة الكتاب "..لأنَّها تدوِّنُ الحوادث والظُّروف التي طرأت عليَّ ومررتُ بها أحيانًا فرِحًا وأخرى حزينًا، تارةً متغنِّيًا بالوطن والوطنيَّة مشيدًا بأمجادهما، وطورًا مكبِّرًا ومُهلِّلاً برجالاتهما، وطنِبًا بصفاتهما".

وكذلك كتاب جميل البحري، "تاريخ حيفا" الصَّادر في حيفا عام الفٍ وتسعمائة وإثنين وعشرين، عن المكتبة الوطنيَّة في حيفا، حيث جاء في مقدِّمة الكتاب "تاريخ حيفا، هو أوَّل تاريخ يوضع لهذه المدينة، ويبحثُ في ما كانت عليه في العصور الأولى، وما صارت إليه بعد ذلك إلى أن وصلت إلى حالتها الحاضرة، تليه كلمة عن حيفا، في الحرب الكُبرى وتاريخ الكرمل"، وكانت "منظَّمة التَّحرير الفلسطينيَّة" قد أعادت نشر الكتاب، في دمشق قلب العروبة النَّابض والحيِّ فينا، باسم "الإتِّحاد العام للكُتَّاب والصَّحفيِّين الفلسطينيِّين-الأمانة العامَّة" وكان لي الشَّرف أن أحصل على هذا الكتاب القيِّم جدًّا،مباشرةً من سعادة وزير الثَّقافة السَّابق، في "السُّلطة الوطنيَّة الفلسطينيَّة"،الكاتب الفلسطينيِّ يحيى يخلف، ابن سمخ قضاء طبرية، منطقة الجليل الشَّرقيِّ. كما أنِّي استندتُ إلى أرشيف الصَّحافة الفلسطينيَّة الإلكترونيِّ، في اقتباساتي عن تاريخ المدينة..

لقد جاء في كتاب جميل البحري أنَّه كان عدد سكَّان مدينة حيفا العرب اربعة وثلاثين ألف نسمة، منهم خمسة آلاف من اليهود، الذين أتوا حيفا بعد صدور وعد بلفور، الذي وعد اليهود بوطنٍ قوميٍّ في فلسطين، عام الفٍ وتسعمائة وستَّة عشر، وحين نشبت المظاهرات في حيفا في آذار عام الفٍ وتسعمائة وواحد وعشرين، مستنكرةً ومعارضةً ومُدينةً، القرار الظَّالم والجائر بحقِّ أهل البلاد الأصليِّين (ص 18):

حاصرَت فيها الحكومة المسلمين بواسطة رجال الدَّرك ضمن جامعهم الكبير وطاردت المسيحيِّين الذين كانوا خارجين من احتفال ثاني عيد الفصح الكبير من كنيسة الرُّوم الكاثوليك لينضمُّوا إلى المسلمين، وقد أَطلق في هذا الأثناء قائد رجال الدَّرك النَّار فأصاب مسيحيًّا في الرَّابعة عشرة من عمره، (إدوار بن جريس منصور) أرداه قتيلاً وكذلك رجلاً عجوزًا من المسلمين (مصطفى العجوز) ومن ثمَّ مُنعت المظاهرات واكتفى الأهلون بالاحتِجاج شفاهيًّا وكتابةً وبواسطة البرق والصُّحف.." وعن هذا الحادث الإجراميِّ، كتب د. قيصر خوري في كتابه "الذِّكريات" (ص 60) قصيدة بعنوان "إدوار منصور ومصطفى العجور" ويُضيف "وقد ذهبا ضحيَّة الوطن في المظاهرة التي جرت في حيفا على المقبرة الإسلاميَّة، إنَّ الدَّم الذي أُريق على مذبح الوطنيَّة لهو دمٌ طاهرٌ نزَفَ من قلوب جميع أبناء فلسطين. وتلك الدَّمعة الطَّاهرة التي سقطت على وجنتي أم إدوار وعلى خدَّي أرملة الشَّهيد مصطفى، لهي دمعة سقطت من عيني أمِّنا فلسطين تبكي مصير أبنائها..وهذا الصَّوت الذي خرج من أعماق صدور هذي الجماهير المحتشدة لصوتٍ خارجٍ من كبد السَّماء، صوت الله من عليائه، صوت الحقِّ صارخًا: إلى الأمام ايُّها الفلسطينيُّون فان الحقَّ يعلو ولا يُعلى عليه..هناك من علٍ في هذا الفضاء الواسع وفي عالم اللانهاية قد اتَّحدت روحا شهيدَي الوطنيَّة. وهنا من أسفل تحت هذه القُبَّة الزَّرقاء وفوق هذه العظام البالية قد اتَّحد المسلم والمسيحيُّ، فمشى الشَّيخ والقسِّيس، وتعانق الهلال والصَّليب وتعالت أصوات المؤذِّنين والمرتِّلين وقرعت أجراس المسيحيِّين، والشَّعب كلُّه يهتف لغاية واحدة ووطنٍ واحدٍ".

وجاء في القصيدة:

"إذا لم تنل هذي البلاد حقوقَها         فتحيا كما تحيا الشُّعوب وتسعدُ

فخيرٌ لها ألا تعيشُ ذليلةً                لأنَّ حياة الذُّلِّ للموت موردُ

إذا أنصفونا اليوم عشنا أكارمًا          وإن ظلمونا اليومَ يُنصفنا الغدُ

وإن كان لا يحيا المسيحُ وأحمدٌ       فلا كان في الدُّنيا المسيح وأحمد"

ويكتب البحري في كتابه "تاريخ حيفا" (ص 26) عن عدد مدارس حيفا اصبح ثلاثين مدرسة:"..بين مدارس للصِّبيان والبنات، منها ثلاث للمسلمين، وسبع عشرة للمسيحيِّين وعشر لليهود. فلو عدَّ لنا عدد الطُّلاب في كل مدرسة مائتين فقط لكان عدد الذين يتعلَّمون في المدراس ستَّة آلاف بأقلِّ تعديل..".

وقد جاء في صحيفة "المهماز" الصَّادرة في حيفا، يوم العاشر من شباط من العام الفٍ وتسعمائة وستَّة وأربعين عن عدد سكَّان حيفا، حيث كان صاحبها ومحرِّرها المسؤول منير إبراهيم حدَّاد، وكان في تحريرها السِّياسيِّ حنَّا نقَّارة، وفي تحريرها الفنِّيِّ يوسف مجدلاني، وكان سكريتير التَّحرير إميل حبيبي، أمَّا مدير الإدارة العامَّة فكان محمَّد أبو زيد، ما يلي:"عدد سكَّان حيفا اليهود بما في ذلك كريات حاييم وموتسكن والمستعمرات المجاوزة سبعون ألفًا، أمَّا عدد اليهود في حيفا نفسِها فلا يزيد على ستِّين ألفًا، من بينها ما لا يقلُّ عن خمسة عشر الفًا غير متجنِّسين بالجنسيَّة الفلسطينيَّة، وهكذا يكون عدد اليهود في حيفا نفسها المتجنِّسين بالجنسيَّة الفلسطينيَّة لا يزيد عن خمسة وأربعين ألفًا. امَّا عدد العرب في حيفا نفسِها فيزيد عن ثلاثة وتسعين ألفًا..". 

إنَّ الصُّحف الصَّادرة في حيفا كثيرة وتشهد على المدينة أنَّها كانت مليئة بالحياة والحيويَّة والنَّشاط الثَّقافيِّ والاجتماعيِّ والرِّياضيِّ ومن هذه الصُّحف "الإتِّحاد"، "المهماز"، "اليرموك"، "حيفا"، "الزَّهرة"، "زهرة الجميل"، "الزُّهور"، "السَّمير"، "الكرمل الجديد"، "المجلَّة التِّجاريَّة، لغرفة تجارة حيفا"، "النَّفير"و "النَّهضة"..

أمَّا دور السِّينما فكانت هي الأخرى كثيرة وعامرة، منها سينما "النَّصر"، "عين دور"، 

"الأمين"، "الكرمل"، "كولوز بوم"، "آرمون" وسينما "أورا"..

كذلك تشهد منطقة الموارس على حياة حيفا الرِّياضيَّة، بفرقها "فريق التِّرسانة العربيِّ"، "نادي شباب العرب"، "النَّادي الرِّياضيِّ الإسلاميِّ"، "فريق نادي الأرمن الهومينتمن"، "النَّادي الرِّياضيِّ الأهليِّ"..

ناهيك عن جوامع المدينة، "الكبير"، و"الصَّغير" و"الإستقلال" و"الحاج عبد الله" وعن كنائسها "السَّيِّدة"، "مار الياس" للرُّوم الكاثوليك وأخرى للرُّوم الأرثوذكس وأخرى تابعة للأرمن وكنيسة أخرى مع ديرٍ على سفح جبل الكرمل تابع للرُّوم الأرثوذكس، كذلك كنائس "مار يوسف"، "مار لويس"، "المخلِّص"، "مار لوقا"، "مار يوحنَّا المعمدان" عدا عن الأديرة العديدة الموجودة موزَّعة على جميع مناطق المدينة..

هذه شواهد على حيفا العامرة التي ترفض أن تموت..

شواهد تدحض تزويراتهم حول تاريخنا ووجودنا فوق أرضِنا..

فكما قالت فيروز (غِربة ابنة مدلج الثَّائر الشَّهيد، بطل جبال الصُّوَّان) للطَّاغية فاتك المتسلِّط، في مسرحيَّتها "جبال الصُّوَّان" (الذي احتلَّ البلادوقَتَلَ والدها وعاث فيها فسادًا)بروح واحدة وأكيدة أنَّه لا مجال، هناك، للمساومة على الوطن، وانَّها ستحاربه حتى النَّصر، فاستشهدت غِربة، هرب فاتك بعد أن انتصر، وبهروب الطَّاغية المنتصر، انتصر الزَّهرُ على الشَّوك، وانتصر الدَّم على السَّيف، انتصر الوطن وبقيت الأرض لأهلها: 

"شو بدَّك تقتل تا تقتل، ما بقى رح تخلص القصَّة، وراكل صخرة، تحت كل شجرة، بفيِّة كل بيت، عم يخلق ولد لمدلج"..

*تبدأ "الاتحاد" منذ هذا العدد بنشر فصول كتاب الرفيق د. خالد تركي 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب