"إن من عظمة اميل توما واعتزازنا بذكراه المئوية، أنه تمكن منذ مطلع شبابه، بحسه الثوري وثقافته الشاملة ومستنيرا بنظرية الفهم المادي للتاريخ من التقاط الواقع بأعقد صوره وتطويعه وتشريحه وتحليله وعرضه على عامة الشعب مرفقا بالتوجيه الصحيح، وتحويل الفكرة والتحليل العلمي، الى قوة سياسية، والى برنامج كفاحي واضح المعالم للتغيير الثوري تدركه وتقتنع به جماهير العمال والفلاحين وعامة الشعب، يدغدغ آمالها ويحفزها على النضال لتحقيق طموحاتها التحررية."

"ظهرت في العام 1919 القوتان الرئيسيتان اللتان ستقودان الحركة الجماهيرية المعادية للمشروع الكولونيالي في فلسطين: الحركة الوطنية الفلسطينية، والحركة الشيوعية في فلسطين.(سميح سمارة- العمل الشيوعي في فلسطين: الطبقة والشعب في مواجهة الكولونيالية). ومن المفارقات أن يكون العام 1919 هو عام ولادة القائد الوطني والشيوعي الكبير إميل توما في حيفا، وهو الذي سيلعب لاحقا دورا قياديا بارزا ومتميزا على مستوى الحركتين الوطنية الفلسطينية و الشيوعية في فلسطين على مدار عشرات السنين.

ويسجل التاريخ لإميل توما أنه اقتحم الواقع المعقد والمؤامرات الدولية الهائلة على مستقبل شعبه الفلسطيني وعلى وطنه فلسطين مع مجموعة من رفاقه الرواد الشباب أبرزهم توفيق طوبي وإميل حبيبي وفؤاد نصار ومعهم الشيوعي القديم بولس فرح ليبنوا المؤسسات وآليات الكفاح الوطني، لتكون بديلا عن آليات السياسة التقليدية المتماشية مع نهج القيادة التقليدية المهادنة للرجعية العربية والمسايرة لحساباتها، وانعكس ذلك في تأسيس عصبة التحرر الوطني، وقبلها تأسيس نادي شعاع الأمل في حيفا، والنقابات المستقلة، وإصدار جريدة الاتحاد في 14 أيار 1944، والتي كان اميل توما رئيس تحريرها الاول ومحررها المسؤول بالتتالي مع توفيق طوبي، وهي الجريدة التي ما زالت تصدر في حيفا حتى اليوم كجريدة يومية وحيدة ناطقة باللغة العربية في اسرائيل.

لقد حوّل هؤلاء الشيوعيون الشباب جريدة الاتحاد ومن بعدها مجلة الجديد ومجلة الغد للشباب ومجلة الدرب ومختلف المؤسسات الثقافية، لتكون الحاضنة الوطنية الاساسية لبلورة الفكر السياسي والثقافة الوطنية والاجتماعية للأقلية القومية التي بقيت في وطنها بعد نكبة الشعب الفلسطيني، ولتكون ولاّدة أدب المقاومة والصمود وولّادة شعراء المقاومة وأدبائها وولّادة ثقافة الكف التي تلاطم مخرز الظلم والاضطهاد القومي، وفتحت النوافذ والأبواب على مصاريعها على الثقافة التقدمية العالمية والفكر الاممي المقاوم للعنصرية في كل مكان، وانتقلت بالأقلية القومية الفلسطينية الباقية في وطنها من نفسية النكبة الى نفسية المواجهة والصمود.

إن من عظمة اميل توما واعتزازنا بذكراه المئوية، أنه تمكن منذ مطلع شبابه، بحسه الثوري وثقافته الشاملة ومستنيرا بنظرية الفهم المادي للتاريخ من التقاط الواقع بأعقد صوره وتطويعه وتشريحه وتحليله وعرضه على عامة الشعب مرفقا بالتوجيه الصحيح، وتحويل الفكرة والتحليل العلمي، الى قوة سياسية، والى برنامج كفاحي واضح المعالم للتغيير الثوري تدركه وتقتنع به جماهير العمال والفلاحين وعامة الشعب، يدغدغ آمالها ويحفزها على النضال لتحقيق طموحاتها التحررية.

"إقصاء إميل توما عن مواقع القيادة العليا في الحزب الشيوعي الاسرائيلي حتى اواسط ستينيات القرن الماضي لم يكن مبررا، وقد يحتاج كلمة يقولها الحزب الشيوعي الاسرائيلي في مناسبة مرور قرن على ولادة اميل توما في تزامن مع مرور قرن نشوء الحركة الشيوعية في البلاد."

كان إميل توما رجل اللحظات التاريخية الحاسمة والشخصية المعتمَدة في لحظات الانعطاف الخطيرة في تاريخ شعبه وفي نضال الشيوعيين الفلسطينيين وعصبة التحرر الوطني.  وحين تركزت عصبة التحرر الوطني في المعركة على تأكيد الطابع التقدمي والديمقراطي للحركة الوطنية الفلسطينية لجعلها تتسع للزخم الشعبي والمشاعر الوطنية الأصيلة للجماهير الشعبية وتعبر عن طموحاتها، وفي النضال من أجل تحقيق الوحدة الوطنية وتعميق استقلالية الحركة الوطنية الفلسطينية قررت عصبة التحرر الوطني العمل على تأسيس "جبهة عربية عليا"، لتقود الشعب الفلسطيني، وتطرح حلا ديمقراطيا للقضية الفلسطينية، وكان طبيعيا أن تلقي العصبة بهذه المهمة على إميل توما، الذي نجح في التوصل الى إقامة" الجبهة العربية العليا" في 2 حزيران 1946، والتي شملت عصبة التحرر الوطني، ومؤتمر العمال العرب، وأحزاب الاستقلال والإصلاح، والدفاع، والكتلة الوطنية ومؤتمر الشباب. وعندما قرر الحزب الشيوعي الاسرائيلي في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي إقامة الجبهة العربية/ الشعبية في المعركة لاسقاط الحكم العسكري والتصدي لسياسة الاضطهاد القومي والمصادرة، ألقت بالمهمة على اميل توما فقامت الجبهة الشعبية، وعنما قرر الحزب المبادرة الى تنظيم مؤتمر قطري لتحرير الاوقاف الاسلامية ووضعها في خدمة الشعب لعب إميل توما دورا محوريا في إنجاح المؤتمر المنعقد في عكا، وعندما تقرر إقامة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة عام 1977، كان إميل توما مكلفا بها، وعندما قرر الحزب التحضير لمؤتمر الجماهير العربية المحظور على أساس وثيقة السادس من حزيران التي جاء فيها: "نحن أهل هذا الوطن ولا وطن لنا غير هذا الوطن، حتى لو جوبهنا بالموت نفسه فلن ننسى أصلنا العريق، نحن جزء حي وفاعل ونشيط من الشعب الفلسطيني"، ألقى الحزب على اميل توما مهمة قيادة اللجنة التحضيرية لهذا المؤتمر، ومهمة قيادة المعركة للتصدي لقرار مناحيم بيغن حظر المؤتمر وحظر وثيقة السادس من حزيران 1980 وإخراجها خارج القانون.

وكما يليق بقيادة ثورية، فإن إميل توما ورفاقه لم يدعوا الى النضال نيابة عن الناس، وانما عملوا على تسييس الناس واستنهاض وعيهم، وتوعية الطبقات الشعبية، ومدها بالأمل وتعبئتها الى النهوض للنضال لإحداث التغيير الثوري. من المعركة على البقاء في الوطن في وجه مؤامرات الترحيل والتشريد وفي مواجهة النكبة، الى المواجهة مع جزاري مجزرة كفر قاسم عام 1956، الى انتفاضة العاشور التي انطلقت في مظاهرة اول ايار في الناصرة في العام 1958، الى اسقاط الحكم العسكري، الى معركة يوم الارض الخالد، الى وثيقة السادس من حزيران ومؤتمر الجماهير العربية المحظور عام 1980.

لقد كانت مجلة فلسطين الثورة الناطقة بلسان منظمة التحرير الفلسطينية واضحة جدا ودقيقة وهي تحدد في افتتاحيتها غداة رحيل القائد إميل توما في 25 آب 1985:" إن إميل توما لم يراقب التاريخ ثم يسجله من موقع المحايد، إميل توما، شارك في صنع التاريخ، ثم سجله من موقع الملتزم ". وأضافت فلسطين الثورة: "إن الفلسطينيين الباقين في فلسطين لم يذهبوا في مهب الريح. وكان لإميل توما وحزبه دور حاسم في هذا العمل بكل المقاييس، الفلسطينيون الباقون منهم والعائدون الى دولتهم المستقلة، لن يذهبوا الى أي نسيان كان، فإميل توما ترك للأجيال تاريخاً صحيحاً للقضية العادلة "...

إميل توما والعصبة وقرار التقسيم

كان إميل توما أبرز قادة عصبة التحرر الوطني الذين عارضوا قرار التقسيم في 29 نوفمبر 1947، وهو القائد الوحيد في العصبة الذي عارض قرار التقسيم من دون ان يعتكف عن العمل السياسي الجماهيري الوطني والشيوعي مستقبلاً كما فعل آخرون. وفي مقابلة أجراها معه في حيفا د. موسى البديري الباحث في تاريخ الحركة الشيوعية والحركة العمالية في فلسطين في 3 نيسان 1974،  يذكر إميل توما ردا على سؤال: "لم أشارك في أي من الاجتماعين اللذين أجرتهما عصبة التحرر الوطني في مدينة الناصرة. وأذكر انه في اليوم الذي اتخذ فيه قرار التقسيم سافرت الى القدس برفقة الرفيق توفيق طوبي لاجتماع سكرتارية العصبة، وكنت العضو الوحيد الذي عارض التقسيم... وقد فضّلت عدم الاشتراك في اجتماع الناصرة الذي عقد لاحقا حتى لا يحدث انشقاق في صفوف العصبة. وفي اليوم الذي سبق سقوط حيفا في أيدي القوات اليهودية تم إيفادي من قبل العصبة الى بيروت في مهمة حزبية، وقد ألقي القبض علي هناك، حيث مكثت في السجن مدة أربعة أشهر، وعند عودتي الى فلسطين طلب مني الرفاق في العصبة أن أقوم بنقد ذاتي لمواقفي المعارضة للتقسيم ".

في اليوم التالي لقرار التقسيم في 30 نوفمبر 1947 حددت جريدة الاتحاد التي كان اميل توما محررها: "إن التقسيم ليس بالحل النهائي للقضية الفلسطينية ولكنما هو مرحلة قادت اليها مكائد المستعمر البريطاني نفسه، ولكن الحل النهائي للقضية الفلسطينية هو بين ايدي أهل فلسطين في استقلال وطنهم وفي تعاونهم السلمي الانشائي على بناء دولتهم المديمقراطية ". وأضافت: "من المؤسف أن يتجاهل البعض أن تقسيم فلسطين لن يبتدئ عندما تقر منظمة الأمم المتحدة هذا المشروع، لأن التقسيم قد ابتدأ منذ وطئت أقدام المستعمر البريطاني أرض فلسطين".

... وتؤكد الاتحاد: "إن النضال في سبيل وحدة فلسطين لن يأتي بإثارة النعرات العنصرية والتهديد بالمذابح الدينية، فهذا من شأنه أن يؤكد التقسيم ويثبته.لا أكثر ولا أقل، انما النضال في سبيل وحدة فلسطين هو نضال ضد تراث الدماء والدموع الذي سيتركه المستعمر البريطاني وراءه، هو نضال في سبيل إزالة شعور التوتر بين العرب واليهود، هو نضال في سبيل إزالة الفوارق الاقتصادية بين الجماهير العربية والجماهير اليهودية، هو نضال في سبيل تقدم الجماهير العربية نفسها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وهو نضال في سبيل الديمقراطية في فلسطين، وهو نضال في سبيل تحقيق حرية فلسطين وسد ابوابها أمام المستعمرين. هو نضال في سبيل التعاون بين الجماهير العربية واليهودية".

"وكما يليق بقيادة ثورية، فإن إميل توما ورفاقه لم يدعوا الى النضال نيابة عن الناس، وانما عملوا على تسييس الناس واستنهاض وعيهم، وتوعية الطبقات الشعبية، ومدها بالأمل وتعبئتها الى النهوض للنضال لإحداث التغيير الثوري"

وأصاب سميح سمارة في كتابه المذكور سابقا حين قال: " إذن وحتى هذه اللحظة فالمسألة ليست من يؤيد قرار التقسيم او من يعارضه، فالعصبة تؤكد علنا على رفضها الحاسم للقرار، لكن المسألة تتركز على كيفية خوض النضال ضد التحالف الامبريالي – الصهيوني – الرجعي العربي، أي كيفية القتال ضد أن يصبح قرار التقسيم أمرا واقعا. (سميح سمارة – العمل الشيوعي في فلسطين ص 291).

وتشكل رسالة النقد الذاتي التي قدمها اميل توما بعد عودته الى حيفا في نيسان 1949 بعد أن أمضى عاما في لبنان، وثيقة هامة تلقي الضوء على طبيعة النقاش السياسي المعقد والمواقف المركبة التي كان على العصبة أن تتعامل معها والتي كانت إزاءها كل خياراتها خيارات مُرّة. والحقيقة ان هذه الوثيقة تتطلب مني معالجة منفصلة لا يتسع لها هذا المقال، وأتيح لنفسي أن أدّعي أن القضايا التي جاء عليها إميل توما تتطلب إعادة النظر او على الاقل إعادة التقويم، ليس لمواقف اميل توما بالأساس وانما لفرضيات كانت قد تبنتها قيادة العصبة وقيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني PKP، وقيادة الحزب الشيوعي الاسرائيلي حتى هذه الفترة وفي صلبها طابع ما أطلق عليه السياسة الجديدة للعصبة والسياسة القديمة والمراوحة بينهما. وذلك باعتبار أن إعادة التقويم اليوم بعد مرور ما يزيد على سبعة عقود، لن تتم في عالم من الفرضيات وانما في الواقع التاريخي، فتاريخ العقود السبعة الماضية المعنية حاضر أمامنا والعمليات التاريخية التي جرت فيها واضحة المعالم ومن شأن ذلك ان يعطي معنى آخر يتجاوز التقييمات النظرية والتحليلات المستقبلية وهو ما يعطينا الفرصة للتقويم قياسا على التطور التاريخي ذاته.

واليوم ونحن منغمسون في مئوية تأسيس الحركة الشيوعية في البلاد ونشوء أول نواة شيوعية في العام 1919، فإن أحد واجباتنا الأساسية هو إعادة التقويم وإعادة النظر بشكل نقدي في عدد من الفرضيات التي طرحتها الحركة الشيوعية بما فيها عصبة التحرر الوطني ومنها تلك التي اصطدمت بموقف اميل توما من قرار التقسيم.. واذا تطلب الامر سيمتلك حزبنا الشجاعة لإعادة نظر نقدية في عدد من القضايا التاريخية بما فيها إعادة تقويم مواقف اميل توما من قرار التقسيم. وفي تقديري الاولي فإن إقصاء إميل توما عن مواقع القيادة العليا في الحزب الشيوعي الاسرائيلي حتى اواسط ستينيات القرن الماضي لم يكن مبررا وقد يحتاج كلمة يقولها الحزب الشيوعي الاسرائيلي في مناسبة مرور قرن على ولادة اميل توما في تزامن مع مرور قرن نشوء الحركة الشيوعية في البلاد.

"تشكل رسالة النقد الذاتي التي قدمها اميل توما بعد عودته الى حيفا في نيسان 1949 وثيقة هامة تلقي الضوء على طبيعة النقاش السياسي المعقد آنذاك"

الكانب رئيس معهد اميل توما للدراسات الفلسطينية والاسرائيلية

 

إعلانات

;