news-details
ملحق الجمعة

لماذا أغفل العرب دور العراق في حرب تشرين عام 1973 (3)

في المقال السابق افترقنا عند وصول القوات العراقية الى دمشق وكانت كل السبل مغلقة أمامها لأن احدًا لم يهتم بها، أو يرشدها ويعلمها عن المهمات المكلفة بها، وبعد ان ثار قائد القوة العراقية العقيد الركن سليم شاكر الاماني في وجه الضابط السوري ويدعى عمر وكان رئيسًا لإركان قوة الارتباط، قال له في اللهجة العراقية "عيني تريدنا نرجع الى بغداد" خجل الضابط السوري بعد أن سمع ما سمع من الضابط العراقي.. وأجابه: كل الأوامر التي لدينا تؤكد بتوجيه القوات الى الجبهة، سارع الضابط العراقي الى القول، فليكن ولكن أية جبهة؟ كل الجولان جبهة، أو كل الهضبة السورية ساحة قتال، فإلى أين أذهب؟ وأي طرق أو مسلك اختار؟ هل أذهب الى قاعدة "قطنا الجوية" عل وعسى استطيع الاتصال بالأركان العامة، أم أواصل التحرك والسير على طريق القنيطرة.. 

يقول القائد العراقي: لكنني استبعدت الاحتمالين، إذ لا بد أن تكون القاعدة الجوية مشغولة بمهامها، أما القنيطرة فالوصول اليها يعني الدخول وسط ساحة القتال، في الوقت الذي لا تزال فيه دبابات اللواء المدرع محمولة على الناقلات، فأين سأقف لإنزالها من على الناقلات، وأي ساحة أو متسع يكفي لذلك ؟ بقي أمام قائد اللواء كما يقول فرصة واحدة، ان يسلك الطريق العام والرئيسي من دمشق الكسوة، الصنمين، الشيخ مسكين، درعا، وعند كل بلدة هذا الطريق هناك طريق وأكثر يتجه غربًا نحو هضبة الجولان، ومن يدري ربما التقي أو أهتدي الى مقر أو مركز قيادة سوري يستطيع التعامل مع لواء مدرع بامكانه تغيير سير المعركة، ان هذه الفوضى والضياع يذكرنا بالكارثة التي سببتها الجيوش العربية التي ارسلتها الجامعة العربية للقتال في فلسطين عام 1948، فقد دخلت الجيوش العربية دون استعداد ودون تنسيق مسبق، وفشلت جميعها في اخضاع هذه الجيوش لقيادة عسكرية واحدة، تدير العمليات وتوجه هذه الجيوش الى المهمات التي كلفت بها، فعمل كل جيش لوحده، وهذا كان احدى عوامل الفشل والهزيمة.

يضيف العميد الركن شاكر سليم الاماني القائد العراقي أنه بعد اجتياز قواته لمدينة دمشق، تولت مفارز الشرطة العسكرية – الانضباط العسكري السورية – السيطرة وقامت بتوجيه أرتال اللواء التي توحدت وانطلقت على طريق دمشق – درعا، وللحقيقة والتاريخ فإن هذه المفارز قامت بعملها بصورة مهنية، مستخدمة الدراجات النارية في تحركاتها، لكن هذه المفارز لم تكمل مهمتها التي كانت من المفترض ان تقوم بها مثل توفير خرائط توزيع القطاعات العسكرية.

مع ذلك واصلت القوات تحركاتها في طريقها الى الجبهة دون توقف بعد خروج ارتال المدرعات من محيط دمشق، أصبح حجم وكثافة السابلة السورية، المدنية منها والعسكرية يتناقص.

بعد ساعة من خروج القوات العراقية من دمشق باتجاه الجبهة، ولكن دون مرافقة أو توجيه من القوات السورية، أثناء تقدمها تحت جنح الظلام، مرت باحدى النقاط العسكرية السورية تواجد فيها ضابط برتبة عقيد اسمه الأول فؤاد، قدم نفسه لقائد القوة العراقية بأنه من الشؤون الادارية، أصيب القائد العراقي بالذهول عندما همس الضابط السوري باذن زميله العراقي وقال له : ان القيادة السورية تنفست الصعداء عندما خرجت الارتال المدرعة العراقية من دمشق، لأن هذه القيادة كانت تخشى أن يقوم الجيش العراقي بالاستيلاء على السلطة في العاصمة السورية، نكاية بفرع حزب البعث السوري الذي كان يقوده حافظ الأسد، ولأن هذا الفرع كان معاديًا ً لفرع حزب البعث العراقي، الذي كان يقوده أحمد حسن البكر، اذا كانت هذه الحادثة صحيحة فهذا مؤشرًا خطيرًا ويعكس طبيعة العلاقات بين الأقطار العربية، حتى في أشد الحالات الحرجة، ويذكرنا كيف حاول بعض الضباط في الجيش السوري بقيادة حيدر الكزبري من القيام بانقلاب عسكري مستغلين هزيمة سوريا وتراجع جيشها عن هضبة الجولان عام 1967.

وهذا يصنع فرضية تاريخية وهامة، وهي أن الدول التي تخضع لمثل هذه الفئات الحزبية لا يمكن أن تحظى باستقرار سياسي، ولا يمكن أن تنتصر في أية معركة من المعارك العسكرية وغير العسكرية.

كما أن هذه المحطات المثيرة من تاريخ العديد من الأنظمة العربية تذكرنا مرة أخرى بنكبة شعبنا عام 1948، ومما حدث أثناء ما عرف بحرب عام 1948، فقد ذكر المؤرخ عارف العارف أن عبد الله بن الحسين ملك الاردن لم يسمح للقوات العراقية التي كانت متوجهة الى فلسطين عام 1948 من المرور من عمان، رغم ان نظام عمان وبغداد توأمان خشية أن يسيطر الجيش العراقي على عمان، ويسيطر على نظام الحكم، فاضطر الجيش العراقي أن يدخل فلسطين عن طريق جسر المجامع وغور الاردن، وقد تكبد هذا الجيش خسائر فادحة أثناء محاولاته التقدم عبر الأغوار للسيطرة على منطقة كوكب الهوى الاستراتيجية الواقعة بمحاذاة غور الاردن، وبعد نجاحه بهذه المهمة عادت قيادته وامرته بالعودة من حيث أتى والدخول الى فلسطين من خارج عمان للوصول الى نابلس والتمركز في المثلث الجنوبي.

كما أن الملك عبد الله رفض أيضًا دخول بعض وحدات جيش الانقاذ الى العاصمة عمان في طريقها الى اواسط فلسطين للوصول الى مدينة يافا وبعض المناطق الساحلية، فاضطر هذا الجيش أن يمر بطرق وعرة اعاقت تقدمه، ووصل الى مواقعه منهكًا، مما جعل قتاله محدودًا هزم في كافة المعارك التي خاضها.

ما حدث في الجولان السوري عام 1973 وقبله في عام 1967 وقبله عام 1948 يؤكد أكثر ما يؤكد بأن كل ما يقال بأن التاريخ يكرر نفسه أكثر ما ينطبق على شعبنا بمعناه السلبي.

اتضح للقائد العراقي ان الضابط السوري الذي يدعى فؤاد لم يملك أية معلومات أو خرائط بالامكان الاستعانة بها للوصول الى المواقع الملائمة في الجبهة، كانت مهمة هذا الضابط الذي كاد أن يفجر فتنة مهمة ادارية لوجستية، أي توفير العتاد والوقود والماء والطعام ومواد احتياطية وملابس.

قدم القائد العراقي الشكر والامتنان وطلب ابلاغ الاركان العامة عن وضع القوة العراقية المتقدمة، لكن الضابط السوري اعتذر لأن هذا ليس من صلاحياته، انتهى اللقاء والحديث بين الضابطين العراقي والسوري يقول القائد العراقي للضباط السوري، والله أنا لا أعرف اين سأنهي مع جنودي، رغم معرفتي المطلقة بأن سوريا بحاجة الى عدد كبير من الدبابات.

يتبع

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب