news
ملحق الجمعة

كبير مسؤولي الداخليّة اقترح تجنيد مدسوسين لتخريب نشاطات يوم الأرض 1976| هشام نفاع

نشر معهد "عكيفوت" لدراسة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، قبل فترة، صفحات من بروتوكول جلسة للحكومة في أواسط اذار 1976، عشيّة يوم الأرض الخالد. وهي تقدّم مجددًا صورة عن لهجة التوجّهات الرسميّة لضرب الإضراب، سواء أكانت توجّهات تدعو لاستخدام ما بات يُعرف بـ"القوّة الناعمة"، أو لممارسة قوّة البطش البوليسي والترهيب المخابراتي.

في الجلسة الحكومية التي عقدت بتاريخ 14 آذار دعم "مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية"، آنذاك، شموئيل طوليدانو، الرد المعتدل على نشاطات الاحتجاج المخططة. ومما قاله: "يجب أن تكون هناك قرارات ولكن ليس استفزازات". ومثله ايضا قال وزير الشرطة شلومو هيلل: "يجب الافتراض أن الأمور قد تتدهور هنا وهناك الى إغلاق شوارع بالحجارة والإطارات ورمي الحجارة"، لكنه لم يتوقع أكثر من ذلك وفقا لأقواله.

بالمناسبة، يتفق هذا مع تقييم قيادة الجماهير العربية، التي سجّلت: "اعترف مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية، شموئيل طوليدانو ، بأن سياسة الحكومة تجاه العرب في إسرائيل تطمس الفوارق بينهم وبين سكان المناطق المحتلة، من حيث موقف الدولة منهم". (الكتاب الاسود عن: يوم الارض 30 آذار 1976،؛ ايلول 1976؛ مطبعة الاتحاد التعاونية، حيفا، شارع الوادي 43).

كان الى جانب هؤلاء من دعوا الى القيام بردود عنيفة على أي احتجاج مخطط، مثل مدير عام وزارة الداخلية حاييم كوبِرسكي الذي قال إن وجودًا كبيرًا لـ"حرس الحدود" في البلدات العربية في تلك الايام المتوترة سيُخفض من الدافعية العربية للمشاركة في الاضراب. وقد اقترح القيام بعمليات تخريب مباشرة للإضراب والمظاهرات، بواسطة تجنيد عناصر استفزازية وكذلك تهديد المقدرات الاقتصادية العربية. وقال حرفيًا:

"يمكن تجنيد أشخاص من داخل السكان [العرب] للقيام بعمليات تفجير لهذه الاجتماعات. من المحظور ان نكون خاملين تجاه الأمر. هناك امكانية لعدد من الممارسات بمساعدة الحكومة وضريبة الدخل. مثلاً أن يقوم عناصر الشرطة مع عناصر الشاباك بالتنقل من مصلحة تجارية الى أخرى والقيام بعملية بسيطة هي عبارة عن تسجيل أسماء أصحاب المصالح. هذا الأمر بحد ذاته يمكن ان يُحدث تأثيرًا نفسيًا جديًا جدًا".

هذه النقطة عن استخدام "استفزازيين" أي من اعتادت جماهيرنا الواعية تسميتهم بالمدسوسين، غاية في الأهمية. فمن المحتمل أن عمليّات التخريب لم تكن بصورة الاعتداء على المتظاهرين، بل بالعكس: العمل من صفوفهم والقيام بتمثيلية تشمل مثلاً حجرًا على قوات البوليس ليكون المؤشّر على موعد البدء بالبطش. الحجارة التالية كانت طبيعيّة طبعًا. لا حاجة للتساؤل: أهكذا تتعامل دولة مع مواطنيها، بأساليب البلطجة والزعرنة والمافيا؟!

(هناك توثيقات مصوّرة عن ممارسات مشابهة تقوم بها عناصر ما يسمى "المستعربين" في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967).

كذلك فإن نائب مفتش الشرطة العام الياهو ديكل اقترح زيادة جدية ومكثفة لوجود الشرطة و"حرس الحدود" على وجه الخصوص في البلدات العربية، لأنه يمكن لهذا برأيه ان يضيّق من نطاق نشاطات الاحتجاج. وقد أضاف بلغة ساخرة وعنيفة أنه فقط بمثل استعراض القوة هذا يمكن اقناع "الاصدقاء المحترمين أن الامور ليست بمثل تلك السهولة".

في عدد "الاتحاد" بتاريخ 16 اذار، بعد يومين على هذه الجلسة الحكومية، نقلت الصحيفة تقريرًا عن إغراق الناصرة بعناصر البوليس و"حرس الحدود" بحجّة "محاربة العصابات الإجرامية ومراقبة نظام الأمن العام"، مؤكدة أنه "لم يشكّ أحد من أهالي الناصرة بأن هدف هذه الهجمات إثارة الرعب بين السكان في المدينة" عشيّة الإضراب.

هذا التوجه العنيف لم يوجّه في خطاب الجلسة الحكوميّة ضد العرب فقط بل، كما هو متوقع وطبيعي، سعى الى ضرب أيّ توجه نقدي في المجتمع اليهودي. فقبل أسابيع من يوم الأرض عرض البرنامج التلفزيوني الساخر الشهير آنذاك، "نيكوي روش"، فقرة حادّة ناقدة لسياسة الحكومة، ومما جاء فيها: "تهويد الجليل، طبعا، تهويد الحليل، صحتين ، تهويد الجليل، حلو جداً، ولكن ليكن هذا منصفا وعادلا".

وزير الشرطة هيلِل لم يكن راضيًا من هذه الفقرة التلفزيونية، فاقترح استخدام الضغط لوقف أي نقد. ومما قاله: "يجب التوجّه الى محرّري الصحف والتلفزيونات وتنبيههم الى المخاطر الكامنة بهذه الامور في حال خرجت عن سيطرتنا".

عقليّة الرقابة والملاحقة والتهديد لا يمكن أن تكون غريبة على جلسة قام فيها أحد المشاركين، المُشار إليه بالحرف (ب) وتم محو اسمه بخط أسود عريض، وهو ممثل الشاباك كما يُستنتَج، بتقديم صورة استخباراتية للمشاركة المتوقعة في الاضراب وسائر النشاطات الاحتجاجية. وقد أشار بشكل خاص الى وجود علاقة طرديّة بين المشاركة في هذه البلدة أو المنطقة أو تلك، وبين قوّة وتأثير الحزب الشيوعي فيها. مثلا، مما قاله:

"لقد فعّلنا رجالنا في الميدان لفحص الوضع ولإجراء محادثات للفحص والاقناع (...) الوضع في الجليل اليوم مبني بالأساس على التقييمات التي اجريناها أمس. في الجليل، قرية الجش، البقيعة، حرفيش وبيت جن سيكون هناك تجاوب مع الإضراب وخصوصًا في أطر تأثير الحزب الشيوعي. في منطقة الشاغور هناك نشاط كبير للحزب الشيوعي وهم ينظمون سفريّات من اجل الانضمام الى المظاهرات. رئيس مجلس الرامة هو الوحيد في المنطقة الذي يعلن انه سيعمل بروح الاجتماع [اجتماع لجنة الدفاع عن الأراضي الذي قرّر الخطوات الكفاحيّة] وليس مستعدا لإقناع الناس بعدم التظاهر والاضراب. في منطقة الجليل الغربي يجمع اعضاء الحزب الشيوعي تبرعات لاستئجار باصات للمظاهرات وهناك نشاط وتجاوب كبيران في كفر ياسيف، ابو سنان ، المكر والجديدة".

مسؤول الشاباك يتطرّق الى البطوف ويقدر أن "المشاركة ستكون كاملة" في الاضراب، وكذلك في الناصرة والرينة والمشهد. ويشير الى المثلث قائلا إن فروع الحزب الشيوعي في قرى المثلث ووادي عارة "تعمل بشكل ذكي، وخشية من رد السلطة على اضراب المدارس تنشط كي يُعلَن الاضراب من قبل لجان الطلاب والأهالي وليس من المديرين والمعلمين. ستكون المدارس مفتوحة والمعلمون هناك، ولكن أعضاء لجان الطلاب التي تقودها الشبيبة الشيوعية وكذلك لجان الأهالي، هم من سيقومون بوقف التعليم ومواجهة تحركات السلطات".

مهمّ التأكيد هنا أن توجهات من كان يجري وصفهم بـ"المعتدلين"، ربما اختلفت في الأسلوب عن المغالين العنيفين، لكنها ظلّت تلتقي تمامًا في الهدف السلطوي الواحد: تهويد الجليل ومحاصرة العرب في حضورهم وملكيّتهم وأرضهم، وبالتالي في آفاق تطوّر بلداتهم. واقع الحصار ونتائجه اليوم، دليل على ذلك.

لقد أثبتت النتيجة التاريخية أن اللغة الرسمية لدى السلطات الإسرائيلية في "حوارها" مع العرب حين يطال قضاياهم الجماعية المصيرية الكبرى، ليست لغة مدنيّة أبدًا. بل لغة بطش لا يخجل بها أيّ استعمار.

 

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب