news
ملحق الجمعة

خرافة النَّسب الغربيّ للحضارة الإغريقيَّة.. بحسب سمير أمين| سعود قبيلات

حلمُ المأمون بأرسطو.. 

«رأى (المأمون) في منامه كأنَّ رجلاً أبيض اللون، مشرّباً حُمرة، واسع الجبهة، مقرون الحاجب، أجلح الرَّأس، أشهل العينين، حسن الشَّمائل، جالسٌ على سريره. قال المأمون: وكأنّي بين يديه قد ملئتُ له هيبةً، فقلت: مَنْ أنت؟ قال: أنا أرسطاليس. فسررتُ به وقلت: أيُّها الحكيم، أسألك؟ قال: سَلْ. قلتُ: ما الحسن؟ قال: ما حسُن في العقل. قلتُ: ثم ماذا؟ قال: ما حسُن في الشَّرع. قلتُ: ثمَّ ماذا؟ قال: ما حسُن عند الجمهور. قلتُ: ثمَّ ماذا؟ قال: ثمّ لا ثمَّ، وفي رواية أخرى: قلتُ: زدني. قال: مَنْ نصحك في الذَّهب، فليكن عندك كالذَّهب. وعليك بالتَّوحيد» 

(الفهرست – ابن النَّديم – ص 303 – ص 304). 

*** 

 

هل كان الإغريق «غربيين» حقّاً؟ 

يبدو مثل هذا السّؤال مستغرباً، الآن، إذا ما أُخضِعَ لمقاييس التَّفكير النَّمطيّ السَّائد؛ فوفق هذا النّوع من التَّفكير، لا توجد له سوى إجابة واحدة بديهيّة وجاهزة، هي: بالتَّأكيد، اليونان القديمة كانت «غربيَّة». 

ولكن، أصلاً، هل كان «الغرب»، بمفهومه الحاليّ أو بأيّ مفهوم آخر، قائماً في زمن الحضارة الإغريقيّة؟ 

وإذا ما اتَّفقنا على أنَّه لم يكن موجوداً في ذلك الماضي البعيد، وأنَّ مفهومة هذا لم يكن قد اُشتُقَّ بعد، وبأنَّه لا يمكن النَّظر إلى هذا المفهوم أو سواه من المفاهيم خارج سياق التَّاريخ؛ ففي أيّ إطارٍ، إذاً، وُجِدتْ اليونان القديمة وضمن أيَّة بيئة تفاعلتْ فأثَّرتْ وتأثَّرتْ؟ 

أستعرضُ، تالياً، المعالجة العميقة، والمختلفة، التي تناول بها سمير أمين هذه المسألة بكلّ جوانبها، خصوصاً في كتابه «بعض قضايا المستقبل.. تأمُّلات حول تحدِّيات العالم المعاصر». وهو يستند في ذلك إلى أطروحاته الرئيسة القديمة التَّالية: 

 

1. أطروحته حول المركزة على الغرب؛ 

 

2. أطروحته حول التَّطوُّر اللامتكافئ؛ 

 

3. أطروحته حول نمط الإنتاج الخراجيّ. 

 

وفي ما يتعلَّق بالأطروحة الأولى، يعيد سمير أمين جذور «التَّمركز الأوروبيّ» إلى عصر النَّهضة؛ حيث يقول بأنَّ أوروبيّي عصر الأنوار لم يكونوا يعون أنَّهم كانوا يبنون الرَّأسماليَّة، وبالتَّالي، فقد فسَّروا تفوُّق النِّظام، الَّذي كانوا يبنونه، على كلّ ما سبقه من الأنظمة الاجتماعيَّة الاقتصاديَّة، بأنَّه راجع إلى سمات لا تاريخيَّة خاصَّة بالأوروبيّين دون سواهم، ومنها، على سبيل المثال، «طابعهم الأوروبيّ» أو عقيدتهم المسيحيَّة أو «أسلافهم الإغريق».. الخ. ولم يتمّ وعي طبيعة النِّظام الرَّأسماليّ إلّا متأخِّراً في القرن التَّاسع عشر بوساطة الفكر النَّقديّ الاشتراكيّ، ثمَّ بصورة أكثر وضوحاً بوساطة الفكر الماركسيّ. 

وهذه الخصوصيَّة المُدَّعاة لـ«الغرب»، كانت هي الجذر الَّذي نشأتْ منه العنصريَّة الأوروبيَّة الَّتي بلغتْ أوج ازدهارها في مرحلة التَّوسُّع والاستعمار. 

ويقول سمير أمين إنَّه كان من المستحيل على الأيديولوجيا الَّتي تخدم النِّظام الرَّأسماليّ أنْ تتخلَّى عن أطروحة الخصوصيَّة البدائيَّة، تلك، لصالح وعي حقيقيّ بطبيعة النِّظام الَّذي تخدمه؛ فهذا النَّوع من الوعي يقود النِّظام إلى عمليَّة انتحاريَّة؛ مِنْ حيث أنَّه يتطلَّب الاعتراف بحقيقة الاستلاب السِّلعيّ الَّتي يتَّسم بها، ويتطلَّب أيضاً الاعتراف بتناقضاته الدَّاخليَّة، كما يتطلَّب كذلك الاعتراف بحدوده التَّاريخيَّة. 

وهكذا، برأيه، لم يكن ثمَّة مناص مِنْ أنْ تهرب الأيديولوجيا مِنْ مثل هذه المخاطرة المدمِّرة، وأنْ تدَّعي، بدلاً مِنْ ذلك، «أنَّها تقوم على أسس حقائق "أبديَّة" متينة، حقائق تتجاوز حدود التَّطوُّر التَّاريخيّ». 

 

خرافة الأسلاف اليونانيين.. 

وفي هذا السِّياق، نشأتْ أكثر مِنْ خرافة، كما يقول؛ منها، على سبيل المثال: خرافة «الأسلاف اليونانيّين» لـ«الغرب»، التي كانت غايتها ابتداع «جذور قديمة وهميَّة للتَّضادّ بين هذا التَّاريخ المزعوم وبين تاريخ المنطقة الَّتي تقع على الشَّواطئ الجنوبيَّة للمتوسِّط». وهذا بدوره تطلَّب «الادِّعاء بالاستمراريَّة في تاريخ القارَّة الأوروبيَّة» (...) «من اليونان القديم ثمَّ روما إلى القرون الوسطى الإقطاعيَّة ثمَّ الرأسماليَّة المعاصرة». 

ويردّ سمير أمين على خرافة الاستمراريَّة هذه قائلاً إنَّ هناك «خمسة عشر قرناً تفصل النَّهضة (الأوروبيّة) عن اليونان القديمة. فكيف يمكن أنْ يُعتبر التَّاريخ الثَّقافيّ الأوروبيّ متسلسلاً رغم طول هذا الفصل؟ وما هي الأسس الَّتي يمكن اللجوء إليها مِنْ أجل تأكيد هذه الاستمراريَّة المزعومة؟». 

ويخلص إلى القول: «لقد اخترع فكر القرن التاسع عشر نظريَّة العنصريَّة من أجل هذا الهدف بالتحديد». 

وادِّعاء الاستمراريَّة هذا كان يستلزم – بحسب أمين – ما يلي: 

أولاً، اقتطاع اليونان القديم والهيلينيّة مِنْ بيئتهما «الشَّرقيّة» وإلحاقهما إلحاقاً تعسّفيّاً بـ«الغرب» الأوروبيّ؛ 

ثانياً، الامتناع عن استئصال العنصريَّة الَّتي تصبح لا مفرّ منها مِنْ أجل تأكيد الوحدة الثقافيَّة الأوروبيَّة المزعومة؛ 

ثالثاً، تكبير دور المسيحيَّة وإلحاقها هي الأخرى- بأسلوب تعسُّفي- بالاستمراريَّة الأوروبيَّة المزعومة وجعل هذا العنصر أحد أهمّ العناصر المفسِّرة للوحدة الثقافيَّة الأوروبيَّة؛ 

رابعاً، اختراع «شرق» خرافيّ يحتلّ المكان المناظر المعكوس ويتَّسم بسمات مضادَّة لسمات «الغرب». وهو، في الوقت نفسه، «شرقٌ» أبديّ في مقابل «غربٍ» أبديّ أيضاً. وهذا، برأيه، نوعٌ من «التشويه الثقافويّ»؛ لأنَّه يقوم «على فرضيَّة تواجد عناصر ثقافيَّة ثابتة تتعدَّى مراحل التطوُّر التاريخيّ». 

ومِنْ ناحية أخرى، يلاحظ أمين بأنَّ «الغرب» لم يعمل حساباً للفلسفة العربيّة الإسلاميّة «إلّا كوسيلة نقل للإرث اليونانيّ. وكان الرَّأي السَّائد أنَّ الإسلام لم يضف شيئاً مثيراً للفكر اليونانيّ. بل وإنَّه - في حدود محاولته لإنجاز إضافات إلى السَّابق- قد فشل أو على الأقل فعل ذلك بأسلوبٍ غير مرضٍ». 

وفي ما يتعلَّق بتوظيف «الغرب» المسيحيّة كأيديولوجيا في مواجهة «الشَّرق»، يردّ سمير أمين على ذلك قائلاً إنَّ المسيحيَّة «لم تولد على شواطئ نهر الرَّاين أو نهر اللوار، الأمر الَّذي فرض على المشروع الأوروبيّ أن يخترع حيلاً ملائمة مِنْ أجل إلحاق الفكر المسيحيّ - الَّذي ينتمي إلى البيئة الشَّرقيَّة حيث نشأ - بالفكر الغائي الأوروبيّ التَّمركز. هكذا لُفِّقت العائلة المقدَّسة في ثياب أوروبيَّة كما أنَّ آباء الكنيسة المصريّين والسّوريّين ضُمُّوا إلى الفكر الغربيّ». 

أمَّا في ما يخصّ ضمّ اليونان القديمة غير المسيحيّة، إلى سلالة الأسلاف، فقد تطلَّب ذلك كما يقول: «أنْ تُخترع حيل لإظهار تضادّ بين الفكر اليونانيّ وفكر الشَّرق القديم، بالرغم مِنْ أنَّ هذا التضادّ لا أساس له». كما تطلَّب أيضاً، «بيان (وجود) علاقة تربط قدماء الإغريق المتحضِّرين مع القبائل الأوروبيَّة الَّتي لم تكن قد خرجت بعد مِنْ طور الهمجيَّة». 

 

تناقض الادِّعاء بالخصوصيّة والعالميّة معاً 

بعد ذلك، يكشف سمير أمين طبيعة التَّناقض الحادّ الَّذي تعاني منه منظومة التَّفكير الخاصَّة بالمركزة على الغرب؛ فهي، مِنْ جهة، تتحدَّث عن عمليَّة الانتقال إلى الرَّأسماليَّة، بوصفها «معجزة» أوروبيَّة خاصَّة، وأنَّه ما كان من الممكن للرَّأسماليَّة – لهذا السَّبب – أنْ تنشأ في أيّ مكانٍ آخر عدا أوروبّا. أي أنَّ هذه المنظومة الفكريَّة تنطلق بالأساس من «افتراض وجود مسالك تطوُّر خاصَّة لمختلف الشّعوب لا يمكن إرجاعها إلى فعل قوانين عامَّة تنطبق على الجميع». وبالتَّالي، فهي تتبنَّى «مذهباً مضادّاً للعالميَّة فلا يهتمّ بكشف القوانين العامَّة الَّتي تحكم تطوُّر جميع المجتمعات»؛ ولكنَّها، مِنْ جهة أخرى معاكسة، تتقدَّم بخطابٍ عالميّ الطَّابع «يقترح على الجميع مضاهاة النَّمط الغربيّ بصفته الأسلوب الفعَّال الوحيد لمواجهة تحدِّيات العصر»! 

 

لماذا ظهرت الرَّأسماليّة في أوروبّا أوّلاً؟ 

هنا نأتي إلى إجابة سمير أمين على السّؤال الأساسيّ المتعلِّق بجذر مشكلة التَّمركز الثَّقافيّ على أوروبّا؛ ذلك السؤال الَّذي تهرَّبت «الأيديولوجيا المعاصرة» - كما يسمِّيها – من الإجابة عليه. ألا وهو: (لماذا ظهرتْ الرَّأسماليَّة في أوروبَّا قبل أنْ تظهر في أماكن أخرى أكثر تقدِّماً تاريخيّاً؟). 

وهنا، يأتي دور أطروحته عن التَّطوُّر اللامتكافئ. وللتَّوضيح، نقول بأنَّ سمير أمين ينظر إلى العالم في ظلّ النِّظام الرَّأسماليّ الدَّوليّ كوحدة واحدة للدِّراسة. فبالنسبة له، النِّظام الرَّأسماليّ الدّوليّ عولميّ منذ بداياته لكنّه يتَّسم بنوعٍ من الاستقطاب ما بين مراكز مكتملة وبين أطراف (أو هوامش) غير مكتملة. والمراكز المكتملة تتَّسم بالاستقرار والجمود، أمَّا الهوامش (أو الأطراف) فتتّسم بالمرونة والحركة. 

وبالتَّالي، ففي حين أنَّ الاقتراح الماركسيّ الكلاسيكيّ كان يقول بإمكانيَّة تجاوز النِّظام الرَّأسماليّ مِنْ مراكزه فقط، فإنَّ سمير أمين يرى أنَّه لا يمكن تجاوز أيّ نظام اجتماعيّ اقتصاديّ دوليّ (وليس النِّظام الرَّأسماليّ فقط) مِنْ مراكزه، بل مِنْ أطرافه تحديداً؛ لأنَّها تكون غير مكتملة وغير مستقرَّة وأكثر مرونة. 

وهنا، ننتقل إلى مستوى نظريّ آخر أكثر تحديداً وأكثر قرباً مِنْ موضوعنا؛ إلا وهو المستوى المتعلِّق بأطروحة سمير أمين عن النِّظام الخراجيّ. فهو، هنا، رفض الأطروحة الماركسيّة القديمة عن ما سمِّي نمط الإنتاج الآسيويّ، واعتبرها إحدى إفرازات أيديولوجيا المركزة على الغرب؛ إذ بموجبها تمَّ النَّظر إلى الإقطاع في أوروبَّا باعتباره هو الأصل، وما كان مختلفاً عنه في الشَّرق القديم باعتباره استثناءً وشذوذاً، وتمَّت تسميته جزافاً بنمط الإنتاج الآسيويّ. 

بدلاً مِنْ ذلك، تقدَّم سمير أمين بأطروحته عن نمط الإنتاج الخراجيّ، موضِّحاً بأنَّ الدَّولة العربيَّة الإسلاميَّة كانت في العصر الوسيط هي مركز ذلك النِّظام، بينما كانت أوروبَّا الإقطاعيَّة هي طرفه (أو هامشه). وحيث أنَّ المركز يكون في العادة مكتملاً ومستقرّاً (وجامداً بالنَّتيجة)، كما سبق أنْ رأينا؛ وأنَّ الطَّرف (أو الهامش) يكون غير مكتملٍ، ومرناً بالنَّتيجة؛ فقد كان من الطَّبيعيّ أنْ يتمَّ تجاوز النِّظام الخراجيّ (نحو الرَّأسماليَّة) مِنْ طرفه الإقطاعيّ وليس مِنْ مركزه. 

وهذا، بالذَّات، كان هو سبب ظهور الرَّأسماليَّة في أوروبَّا وليس في العالم العربيّ والإسلاميّ الَّذي كان آنذاك أكثر تطوُّراً. 

وليؤكِّد سمير أمين صحَّة أطروحته، هذه، يختبر عملها في مكانٍ آخر غير المنطقة الَّتي تشمل أوروبَّا والعالم العربيّ والإسلاميّ. فيختار، تحديداً، المنطقة الَّتي تشمل الصِّين واليابان؛ حيث كانت الصِّين قديماً هي مركز النِّظام الخراجيّ المكتمل والمستقرّ والمتطوِّر في تلك المنطقة، وكانت اليابان هي طرفه الإقطاعيّ غير المكتملّ، والمرن؛ وبناء عليه، فقد تمَّ تجاوز النِّظام أوَّلاً في اليابان وليس في الصِّين. 

 

الهيلينيّة كأصل للميتفيزيقا «الشَّرقيّة» 

في ما يخصّ البنيان الفوقيّ، يتقدَّم سمير أمين بأطروحته حول التَّبلور التَّدريجيّ لما أسماه «الأيديولوجيا الخراجيَّة» في المنطقة الَّتي تشمل العالم العربيّ والإسلاميّ مِنْ جهة، وأوروبَّا من الجهة الأخرى. وهو يرى بأنَّ نقطة الانطلاق في هذا التَّبلور تعود إلى «عصر الهيلينيَّة في أعقاب توحيد ثقافات الشَّرق القديم (مصر وبلاد النَّهرين وفارس واليونان) ودمج أهمّ عناصرها كمساهمات جوهريَّة في تبلور الميتافيزيقا الخراجيَّة». كما يرى أنَّ الهيلينيَّة قد مهَّدتْ الطَّريق للانتشار لاحقاً أمام «المسيحيَّة ثمَّ الإسلام في المنطقة، وذلك مِنْ خلال تهيئة جوّ مناسب وبتقديم مفاهيم ذات مغزى عالميّ تخاطب البشر بكليَّتهم». 

وهذه الأشكال المتتالية الَّتي اتَّخذتها الأيديولوجيا الخراجيّة في «الشَّرق» (الهيلينيّة، ثمّ المسيحيّة، ثمّ الإسلام) كانت، برأيه، أشكالاً مركزيَّة (بمعنى أنَّها مكتملة)، حيث كان «إقليم شرق حوض البحر المتوسِّط يمثِّل قلب منظومة المجتمعات الخراجيَّة في المنطقة، بينما اتَّخذ نمط الإنتاج الخراجيّ في مناطق الأطراف في الغرب الأوروبيّ شكلاً غير مكتمل، وهو الشَّكل الإقطاعيّ. هكذا انتقلتْ الأيديولوجيا الخراجيَّة من الشَّرق إلى الغرب حيث اتَّخذتْ شكلاً طرفيّاً في صورة المسيحيَّة الغربيَّة (الرّومانيَّة)». 

وحيث أنَّ اختراق النِّظام الخراجيّ تمَّ مِنْ هامشه الإقطاعيّ في غرب أوروبَّا، فقد انتقل مركز النِّظام الجديد (الرَّأسماليّ) إلى شواطئ الأطلسيّ، وأصبح المركز السَّابق للنِّظام الخراجيّ في شرق المتوسِّط، جزءاً مِنْ أطراف النِّظام الرَّأسماليّ. 

وبرأي أمين فإنَّ التَّمركز الأوروبيّ في الثقافة الغربيَّة «يعكس التَّطوُّر الحديث الَّذي جعل من البحر المتوسِّط الحدود الفاصلة بين المركز والأطراف في النِّظام العالميّ الجديد». 

مؤشِّرات وشواهد 

بقي أنْ أختتم موضوعي، هذا، بالحديث عن بعض المؤشِّرات والشَّواهد الَّتي تدعم فكرة انتماء اليونان القديمة إلى البيئة السِّياسيَّة والثَّقافيَّة لمنطقة شرق المتوسِّط، وامتدادات ذلك في الحاضر: 

 

1- الاسكندر المقدونيّ و«الشَّرق» 

حين أراد اسكندر المقدونيّ (المعروف بذي القرنين) أنْ يتوسَّع، اتَّجه شرقاً؛ إلى سورية وما بين النهرين وفارس ومصر، ولم يتَّجه غرباً؛ فقد كان غرب أوروبَّا خارج اهتمامه، وخارج اهتمام معاصريه، وخارج التَّاريخ. 

بل إنَّ الأسطورة الخاصَّة الَّتي نُسِجَتْ حول أصل إسكندر المقدونيّ نفسه كانت مبنيَّة أساساً على الرَّابطة الثقافيَّة والرّوحيَّة الوثيقة ما بين اليونان القديمة وبين بلاد شرق المتوسِّط؛ إذ كانت تقول – كما هو معروف – إنَّ المقدونيّ هو في الأصل ابنٌ للآلهة المصريَّة، ولم تقل، مثلاً، إنَّه ابن آلهة إحدى القبائل الأوروبيّة التي كانت متوحِّشة. 

 

2- المقدونيّ في الموروث الإسلاميّ 

كان تقييم ذي القرنين في الموروث الإسلاميّ القديم إيجابيّاً جدّاً، كما هو معروف. وهنا نأخذ، كنموذج لذلك، الَّذي نشأ حول ما جاء في صورة الكهف من القرآن الكريم عن «ذي القرنين»، ونخصّ بالذِّكر الآيتين (83) و(84): «وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)». 

كما هو معروف، اختلف مفسِّرو هاتين الآيتين كثيراً في شأن مَنْ يكون المقصود بـ«ذي القرنين». المذكور فيهما. ولكن يُلاحَظ أنَّ تفسيراتهم تنقسم إلى نوعين: الأوَّل أخذ بما هو معروف من الوقائع التَّاريخيّة؛ فقال إنَّه الاسكندر المقدونيّ؛ والثَّاني، نفى ذلك. وبعض هؤلاء اتَّخذ هذا الموقف بدعوى أنَّ الاسكندر كان تلميذ أرسطو وكان على مذهبه الفلسفيّ، والموافقة على أنَّه هو المقصود في القرآن ربّما تقود إلى تقديس مذهب أرسطو. وفي العموم، هؤلاء جميعاً اقترحوا، بدلاً من الاسكندر، أسماء كثيرة متناقضة لشخصيّات أسطوريّة مجهولة ولا سند تاريخيّ يثبتُ وجودها.. اللهمّ في ما عدا شخصيّة الملك الفارسيّ قورش التي كانت احدى هذه الشخصيّات البديلة المقترحة! 

ومثال على ذلك، يقول البغويّ في تفسيره: «واختلفوا في اسمه قيل: اسمه "مرزبان بن مرزبة اليونانيّ" من ولد يونان بن يافث بن نوح. وقيل: اسمه "الإسكندر بن فيلفوس بن ياملوس الرومي"». 

ويقدِّم ابن كثير اقتراحين في هذا المجال، ولا يذكر اسم أوَّلهما، فيقول: «فأمّا الأوّل فقد ذكره الأزرقيّ وغيره أنَّه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل، عليه السَّلام، أوّل ما بناه وآمن به واتَّبعه، وكان معه الخضر، عليه السلام، وأمّا الثَّاني فهو، إسكندر بن فيليبس المقدونيّ اليونانيّ، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف المشهور، والله أعلم.». 

ويورد الطَّبريّ حديثاً للرَّسول الكريم أجاب فيه عن سؤالٍ وجَّهه له «قومٌ مِنْ أهل الكتاب» عن ذي القرنين، «قال: جئتم تسألوني عن ذي القرنين، وما تجدونه في كتابكم: كان شابّا من الرّوم، فجاء فبنى مدينة مصر الإسكندريّة، فلمّا فرغ جاءه ملَك فعَلا به في السَّماء، فقال له ما ترى؟ فقال: أرى مدينتي ومدائن، ثم علا به، فقال: ما ترى؟ فقال: أرى مدينتي، ثم علا به فقال: ما ترى؟ قال: أرى الأرض، قال: فهذا اليمّ محيط بالدّنيا، إنَّ الله بعثني إليك تعلِّم الجاهل، وتثبِّت العالِم، فأتى به السَّدّ، وهو جبلان ليِّنان يَزْلَق عنهما كلُّ شيء، ثمَّ مضى به حتَّى جاوز يأجوج ومأجوج، ثمَّ مضى به إلى أمّة أخرى، وجوههم وجوه الكلاب يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثمَّ مضى به حتَّى قطع به أمّة أخرى يقاتلون هؤلاء الَّذين وجوههم وجوه الكلاب، ثمَّ مضى حتَّى قطع به هؤلاء إلى أمّة أخرى قد سماهم». 

ويروي السّيوطيّ أيضاً هذا الحديث نفسه. بيد أنَّ مفسِّرين آخرين اعتبروا هذا الحديث حديثاً ضعيفاً. وهؤلاء هم مِن الَّذين يتبنّون تفسيراتٍ أخرى مغايرةً للقول بأنَّ ذي القرنين المذكور في القرآن هو الاسكندر المقدونيّ. 

ويبلغ الأمر ببعضهم، حدَّ القول بنبوّة الاسكندر. جاء في تفسير القرطبيّ: «ذكر ابن أبي خيثمة في كتاب البدء له خالد بن سنان العبسي وذكر نبوّته، وذكر أنَّه وكلّ به من الملائكة مالك خازن النار، وكان مِنْ أعلام نبوَّته أنَّ نارا يُقال لها نار الحدثان، كانت تخرج على النَّاس مِنْ مغارة فتأكل النَّاس ولا يستطيعون ردَّها، فردَّها خالد بن سنان فلم تخرج بعد. واختُلف في اسم ذي القرنين وفي السَّبب الَّذي سمِّي به بذلك اختلافا كثيراً؛ فأمّا اسمه فقيل: هو الإسكندر الملك اليونانيّ المقدونيّ، وقد تُشَدّد قافه فيقال: المقدونيّ. وقيل: اسمه هرمس. ويقال: اسمه هرديس.». ويسرد القرطبيّ اقتراحاتٍ أخرى لمفسِّرين آخرين. 

أمَّا السّيوطيّ، فجاء في تفسيره: «(وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والشيرازيّ في الألقاب وأبو الشَّيخ عن وهب بن منبه اليمانيّ - وكان له علم الأحاديث الأولى - أنَّه كان يقول: كان ذو القرنين رجلاً من الرّوم ابن عجوز مِنْ عجائزهم ليس لها ولد غيره وكان اسمه الإسكندر وإنّما سمِّي ذا القرنين لأنَّ صفحتي رأسه كانتا مِنْ نحاس فلمّا بلغ وكان عبداً صالحاً قال الله له: يا ذا القرنين إنِّي باعثك إلى أمم الأرض منهم أمّتان بينهما طول الأرض كلّها ومنهم أمّتان بينهما عرض الأرض كلّها في وسط الأرض منهم الإنس والجن ويأجوج ومأجوج فأمّا اللتان بينهما طول الأرض فأمّة عند مغرب الشَّمس يُقال لها ناسك وأمّا الأخرى، فعند مطلعها يُقال لها منسك وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يُقال لها هاويل وأمّا الأخرى الّتي في قطر الأرض الأيسر فأمّة يُقال لها تاويل، فلمّا قال الله له ذلك قال له ذو القرنين: 

يا إلهي أنت قد ندبتني لأمرٍ عظيم لا يقدر قدره إلا أنت فأخبرني عن هذه الأمم الَّتي تبعثني إليها بأيِّ قوَّةٍ أكابرهم وبأيّ جمعٍ أكاثرهم وبأيّ حيلةٍ أكايدهم وبأيّ لسانٍ أناطقهم وكيف لي بأن أحاربهم وبأيّ سمعٍ أعي قولهم وبأيّ بصرٍ أنفذهم وبأيّ حجَّة أخاصمهم وبأيّ قلبٍ أعقل عنهم وبأيّ حكمةٍ أدبّر أمرهم وبأيّ قسطٍ أعدل بينهم وبأيّ حلمٍ أصابرهم وبأيّ معرفةٍ أفصل بينهم وبأيّ علمٍ أتقن أمرهم وبأيّ يدٍ أسطو عليهم وبأيّ رِجلٍ أطؤهم وبأيّ طاقةٍ أخصمهم وبأيّ جندٍ أقاتلهم وبأيّ رفقٍ أستألفهم». 

وفي تفسير الجلالين، جاء: «(ويسألونك) أي اليهود (عن ذي القرنين) اسمه الإسكندر ولم يكن نبيّاً». 

والرِّوايات والتَّفاسير في هذا المجال كثيرة وتصعب الإحاطة بها. وفي كلّ الأحوال، وبغضِّ النَّظر عن اختلاف التَّفاسير وتعارضها، فإنَّ هذا يشير إلى الحضور الكبير للإسكندر وتاريخه والحضارة الإغريقيّة في الثَّقافة العربيّة الإسلاميّة وإلى مكانته المهمّة في السَّرديّة العربيّة الإسلاميّة. 

3- المسيحيّة «الشَّرقيّة» والمسيحيّة «الغربيّة» 

في زمن الإمبراطوريَّة الرومانيَّة، عندما انقسمتْ الكنيسة المسيحيَّة إلى شرقيَّة وغربيَّة، كانت اليونان مِنْ أبرز ممثِّلي الكنيسة الشَّرقيَّة، وهي بذلك تشترك إلى الآن في العقيدة الدينيَّة نفسها مع النِّسبة الأكبر مِنْ مواطني بلادنا العربيَّة من المسيحيّين. 

بل إنَّنا نستطيع أنْ نتقدَّم خطوة أخرى إلى الأمام في تفحُّص آثار التَّاريخ والجغرافيا السِّياسيَّة المشتركة؛ فنرى كيف أنَّ الصَّليبيّين (الفرنجة، بحسب التسمية العربيّة) وهم في طريقهم لغزو بلادنا ارتكبوا من المجازر الوحشيَّة ضدَّ اليونانيّين الأرثوذكس مقدار ما ارتكبوا لاحقاً ضدَّ العرب (مسلمين ومسيحيين). 

وممَّا يجدر ذكره، هنا، أنَّه حين أراد بابا الفاتيكان الأسبق، يوحنّا بولص الثَّاني، زيارة اليونان لم يتيسَّر له ذلك إلا بعد أنْ تعهَّد بالاعتذار عن الجرائم الَّتي ارتكبها الصَّليبيّون (الفرنجة) ضدَّ أسلاف اليونانيّين الحاليين. وهذا ما حدث بالفعل عند قدوم البابا إلى أثينا في أوائل شهر أيَّار من العام 2001؛ حيث طلب من رئيس كنيسة الرّوم الأرثوذكس اليونانيّة، كريستو دولوس، الغفران عن تصرّفات الكاثوليك «الَّذين ارتكبوا خطيئةً في حقِّ المسيحيين الأرثوذكس». 

ومع ذلك، لم يحظَ البابا بالاستقبال الرَّسميّ المعتاد في مطار أثينا، بل اقتصر استقباله على وزير الخارجيَّة اليونانيَّ. كما أنَّ الطَّرق الَّتي سلكها موكبه وهو يتَّجه إلى مقرّ الرئاسة اليونانيّة كانت مقفرة. 

 

4- جغرافيا وتاريخ

تعرَّضت اليونان، مثلنا في البلاد العربيّة، للاستعمار العثمانيّ الهمجيّ الجائر، لمدّة تتجاوز الثّلاثة قرون. وتأذّتْ منه مثلما تأذّينا. 

وفي إطار الانتماء المتوسّطيّ الحقيقيّ نفسه (أي الشَّرقيّ)، أرى موقف الشَّعب اليونانيّ القويّ في العام 1982 ضدَّ العدوان الإسرائيليّ على لبنان والمقاومة الفلسطينيَّة؛ حيث خرجتْ في أثينا، آنذاك، أكبر مظاهرة احتجاجيَّة ضدَّ ذلك العدوان. 

كان موقف اليونان مختلفاً أيضاً في ما يتعلَّق بالهجوم الأطلسيّ على صربيا في أواخر تسعينيّات القرن الماضي؛ حيث انفردتْ برفضه ومعارضته مِنْ بين جميع دول أوروبَّا (وأعضاء حلف الأطلسيّ).

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب