news
ملحق الجمعة

سؤال "المال السياسي" وضرورة أخذه نحو العُمق والعَلَن | رائف زريق

دعم منظمة اسلامية عالمية لمنظمة اسلامية محلية شيء، ودعم منظمة لا علاقة لها بالإسلام لمنظمة محلية اسلامية شيء اخر، لأنه في الحالة الاخيرة هناك سبب للسؤال عن نوايا واهداف الداعمين. وعليه يمكن الادعاء انه عندما كان يقبل الحزب الشيوعي الدعم من الاتحاد السوفياتي فانه لا يستورد اجندة غريبة ولا يغيّر سياسته لتلائم الجسم الممول انما يقوي اجندته هو اصلا. الجسم الخارجي الممول يدعم اجندة محلية اصيلة ولا ينتج اجندة كهذه - هذا هو أحد الادعاءات الممكنة في هذه الحالة.

لم تحظ رسالة محمد بركة الى مديرة المنصة في مظاهرة تل ابيب (5 حزيران) والتي ألغى فيها كلمته بصفته رئيسا للجنة المتابعة بالاهتمام المتوقع. كان من المفروض ان تثير الرسالة، شكلا ومضمونا، سلبا وايجابا، نقاشا واسعا يتجاوز بعض اللايكات على الفيسبوك او بعض العتاب على اعتبار ان هذا التغييب عن المظاهرة الوحيدة ضد الاحتلال ليس مبررا، وان رسالة مديرة المنصة رغم اسلوبها -الذي لا يخلو من بعض الاستعلاء- لا تقتضي المقاطعة. الموضوع يكتسب اهمية خاصة علما بان ما قام بتنظيم المظاهرة هو الجبهة والحزب الشيوعي.

لنبدأ ببعض الامور الهامة وان لم تكن حاسمة في المدى البعيد. انه امر يثير الغضب ان يتلقى رئيس لجنة المتابعة ساعات قبل المظاهرة رسالة نصية تحوي بعض التعليمات حول شكل ومضمون الخطاب. ليس بهذه الطريقة يجري التعامل مع ممثل الجسم التمثيلي الاهم والشامل لفلسطينيي الداخل. رئيس المتابعة لا يتلقى تعليمات من هذا النوع برسالة نصية.

لكن الموضوع يتجاوز ذلك بكثير. بركة يتهم رفيق أو رفاقا في الجبهة ورئيس القائمة المشتركة ايمن عودة بأنه، بانه مدجن، ويشير الى وجود "مال سياسي" (مع الاشارة الى ان لديه معلومات ووثائق) يدير ويرسم دور المشتركة. صحيح ان اسم ايمن لم يذكر، وصحيح انه لم يذكر ان جهات ليبرالية صهيونية امريكية وراء الدعم المالي لتشجيع التصويت، لكن لا حاجة الى ذكاء مفرط كي نصل الى هذه النتيجة.

هذه ادعاءات من العيار الثقيل جدا يجب التعامل معها بجدية تتجاوز لغة التلميح الى التصريح. محمد بركة هو رئيس هيئة تمثيلية، وما يجوز لصحفي لا يجوز له. إذا كان لدى بركة ما يقول فليقله علنا مع كشف جميع الاوراق وصياغة الادعاءات وتحديد المواقف ورسم الحدود. بدون ذلك تبقى الامور ضبابية وتغري الاخرين للاصطياد في المياه العكرة.

شخصيا، اعتقد ان النائب ايمن عودة يأخذ الجبهة والمشتركة الى مناطق محفوفة بالخطر علما أن المخاطرة في السياسة مطلوبة لكن هذه المرة اعتقد أن المخاطرة غير محسوبة جيدا. فلست متأكدا من انه يقرأ صحيحا – باعتقادي – طبيعة المجتمع الإسرائيلي في هذه المرحلة.، واعتقد انه يراهن أكثر من اللازم على "اليسار" دون ان يراهن بما يكفي على شعبه وعلى تنظيمه. كنت، ولا ازال، اعتقد ان العمل السياسي في الداخل يجب ان يحاور، يتواصل، ويتحالف مع تلك الاوساط في الشارع اليهودي في الكثير من القضايا السياسية، وان مستقبل هذه البلد هو مشروع ثنائي القومية حتما. إن المواطنة كما أفهمها هي ساحة عمل مركزية وهامة جدا. وبالرغم من ايماني بذلك اعتقد ان الايغال في هذا الاتجاه من شأنه ان يحجب النظر عن ضرورة التنظيم الذاتي والمراهنة على الذات وتنظيم العمل الجماعي. إضافة إلى ذلك، قد يؤدي الانشغال بالتحالفات مع ما يسمى "اليسار الصهيوني" إلى تشويش البوصلة التاريخية -حتى لو كان غير مقصودا- واستبطان لغة اعتذارية أو متودده لن تحقق اي شيء حقيقي للفلسطينيين. الحديث ليس عن مؤامرة ولا انهزامية طبعا، وانما محاجة عن مراهنة سياسية أشك في مدى جدواها. إن أحد أهم المحكات في هذا السياق هو فحص الى أي درجة تؤثر لغتنا وخطابنا في تغيير خطاب هذا "اليسار"، وإلى أي مدى يجري استيراد خطاب هذا "اليسار". هذا لا يعني أنه من الممكن أن نؤثر دون أن نتأثر لكنه يعني أنه ضروري أن نفصل بين التأثير السياسي وبين القبول. صحيح أنه لا يمكن أن نؤثر دون أن يكون هناك حد أدنى من القبول، لكن القبول بحد ذاته لا يعني التأثير. 

اعتقد ان هذا النقاش يجب ان يخرج الى العلن وان تجري صياغة مفرداته، مرجعياته، واصوله على مستوى المبدأ وبطريقه تجيز النقاش العلني، بدل منطق التشكيك في النوايا حينا والاتهام بالتدجين والتصهين حينا آخر، واتهامات الخضوع لإغراءات المال السياسي. وهذه كلها قضايا تستحق التوقف عندها علنا وبمسؤولية لنكون قادرين على صياغة مواقف مبدئية منها.

المموّلون والقفز عن مجالس الإدارة

لنبدأ بقضية المال السياسي. منذ ان دخلت العمل الاهلي في مؤسسة "عدالة" وجمعية "الجليل" وهذا السؤال يشغلني جدا (وكتبت حينها ورقة وحوّلتها الى امير مخول كمدير لجمعية اتجاه للتداول فيها). من ناحية، كنت ارى انه من المهم جدا ان تكون جمعية حقوقية تتابع وتحقق وتلتمس وتدافع (دافعَتْ عن النائب بركة أمام تهم التحريض عدا عن اعضاء كنيست آخرين)، ومن ناحية اخرى كان من الواضح لديّ ان هذا هو شكل من اشكال التدخل الاجنبي. قد يعتقد الجسم الممول انه يجب التركيز على قضايا البيئة والمرأة وليس قضايا الارض مثلا. لا أحد يلزم الجمعية ان تقبل الدعم، لكن مع الوقت تصبح الجمعية متعلقة ومعتمدة على الدعم الخارجي تماما، وبحاجة لدفع اجرة موظفيها وبقية مصاريفها وبالتالي تقبل بعروض للدعم المالي والتي ليست بالضرورة في صلب اجندتها. بعد سنوات قد تجد اي جمعية انها اسيرة اجندة لم تختارها هي انما انساقت اليها، حتى وان لم تفرض عليها فرضا. زد عليه، من الامور التي كانت تزعجني في تعامل بعض الممولين هو القفز عن مجلس الادارة والجلوس مباشرة مع طاقم العملين والمدير العام. مجلس الادارة هو الهيئة التي مفروض فيها والمناط بها تمثيل مصلحة الجمهور العريض وبالتالي الالتفاف عليها يعني الالتفاف على الجمهور، وليصبح طاقم العاملين يعمل مباشرة لدى الممول. وعلما بأن عمل الجمعيات هو عمل شعبي وجماهيري ويحظى باهتمام الاعلام والحيز العام، تصبح الجمعيات وقيادتها قيادة شعبية للمجتمع برمته. الا ان هذه القيادة لم تنتخب من الشعب انما في الواقع من مجموعة ممولين ترفع شأن من تشاء وتحط من شأنه ضمن علاقات قوة معينة، وتستطيع كذلك التأثير على الاجندات نفسها وتحديدها.

ان كل من عمل في العمل الاهلي واجه هذه المعضلة. هل يعني الامر التنازل تماما عن دور هذه الجمعيات؟ لا اعتقد. ما دام الوضع انه ليس لدينا مؤسساتنا الممولة محليا (وهو امر يجب ان نسعى اليه بكل قوة) قد يكون لا بد من وجود هذه الجمعيات. إذا ما العمل؟ اعتقد انه من الضروري ضبط عمل هذه الجمعيات بقدر الامكان، ويكون هذا الضبط عبر سلسلة من المواثيق والتي يقع في صلبها تقوية مجلس الادارة، دعم استقلاله، اعتماد شفافية في عمله، وتشجيع الاعلام ليقوم بدور نقدي وفاحص، وتحديد أجندة عمل تقوم على حاجات المجتمع المحلية أولا وأساسا.

 وماذا مع حقيقة كوّن هذه القيادات غير منتخبة من مجمل الجمهور؟ الجواب ذو شقين: اولا: يفترض بالإدارة ان تنتخب من قبل مجلس واسع قدر الامكان. ثانيا: قد تكمن قوة هذه الجمعيات في عدم انتخابها من مجمل الجمهور كي تبقى خارج الصراعات الحزبية. بالتالي فهي قد لا تمثل الإرادة العامة للجمهور لكنها في نفس الوقت قد تمثل مصالحه العامة أحسن تمثيل. لنأخذ دور عدالة في احداث اكتوبر كمثال. هل يمكن انكار الدور الهام الذي قامت به؟ قد تكون ادارة الجمعية منتخبة من قبل عشرات الأعضاء -لا تمثل الإرادة العامة- لكن في الدور الذي لعبته مثلت المصلحة العامة لهذا الجمهور. وعليه، ليس هناك جواب واضح وقاطع حول هذا النوع من المال الاجنبي ودوره. العاملون في الجمعيات ليسوا وكلاء للغرب وليسوا ابطالا تماما. دورهم يتحدد ضمن صراع قوى دائم. من ناحية نحن مجتمع يعيش في دولة تستعديه وبحاجه لكل دعم، ومن ناحية اخرى فان هذا الدعم الخارجي هو نوع من التدخل الأجنبي وبالتالي فهو يقوينا ويضعفنا في نفس اللحظة، يوحد المجتمع ويشقه في نفس الوقت. وللإنصاف يجب القول إن جميع الأحزاب تتكئ في عملها على وجود جمعيات تعمل إلى جانبها.

الأحزاب والدعم الخارجي، هل يجوز؟

لننتقل للعمل الحزبي. هل يجوز قبول الدعم الخارجي؟ متى؟ بأية شروط؟ على ماذا يعتمد القرار؟ متى يعتبر الدعم خارجيا؟ كيف يمكن ان تمييز بين الداخل والخارج؟

قبل ان نخوض في السؤال المعياري حول ما يجب ان يكون، لننظر حولنا ولنسال أنفسنا عما هو حاصل وعما حصل في موضوع التمويل. ولا بد من ملاحظة وقائية: كل المعلومات التي سأوردها هنا لا تعتمد على اية وثيقة انما تقوم على نوع من التخمين الذي يحظى بالإجماع كنوع من السر الشائع.

لنبدأ مع الحزب الشيوعي: ألم يتلقى الحزب الدعم المادي المباشر من الاتحاد السوفياتي، أليست هدية مبنى الصداقة في الناصرة نوعا من الدعم المادي؟ أوليس ارسال الطلاب للدراسة المجانية في الدول الاشتراكية نوعا من الدعم المالي ونوع من التدخل المجتمعي الذي يعطي الافضلية والدعم لمجموعة دون غيرها داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل؟ الم يكن هذا الدعم اداة لزيادة نفوذ الحزب داخل المجتمع؟ ألم يعطيه تفوقا على حركه ابناء البلد مثلا؟ ألم يكن تدخلا في صياغة وعي فلسطينيي الداخل بتأثير ايديولوجيا غريبة ماركسية؟ لن اجيب الان على هذه الاسئلة وسأعود اليها لاحقا.

لنأخذ الآن الحركة الاسلامية. هل هناك من يصدق مهرجانات جمع التبرعات التي كانت تقوم بها الحركة؟ اليس واضحا ان الحركة تأخذ الدعم من أطراف اسلامية اقليمية؟ هل هناك من يستطيع ان ينكر ذلك؟ وهل الدعم من دول اسلامية هو شرعي -باعتبار اننا لا نأخذ من طرف غريب- ولكن الاخذ من طرف اوروبي هو غير شرعي؟ ام أن الطرف الاوروبي هو غير شرعي ليس بسبب الدين انما بسبب تاريخه الاستعماري الكولونيالي التوسعي؟ لكن إذا كانت السيطرة والتوسع هما المفتاح الا يمكن القول إن تركيا وإيران مشاريع توسعيه ومشاريع هيمنة في المنطقة؟

وماذا مع التجمع الوطني او الجمعيات المحسوبة عليه الان او في السابق؟ كيف يمكن فهم سيل الاموال الذي يصل من قطر – قد يكون الامر بشكل أو مباشر أو غير مباشر الى جمعيات ثقافية ومواقع اخبارية الكترونية؟ وكيف يمكن فهم وتحليل تجند النظام السوري وتلفزيونه في دعم التجمع في انتخابات الكنيست وعزمي بشارة شخصيا وتكريس ١٢ ساعة بث موجهة لجمهور فلسطينيي الداخل، وصلت الى حد تبني شعار ان التصويت للكنيست هو واجب وطني! اليس ذلك نوعا من الدعم المادي؟

وماذا مع التجمع الوطني او الجمعيات المحسوبة عليه الان او في السابق؟

كيف يمكن فهم سيل الاموال الذي يصل من قطر – قد يكون الامر بشكل أو مباشر أو غير مباشر (عن طريق جمعيات في أوروبا مثلا) - الى جمعيات ثقافية ومواقع اخبارية الكترونية؟ وكيف يمكن فهم وتحليل تجند النظام السوري وتلفزيونه في دعم التجمع في انتخابات الكنيست وعزمي بشارة شخصيا وتكريس ١٢ ساعة بث موجهة لجمهور فلسطينيي الداخل، وصلت الى حد تبني شعار ان التصويت للكنيست هو واجب وطني! اليس ذلك نوعا من الدعم المادي؟ وكيف نفهم منح التجمع من قبل نظام الأسد احتكارا على موضوع زيارات الاهل في سوريا؟ اليس ذلك نوعا من التدخل في الاجندة والوعي الفلسطيني ومنح القوة والهيمنة لفئة دون غيرها؟ ام انه ما دامت الجهة الداعمة جهة عربية فكل شي مباح ولا يعتبر الامر تدخلا باعتبار اننا كلنا عرب وهمنا واحد؟

واخيرا لا بد من التطرق للنائب احمد طيبي. بداية كان الطيبي الابن غير المدلل لياسر عرفات الذي حظي بدعمه. في السنوات الاخيرة يحظى بدعم مادي من دول الخليج والامارات بشكل خاص وسمعنا مؤخرا عن امكانية دعم لمركز ثقافي في الطيبة بملايين الدولارات؟

يضاف الى كل ذلك الدعم المالي من قبل السلطة الفلسطينية في معظم المعارك الانتخابية للقوائم التي تكون السلطة راضية عنها في تلك الفترة والتي ليس لدي اي اثبات حول وجودها او قيمتها لكنها حديث البلد. وحظيت بها معظم الاحزاب اضافة الى لجنة المتابعة بشكل مباشر او غير مباشر. هل هذه الاموال من السلطة الفلسطينية هي نوع من التدخل ايضا ام كونها من مصدر فلسطيني يعني بالضرورة انها من اهل البيت وليست نوعا من التدخل باعتبار اننا جميعا نتشارك الهم الفلسطيني وشركاء في الحلم والمشروع؟ وهل يستوي دعم دحلان مع دعم من أبو مازن؟

هذه كلها اسئلة صعبة جدا. لم يكن هدفي من كل هذه الاسئلة خلق الانطباع -والذي قد يخلق- انه بما ان كل الاطراف تتلقى الدعم طوال الوقت فلا معنى للحديث عن التمويل باعتبار اننا كلنا في الهوى سوى وان كل شي شرعي ومباح. ليس هذا هو الهدف بل العكس من ذلك، هو محاولة تطوير ادوات معرفية ومعيارية تسأل متى وكيف وبأية ظروف يكون الدعم مقبولا -وإن كان ليس مرغوبا- وبأية حالات لا يكون. ان تهمة المال السياسي - التي تعزى لأيمن عودة أو لغيره بالتصريح أو التلميح - بصيغتها الفضفاضة، لا تلصق ولا تلقى ايّ اذن صاغية وهي غير مقنعة، وحتى تكون كذلك عليها ان تكون محددة أكثر، وعينية. لا يمكن الاكتفاء بالقول ان المال السياسي مرفوض -لان ذلك لا يقنع- انما يجب القول لماذا هذا النوع تحديدا من المال السياسي بشكل غير مباشر عن طريق جمعيات (لرفع نسبة التصويت مثلا) هو مال سياسي مرفوض. هذه مهمة شاقة أكثر ولا يمكن توضيحها ضمن بوست عابر كما فعل رئيس لجنة المتابعة في رسالته. هذه مهمة تضع على اكتاف من يدعيها ان يقدم لنا معايير ومبادئ عامة ترشدنا متى يكون المال السياسي مشروعا ومتى يصبح غير مشروع واذعانا لرغبة او مشروع أجنبي. بدون ذلك يبقى الحديث ضرب من تسجيل نقاط ضد خصوم سياسيين لكنه لا ينير الطريق ولا يرفع منسوب الوعي المجتمعي ولا يزيد من حصانة المجتمع ولا يمنح الافراد ادوات تفكير نقدية تساعده في تقييم عمل القيادة وادائها. إن هذا المقال هو دعوة ومساهمة لفتح هذا النقاش ليكون علنيا ومبدئيا – ذلك لتجاوز تسجيل النقاط الحزبية أو الشخصية. 

مَن الداعم وما معاييرنا

لديّ بعض الافكار الاولية في هذا الصدد وكلها قابلة للتطوير واعادة النظر والنقد لكنها محاولة أولى فقط.

اولا، اعتقد ان هناك سؤالا يتعلق بهوية الجسم المانح. دعم من جمعية خيرية يختلف عن دعم من دولة. من طبيعة الدول ان تكون لديها مصالح سياسية واجندة كي تحققها. وهنا عليّ أن أكون واضح بإن لي ثقة كاملة بأن أيمن عودة لم يضع قرشا واحدا في جيبه ولم يغتنِ بيته من هذا التمويل. النقاش مع عودة وغيره هو سياسي محض.

زد على ذلك فإن الحديث عن هوية الجهة الداعمة يعني ايضا السؤال عن تلاقي فكرها واجندتها مع الجهة الحاصلة على الدعم. دعم منظمة اسلامية عالمية لمنظمة اسلامية محلية شيء، ودعم منظمة لا علاقة لها بالإسلام لمنظمة محلية اسلامية شيء اخر، لأنه في الحالة الاخيرة هناك سبب للسؤال عن نوايا واهداف الداعمين. وعليه يمكن الادعاء انه عندما كان يقبل الحزب الشيوعي الدعم من الاتحاد السوفياتي فانه لا يستورد اجندة غريبة ولا يغيّر سياسته لتلائم الجسم الممول انما يقوي اجندته هو اصلا. الجسم الخارجي الممول يدعم اجندة محلية اصيلة ولا ينتج اجندة كهذه - هذا هو أحد الادعاءات الممكنة في هذه الحالة.

ثانيا: شروط الدعم. هل الدعم مشروط ام لا وما هي الشروط؟ ليس من الواضح دائما ما هي الشروط وقد تكون الشروط خفية في البداية وتطفو على السطح مع الوقت فقط. عليه السؤال هو ما هي الشروط الفعلية غير المكتوبة وليس فقط الشروط الرسمية المكتوبة.

ثالثا: هوية متلقي الدعم. هناك فرق بين ان يجري دعم المجتمع باسره او المصلحة العامة عن طريق اقامة متحف الذاكرة الفلسطينية، او مكتبة عامة، او تبرع بأرض لجامعة مثلا، مقارنه بدعم لحزب بعينه دون غيره، وفي مثل هذه الحالة يستقوي الحزب بقوة خارجية ضد حزب آخر، وصولا الى دعم شخص معين داخل حزب دون غيره وبذلك يستقوي الشخص بجسم خارجي في مواجهه اعضاء حزبه ومواجهة الاحزاب الاخرى. واضح انه كلما كان الدعم للجماعة والمجتمع بشكل عام فهو موضع ترحيب وكلما ضاقت حلقة المنتفعين منه فإنه موضع شك. ليس فقط لان عدد المستفيدين يكون اقل، انما لأنه كلما ضاقت حلقة متلقي الدعم كلما كان من الاسهل الاستفراد فيهم واملاء الشروط عليهم.

وفي سياق هوية متلقي الدعم يمكننا ان نميز بين تلك الحالات التي يكون فيها متلقي الدعم جهة سياسية ذات نفوذ في المجتمع وتتوقع الجهة الداعمة موقفا سياسيا، بالمقابل لهذا الدعم وبين الحالة التي لا يكون للجهة التي تتلقى الدعم ما تقدمه سياسيا للجهة الداعمة. كلما كانت الجهة التي تتلقى الدعم ذات صبغة تمثيلية سياسية هناك سبب متزايد للتساؤل عن هدف هذه الاموال.

رابعا: وقد يكون هذا أحد أهم المعايير؛ علنية وشفافية معايير الدعم وكيفية حصولها، سرا ام علنا وهل تكون مفتوحة للاطلاع والمراجعة والمساءلة – من يحصل على ماذا ومقابل أية خدمة. كلما كانت الامور تحدث سرا وليست علنية، وكلما كانت معايير التمويل غير واضحة ومبهمة كلما زاد السبب للاعتقاد ان من يتلقى الاموال يخجل من نفسه وان لديه ما يخفيه وهناك مجال للتلاعب في الاموال وهناك سبب لدى الجمهور ان يتساءل عن هدف ومصير هذه الاموال.

هذه مجرد افكار أولية جدا حول موضوع التمويل الخارجي قد تصلح مدخلا فقط لتحليل ظاهرة دعم مؤسسات يهودية أمريكية لبعض الجمعيات التي تقف مع المشتركة لرفع نسبة التصويت. هذا مجرد مدخل وأما الحديث عن التصهين والتدجين وهو حديث هام جدا فعليه انتظار مناسبة أخرى قريبة جدا ويضيق المجال هنا لمناقشته.

ختامًا يجب الإشارة باقتضاب وإيجاز، الى أن هناك أهمية خاصة لمواكبة وتحليل ونقد ما يجري في الجبهة تحديدا، بوصفها الجسم السياسي الوطني الأكبر والمركزي، وبالتالي فالحاصل فيها يؤثر على سائر الأحزاب وعلى مجمل العمل السياسي بين الفلسطينيين في إسرائيل.

صورة: "هذه مجرد افكار أولية جدا حول موضوع التمويل الخارجي قد تصلح مدخلا فقط لتحليل ظاهرة دعم مؤسسات يهودية أمريكية لبعض الجمعيات التي تقف  المشتركة لرفع نسبة التصويت"

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب