news-details
ملحق الجمعة

نبيل عمرو يستعيد أيّام نكسة حزيران في باكورته الروائيّة


*نبيل عمرو . وزير إعلام الحرب. رواية. دار الشروق للنشر والتوزيع. عمان-رام الله الطبعة الأولى 2019*

بداية، يقول الكاتب:

"هذا النصّ، استعدتُ وقائعَه من ذاكرتي، قمتُ ببعض التّصرّف بأسماء الأشخاص والأماكن، وكل ما عدا ذلك كان حقيقيّا".

ويكاد نبيل عمرو في تقديمه أنْ يلخّصَ لنا نصّه. فكلّ ما ورد فيه من وقائعَ انحصرت في ثلاثة أيام: "يوم استبدّ فيه الشّبق للحرب، ويوم عاش فيه الناس نصرا مُبينا، ويوم سقطوا جميعا في قاع الهزيمة".ويُعلّق قائلا بألم جارح: "غير أنّ الأيام الثلاثة هذه لم تكن ساعاتُها مجرّدَ حساب للزمن بل صارت زمنا حَكَمَ ما بعده لخمسين سنة حتى الآن، والغيبُ وحده مَنْ يعرفُ النهاية".

تأخّرُ نبيل عمرو عن كتابة نصّه هذا يعود كما يقول "لانتقالات وانشغالات، أبعدَتْ فكرةَ الكتابة" ولكنّه يكشفُ السرّ القاتلَ بحزن واضح "فمع كلّ مصيبة وقعت في حياتنا منذ ذلك الحزيران هي حلقات مَصائب وكوارث، وكنتُ أكتشف أنّ حزيران 1967، كان جذرا تنبتُ عليه غابةٌ من حزيرانات أكبر وأفدح".

ما دفعه للكتابة عن تلك الأيام الحزيرانية البعيدة ما عايشه وشاهده وعذّبه في تشابهه وتكراره، وما يُثيره من ألم وحزن، ويُشيع من عذاب ويأس وغضب، تلك الأحداث التي رافقت استشهاد الشاب التونسي البو عزيزي، وتفجّر الغضب الشّعبي في العديد من الأقطار العربية، وبَشّر بربيع عربي جديد ومستقبل مُشرق طال انتظاره، لكنّ فداحةَ الواقع أظهرت بؤسَ الوضع، فالربيعُ كان مُتَخيّلا، وحقيقتُه جحيما، حتى بدا أمامه حزيران الأصلي طفلا، ربّما أنتجته الخطيئة، أمّا حزيران البوعزيزي فقد أنتج قَدَرا لا رادّ له، صار يُؤرّخُ للأيام والشهور والسّنوات بالجثث والهاربين إلى قاع البحر، ففيه أمان أكثر ممّا في الأوطان".

وينهي تقديمَه لنصّة بكلمات تُحزن وتُبكي وتنشر اليأس "كان أحمد سعيد في ذلك الحزيران القديم قد أصدر أوامره للسّمك في البحر بالاستعداد لاستقبال الجثث، وبعد خمسين سنة عرفنا أيّ جثث استقبلها البحر".

 وبنظرة تشاؤميّة "الناسُ هم الناس والبلادُ هي البلاد، وحزيران ليس شهرا ولا هزيمة ولا نكسة، هكذا فهمناه أوّل الأمر، أمّا في زمن البوعزيزي فيبدو أنّه قدَرٌ".(ص8)

هكذا يُهيّؤنا ويُدخلنا في أجواء الثلاثة أيّام المصيريّة التي قلَبَت وضعَ الناس وآمالَهم وأحلامَهم رأسا على عقب. وأنزلت بهم من أعالي النّشوة والثّقة واليقين واستعجالِ الآتي إلى أسفل درَجاتِ اليأس والحزن والاستسلام للقدَر الخائن الغدّار.

الأيام الثلاثة هي الرّابع والخامس والسادس من حزيران 1967، هذه الأيام التي عيّشت الناسَ في أوّلها ساعاتِ التّرقبِ والاستعجال لتحقيق الحلم بالنّصر الذي طالما انتظروه، وفي ثانيها نشوَةَ وَهْمِ تَحقّقِ النّصر والتّيقّن من أنّ ما حلموا به وانتظروه أصبح حقيقةَ، وفي ثالثها كانت الهزيمة والنّهاية لكلّ فرحة وحلم وأمل، والتّعلّق بوهم وخداع التّسمية لما حدَث "بالنّكسة" التي اعتقدوا أنها تُخفّفُ من وَقْع الألم، وتُبقي لهم بصيصَ أملٍ في مستقبل بعيد.

 

مكانُ الأحداث وزمنُها

اختار الكاتب مكانَ وقوع الأحداث قرية "كفر عرب" المتَخَيّلة، واتّفق جميعُ مَن تناولَ الرواية، وكذلك صاحبُها أنّها بلدة "دورا" الواقعة في الضفّة الغربية. واختيار اسم "كفر عرب" فيه الكثير من السّخرية والغضب، والإشارة القويّة إلى أنّ خداعَ الحاكم العربيّ للإنسان البسيط، في عالمنا العربي، واستسلامَ العربي للوهم ليعيشَ فيه ويشلَّ تفكيره وكيانَه ليست مقصورةً على الفلسطيني الضحيّةِ، وإنّما هي من نصيب كلّ عربي قُدّر له أن يولدَ ويعيشَ في هذا العالم العربي. وقد يكون قصَد بكلمة "كُفر" كفر الإنسان العربي بكلّ ما كان، وآمَن، وعايش، وتدلّ على رغبته في الانعتاق من هذه التّبعيّة القاتلة لهذا العالم العربي الذي يتحكّم به حُكّام سيئون جاهلون تابعون للغريب المذِلّ لهم فيقومون بإذلال وظلم أبناء شعبهم إرضاء للسيّد البعيد.

والزمن ثلاثةُ أيام حاسمة نقلت كلّ عربي، وخاصة الفلسطيني، من قمّة الفرح بتحقيق النّصر إلى أسفل الدرجات في هاوية الهزيمة والفشل وانتهاء كلّ بصيص نور.

 

حياةُ الناس العاديّين

عاش الناس في "كفر عرب"حياة عاديّة، فقيرة، بائسة، ولكنّ الطّيبة الأصيلة والمحبّة والتّعاون وتقاسم الهموم هي ما ميّزت علاقاتهم رغم بعض المماحكات والإشارات التي كانت تُحدّد انتماء الواحد، وهل هو من أهالي "كفر عرب" الأصليين أم من الذين لجأوا إليها عام 1948، أو اختارها لتكونَ مَسْكنَه. وجَمَع الأملُ المشترك بين الجميع، أنْ يأتي اليوم الذي يعودون فيه إلى بلداتهم وبيوتهم التي اقتُلعوا منها عنوة عام 1948. حتى أنّ البعضَ منهم كانوا يعتلون التلالَ لينظروا إلى بلدتهم التي تحوّلت إلى مستوطنة يهوديّة. وبعضُ الشباب شكّلوا مجموعة سمّوها "دوّاسي الظلمة" عملوا على التّسلل إلى المستوطنات المحاذية لكفر عرب، ويعودون بعد كلّ غارة بالمواشي السّمينة من خراف ونعاج وماعز وأبقار، وبالأسلحة التي يختلسونها من الحرّاس.

هذه الحياة الروتينيّة تغيّرت بسرعة وانقلبت لتكونَ صاخبة متغيّرة لا تعرف الهدوءَ منذ الساعة الرابعة من عصر الرابع من حزيران عام 1967 بوصول المراسل الحَربي على دراجته إلى مَخفر القرية ليُسَلّمَ القائدَ التّعليمات اللازمة ليُعمّمَها على أهل البلدة بمَنْع التّجوّل والتّجمّع والإضاءة، وكان الشيخُ جابر المحتفلُ بزواج ابنه فوّاز أوّلَ المتضرّرين من هذه التّعليمات، حيث حضر الملازمُ محمود وطلب منه أنْ ينهيَ الاحتفالَ لأنّ الحربَ قد تقع الليلة.

وكان اليوم الثاني الخامس من حزيران أسعدَ يوم في حياة كلّ فلسطيني وعربي وهو يستمع إلى خبر سقوط ثماني طائرات معادية من إذاعة صوت العرب. فقد عمّت الفرحة وشارك الجميعُ في حلقات رقص صاخبة،"خرج نعيم المهجّر من قرية الدوايمة عن طوره وبعض وقاره وشرع في رقص جنونيّ، فقد جاء يوم إعداد العدّة لوداع الصالون وكفر عرب والعودة إلى الدّوايمة. لم يبق نعيم وحده راقصا احتفاء باندلاع الحرب، فقد شاركه عدد من الدّبيكة الذين هم نجومُ الأعراس في "كفر عرب".وعلّق أحد الرّاقصين على قَوْل كَهْل عرَكته السنون :لماذا العَجَلة، لماذا الرّقص ونحن لم نعرف بعد خيرَ هذه الحرب من شرّها" بقوله له "إنّ اسقاط ثماني طائرات في أوّل وَجْبة، تكفي لاعتبار الحرب قد تكلّلت بالنّصر، والقادم سيكون أعظم". ورفع أبو علوان صورة زعيم الأمّة جمال عبد الناصر فاشتعلت القاعة بالتّصفيق والهتاف بحياة زعيم الأمّة بطل الحرب والنّصر، وعلا الصراخُ بأنّ زمنَ زعيم الأمة قد بدأ، وانطلقت زغاريدُ النساء اللائي تجَمعْن على أسطح البيوت، ومن وراء النّقاب الأبيض طارت الزّغاريد"(ص63-66). وسارت مظاهرة ضخمة نحو المخفر تهتف: "يا حكومة هاتي سلاح وخذي أرواح"(ص69) حتى النساء قُمن بمظاهرة تُطالبن المشاركة في المجهود الحربي والقتال، وأيقن الجميع أنّ الحرب حُسمَت بالنّصر المظفّر.

 وكان يوم السادس من حزيران الثاني من أيّام الحرب ولم يُعْلَن النّصر. ولم يخطب جمال عبد الناصر من تل أبيب، وبدأ القلق والملل يُسيطران على الكثيرين عندما بدأوا بإحصاء الطائرات المعادية التي أسقطتها بلاغات الراديو.(ص86)، "وبدأ أبو علوان صاحبُ المقهى، يُعاني من قلق أصابه بعد أن قام بحسبة بسيطة بينه وبين نفسه. كلّ طائرات إسرائيل سقطت وكلّ دبّاباتها دُمّرَت، ومعظم جنودِها قُتلوا أو جُرحوا فما الذي أعاق الجيوشَ عن الوصول إلى تل أبيب؟ وصارت البلاغات العسكريّة التي ما تزال تتوالى مصدرَ شكّ وقلق"(ص91).

وصُدم أبو علوان عندما علّق صديقُه على شكوكه من بلاغات الراديو، واعترفَ أنّه يستمع إلى راديو إسرائيل، وأنّ الحقيقة على عكس ما توهمُ به الإذاعات العربية وأنّه "إذا صدق راديو اليهود، فقد خلّصوا الحربَ في ساعة، يقولون إنّهم دمّروا جميعَ الطائرات العربية وهي على أرض المطارات، وإنّهم يقطعون المسافة نحو قناة السويس بسرعة الدبّابة، وإنّهم على بُعد ثلاثين كيلو مترا من دمشق وعمّان، وقرابة مائة كيلو متر عن القاهرة، وجنودُهم فجّروا الجسرَ الرّابط بين ضفتي البلاد؟"(ص94)

وكان الخبر الصّاعق أنّ الجيوش العربية انْهزمتْ، والجيش الإسرائيلي احتلّ هضبة الجولان السورية وسيناء المصرية والضفة الغربية وقطاع غزّة.واستقال زعيم الأمّة جمال عبد الناصر، وتحمّل مسؤوليةَ الهزيمة التي هزّت الجميعَ.

لم يُفاجأ الناس في "كفر عرب" عندما توقّفتْ سيارة عسكرية إسرائيلية على إسفلت كراج البلدة ونزلت منها ضابطة تحمل رشاشا قصيرا تسأل عن عبد الشَكي، وتطلب منه عندما حضر، أنْ يُبلغَ الناس بتسليم السلاح الذي يملكون للمخفر.

وتدفّق النازحون من قرية "بيت عوّا"على "كفر عرب"، وذلك لقيام الجيش الإسرائيلي بالانتقام من سكانها لما عانى جيرانُهم اليهود من مضايقاتهم سنوات ما قبل الحرب، وعمل على تدمير البيوت وتهجير السكان.(ص117)

 

الصدّمة الكبيرة وردّة الفعل الواعية

كانت الهزيمة كبيرة ولم يستوعبها الناس بسهولة للسرعة التي حدثت فيها وللنتائج التي أسفرت عنها. لكنّ العزاءَ ظل في وعي شرائح كبيرة من الناس وطريقة مواجهتم للذي حلّ بهم. صحيح أنّ الكثيرين استسلموا للهزيمة وآثروا تركَ بلداتهم وبيوتهم والهربَ إلى شرق النهر ليجدوا الملجأ والأمانَ ولقمة العيش، والبعض آثر البقاءَ وقبولَ الواقع، وعمل داخل إسرائيل ليوفّر ضمانَ العيش لأفراد أسرته، ولكنّ روح التّحدّي والصمود والرّفض والمقاومة لم تنعدم. فعندما جاء أهل "بيت عوّا" إلى بلدة "كفر عرب" مطرودين هاربين من جند الاحتلال الإسرائيلي لبلدتهم استقبلهم الشيخ جابر أبو الجود الذي بدا أنه كبر مائة عام، وقامتُه المستقيمة كالرّمح اعترتها انحناءة لم تُشاهَد من قبل، استقبلهم بقلب مجروح متألم لما حلّ بهم، ولكنّه خاطبهم بثقة وقوّة وعزيمة قائلا: "هذه الدار التي بمعزّة أولادي وأحفادي وعزّي وجاهي وأغلى ما أملك، لو نسفها اليهود فسوف أنصبُ خيمة على ركامها، وإنْ منعوني، أنصبُ خيمة في الوادي القريب. خلاصة ما أودّ قولَه لكم، لو انطبقت السماءُ على الأرض فلن أصيرَ لا أنا ولا مَن أمون عليه من أهلي وعشيرتي وأصدقائي وأنسبائي من أهل كفر عرب وكل قرى الجبل، لن أكون لاجئا في أيّ مكان آخر، وكلّنا يعرف بَهْدَلة اللجوء وقسوتَه وإهاناتِه، البقاء هنا هو حياتُنا وغيرُ ذلك الموتُ أرحم"(ص119)

هذه الكلمات أشعلت الثقة والعزيمة والأملَ في أفئدة شباب "بيت عوّا" فقرّروا العودة إلى بلدتهم وعمّروها من جديد.وشيخ المشايخ جابر أبو الجود نفسُه رفض التّعاون مع الضابط الإسرائيلي عندما عرض عليه التعاون "أنتم اليوم تحت حكم إسرائيل، ونعرف أنك حميتَ مصالحَ عائلتك وبلدك بمهادنة الإنجليز، والولاء للمصريين، ثم للهاشميين من بعدهم، ونأمل أن يتكرّرَ نفسُ الشيء معنا". وفهم الشيخ جابر قصدَ الكلام وردّد مع نفسه: " إنّهم يريدونني متعاونا وأنْ أجرّ البلدَ كلَّها ورائي"(ص180)" ففكّر ووزن كل كلمة، وأدرك أنّ الذي يقف أمامه ليس ضابطا أردنيا ولا مصريّا، ولا حتى انجليزيا ولا تركيّا. وقال" شوف يا حضرة الضابط، أنا شيخ مشايخ كفر عرب والجبل. ورثتُ مكانتي عن جدّي الشيخ عبد الرحمن. مرّ علينا الأتراك المسلمون مثلنا، وبعدهم جاء الإنجليز، وزارني كلوب باشا وكذلك فعل الملكُ الهاشمي عبد الله وحفيده الحسين وكذلك قبلهم جمال عبد الناصر، رحل الإنجليز ورحل كلوب باشا. نُصّ أرضي وأرض عائلتي قمتُم باحتلالها في العام 1948، والنصف الثاني احتلتوه امبارح، وأنا صار عمري ثمانين سنة،من ثاني يوم الاحتلال وأنا قاعد على هذا الكرسي، والناس بتيجي لعندي وبتروح. أقضي بينهم وأحلّ قدر ما أستطيع من قضاياهم. قرّرتُ أن أمشي في هذا الطريق حتى الممات وما ليش حيلة على طريق غيرو" ولما حاول الضابط تذكيره بأنّ جده حمى اليهود من مذبحة 1929 فهم الشيخ المغزى وأجابه " جدّي حمى ناس كانوا مُسالمين وعُزّل ومَساكين. لمّا عمل هيك لا كان في إسرائيل ولا كان في احتلال. الوضع في حالتنا اختلف . ويا عالم مين يحمينا من اللي حميناهم".(ص181-182).وبالمقابل قام موسى أبو علوان عاشق جمال عبد الناصر بتنظيم الشباب لمقاومة الاحتلال.

 

البطولة الموزّعة

قد تكون الأحداث، وخاصة حدثُ الحرب والهزيمة الأبرزَ والمسيطرَ على كلّ جوانب الرواية. ولكنّ للناس العاديّين كان دورُهم البطولي أيضا.

فقد يكون عبد الشقي "وزير إعلام الحرب" هو الأبرزُ بما تحلّى به من طيبة وبراءة وطبيعية ووعي ومَحبّة الجميع، وفي الوقت ذاته الوَعي الوطني برفضه تنفيذ طلب ضابطة الاحتلال منه مع إدراكه خطورة رفضه وإمكانية معاقبته وترحيله أو قتله. فقد رفض، وأوصى ولدَيْه أن يسيرا على خُطاه.

وقد يكون جابر أبو الجود هو البطل المثالي البراغماتي الذي رعى شؤونَ أهل بلدته والمنطقة وحافظ عليهم وحلّ مشاكلَهم وقدّم لهم كلَّ مساعدة يستطيعُها وذلك بحنكته وبصيرته الثاقبة من خلال تعاونه مع الذين حكموا البلاد من أتراك وإنكليز والحكم الأردني، ولكنّه بحسّه الوطنيّ القويّ رفض التعاونَ مع المحتل الإسرائيلي المختلف عن كلّ الآخرين، وقرّر الصمودَ والبقاءَ في بلدته وبيته، ودعا الآخرين ليعملوا عمله وكان الحافزَ لغيره بالتشبّث بالبقاء ومقاومة التّرحيل والطّرْد.

وقد يكون البطلُ موسى أبو علوان الذي استوعب الهزيمة ووثق بزعيمه وقرّر مقاومة المحتل بتنظيم فِرَق المقاومة لطرده وتحرير البلاد.

 

ملاحظات للكاتب، لها مَعناها ومدلولاتها

*يطرح الكاتب العديدَ من الإشارات الحادّة التي تُلقي الشبهات والتّهم على أصحاب القرارات من الحكّام. فالحربُ في حزيران خرج إليها العربُ بدون استعداد وتفكير وتروّ ودراسة لكل الجوانب المطلوبة، وإنّما قرارات اتّخذت نتيجة لردّات عاطفيّة متسرّعة.

*الاهمالُ الذي ساد العالمَ العربي، وتركُ الناس يعيشون في حالات فَقْر وبؤس ، لا أملَ يشدُّهم للعمل. فالشارعُ الوحيد المعَبّدُ في كفر عرب عبّده الانجليز أيام كانوا يحكمون البلد. وحالة الناس البائسة الفقيرة لم تتحسّن. ولا عناية بهم ولا اهتمام برفع مستواهم المعيشي والتّعليمي والاقتصادي الخ.

*الإعْلام المضلّل أوقع الناس في وضع مأساوي، عيَّشَهم في الأوهام وصدَمهم بقسوة وحِدّة الواقع.

*دور الأغاني المهيّجة المضلّلة في تكوين وعي الناس وثقافتهم وتوجيه مسارهم في الحياة. فالناسُ خُدعوا وضُلّلوا بأغنيات أم كلثوم وعبد الحليم وعبد الوهاب وغيرهم فعاشوا أوهامَ النّصر، وتركتهم للوقوع في هاوية الهزيمة القاتلة.

 

 

 

 

"وزير إعلام الحرب" نَصّ مختلف

لم يُحدّد الكاتب هويّة نصّه، ونراه يقول من البداية "هذا النصّ" (ص5) و "فكّرتُ في كتابة هذا النصّ" (ص7) ولكنه صَدّرَ الغلاف بكلمة "رواية" وترك القارئ يُقرّر ما يحلو له. وقدّم شخصيّات تحت إشارة سيرة ذاتية ((C.V شخصيّات مستقلة بذاتها، وما ربط الجميع كان الحدَث الكبير وهو الحرب وانتظار لحظة اعلان الانتصار الذي لم يحدث.وإذ وجدت هذه الشخصيّات نفسَها في واقع احتلال اتّخذت كلّ منها موقفها الذي تراه، منها مَن رفض التّعاون مع المحتل وقرّر مقاومته بالمقاومة الفعلية مثل موسى أبو علوان، ومنهم مَن رفض أيّعلاقة به مثل الشيخ جابر أبو الجود، ومنهم مَن خضع للواقع المعيشيّ الصّعب فقبل بالعمل في مصانع وورشات وحقول المحتل ليُعيلَ أهلَ بيته مثل أبناء عبد الشقي :خميس وجمعة، ومنهم مَن آثر الرّحيلَ فترك البيتَ والوطن وانتقل للضفة الأخرى ليبدأ حياة جديدة مثل نعيم.

بهذه البساطة، وبلغة سَلسة واضحة ساخرة جارحة في كثير من المواقف، يُقدّم لنا الكاتب صورة بانوراميّة لحياة الناس قبل وبعد حزيران 1967، لا يُدينُ أحدا، ولا ينتصرُ لآخر. وما حدث في "كفر عرب" حدث في باقي الوطن المحتل.

وبألم يعتصر القلوب يُنبّه للحالة البائسة المتكرّرة في عالمنا العربي حيث "الناس هم الناس والبلاد هي البلاد والأمس هو اليوم وهو غدا كذلك" بقوله "في ذلك الحزيران البعيد أنتجت القرائح كلمات وموسيقى وأصوات. صلاح جاهين، كمال الطويل، والعندليب الأسمر، ويا أهلا بالمعارك، لم يتغيّر الكثير، ففي ربيع البوعزيزي ازدهرت قرائحُ الشعراء والكُتّاب ومؤلفي الأماني. وعَدونا بربيع تتحقّق فيه كلّ الأمنيات بفعل عود ثقاب أشعله الشاب الذي فقدَ مصدرَ رزقه بطرفة عين، فاشتعلت النارُ في هشيم كان ينتظر، لنكتشفَ انّ فداحة الواقع أظهرت بؤسَ الوصف فالربيع كان مُتَخيَّلا وحقيقتُه جحيما، بدا أمامه حزيران الأصلي طفلا ربّما أنتجته الخطيئة، أمّا حزيران البوعزيزي فقد أنتج قَدَرا لا رادّ له، صار يُؤرَّخُ للأيّام والشهور والسنوات بالجثث والهاربين إلى قاع البحر، ففيه أمان أكثر ممّا في الأوطان"(ص7-8)

لكن الكاتب بذكاء وهدوء يوجّه النّاس إلى ما يجب أنْ يكونَ وكيف يجبُ أنْ يتعاملوا مع المحتل "كما تسري النار في الهشيم، تناقلَ الناسُ في طول البلاد وعرضها مآثرَ رجلين من كفر عرب، جابر أبو الجود الذي أوقفَ الهجرةَ إلى الشرق ببلاغة مَن جعل من نفسه قُدْوَةً ومَثَلا، وموسى أبو علوان صاحب المقهى الذي صار قاعدةَ انطلاق لعمَل أعلى شأنا من الإغارة على المستوطنات للغنائم"(ص195).

 

في النّهاية

رواية "وزير إعلام الحرب" تُقدّم نموذجا مختلفا عن الروايات التي عهدنا، فتبدأ بمفاجأة قُرْب وقوع الحرب،وتنشرُ جوّ الانتظار والتّوجّس والقلق والرّغبات، ولكنّها تبدأ بالتّراخي في عَرض المشاهد فتتوزّع على شخصيات أخذت دورَها في صنع الحدَث، ولكنّها بعيدةعن الزخم والمفاجأة التي بدأت بها الرواية.

أهميّة الرواية وتميّزها أنها تكاد تنفرد في تعرّضها لهزيمة حزيران عام 1967 وعرضها لدقائق التّفاصيل الصغيرة التي واكبتها على مستوى الناس العاديين الذين كانوا الضحيّة لحكام فاسدين. بينما نجد نبيل خوري في رواية "حارة النصارى"(صدرت عام 1967) ركّز على ما جرى في مدينة القدس قبل وخلال عام النكبة 1948 وعلى أحداث الخامس من حزيران 1967 واحتلال الجيش الإسرائيلي لمدينة القدس رغم المقاومة العنيفة التي خاضها الشباب المقاتلون ضد جند الاحتلال.

وما يشدّنا إلى متابعة القراءة وتتبّع الأحداث تلك السخرية الجارحة التي رغم ما تتركه من ألم وحرقة،إلّا أنّها تُنبهنا للواقع المرّ الذي عاشه الناس في تلك السنوات.

رواية " وزير إعلام الحرب" تستحق القراءة وتستحق أنْ تكون المنبّه لنا من إمكانيّة السقوط في مَهاوي أحلام، وخداع وفقدان الوعي.

الرامة

 

 

الصورة//حرب 1967 - تنبيه من إمكانيّة السقوط في مَهاوي أحلام، وخداع وفقدان الوعي.

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب