news-details
ملحق الجمعة

وعد بلفور - ما قبل وما بعد

عندما يجري الحديث عن وعد بلفور لا بد وان نذكر بان لاهاران السكرتير الخاص لنابليون الثالث كان من الاوائل الذين رأوا جدوى في اقامة دولة يهودية في فلسطين، كحل للمسألة الشرقية لصالح القوى الاستعمارية باستغلال تفكك الامبراطورية العثمانية.

في عام 1860 ظهر كراس بعنوان "المسألة الشرقية الجديدة" يدعو اليهود بالعودة الى وطنهم "تحت الحماية المقدسة لفرنسا المحرِرة". وفي انجلترا ظهر اهتماما مماثلا، فلقد اوصى الكاتب الدبلوماسي لورنس اوليفانت بتوطين اليهود في الضفة الغربية للاردن وكتب الى المركيز سالزبوري عام 1878 يقول: "قامت محاولات عديدة في هذا الاتجاه (أي اقامة مستعمرة يهودية في فلسطين)، ولكن كان لا بد ان تخفق لأنها تقوم على اساس عاطفي وديني اكثر مما تقوم من منطلقات سياسية واقتصادية" "ويبدو الآن ان الفرصة سانحة بفعل التعاطف الحار الصادر عن معظم الجمهور البريطاني، هذا التعاطف الذي يمكن ان يضمن على نحو مجد تحقيق اهداف سياسية هامة ونتائج مالية ذات قيمة". 

وبعد ذلك استغل هرتسل المطامع المتنافسة بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا حيث كتب في مقال له نشرته احدى المجلات يوصي بتقسيم الامبراطورية العثمانية بحيث تعود مصر  وفلسطين الى انجلترا التي تحتاج بشكل مُلح الى طريق قصيرة نحو الهند. بهذا الخصوص كتب اسرائيل زانغويل الذي عُرف عنه انه صاحب عبارة "فلسطين ارض بلا شعب لشعب بلا ارض" (طبعا هذه المقولة مرفوضة وغير صحيحة وعنصرية وشوفينية لان فلسطين لم تكن ابدا ارض بلا شعب فالعرب عاشوا فيها لآلاف السنين وشاركهم اليهود المعيشة في سلام قبل الحركة الصهيونية العنصرية)، وهو كاتب كوميدي انجليزي ولد في لندن لعائلة من المهاجرين اليهود من شرق اوروبا فأبوه موسر زانغويل جاء من الامبراطورية الروسية لاتفيا وأمه إلين حنا ماركس زانغويل من بولندا. 

كرس قلمه لخدمة الحركة الصهيونية (الميلاد عام 1862 والوفاة عام 1926) كتب يقول: "ان التفتيش عن طريق الى الهند قد ادى الى اكتشافات عديدة لصالح الانسانية، فقد اكتشفت شواطئ افريقيا وامريكا وحفرت قناة السويس.. ولعل حل المسألة اليهودية يكون في ان يؤمن لبريطانيا اقصر طريق يوصلها الى الهند"، وهرتسل "البارع" لا بل "المخرب العنصري" عمل على تصويب سهامه الى كل الاهداف في اوروبا الاستعمارية النهمة الى اقتسام تركة الامبراطورية العثمانية فقام بتقديم عرض على المانيا وفي نفس الوقت على انجلترا بإقامة وانشاء شركة ذات امتياز تحت الحماية الالمانية، فقد اجتمع اول الامر عام 1899 بسفير المانيا في النمسا وراح يضرب على الوتر الحساس أي استغلال الخصومة مع انجلترا، يقول هرتسل في يومياته: "هناك قوة اخرى تستطيع ان تساعد حركتنا (أي الحركة الصهيونية)، وقد فكرت اول الامر بانجلترا وهذا امر طبيعي ولكن يسعدني ان تكون المانيا هي البديل" (هذا البديل الالماني الذي بحث عنه هرتسل الصهيوني قام بارتكاب جرائم الحرب العالمية الثانية، وتذكر قتل اكثر من 26 مليون روسي وبولوني وملايين اليهود. ولكن هنا اذكر دور الحركة الصهيونية خلال الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية والتي لم تقوم في بداية الثلاثينيات بردة فعل ملائمة ضد النازية.

وهنا اذكر ما كتبه ناحوم غولدمان رئيس الحركة الصهيونية العالمية سابقا في مذكراته يقول: "ان موقف الحركة الصهيونية ازاء هذا المشروع الاول لتقسيم فلسطين كان اثما كبيرا من قبل جيلنا، ويأتي في المقام الثاني لعدم ردة فعل ملائمة من قبل يهود العالم ازاء الخطر النازي وعدم اعتقادهم من ان هتلر لن ينفذ تهديداته ضد اليهود، واحدى الحوافز التي ادت بي فيما بعد لأن احيي فكرة التقسيم كانت الادراك من اننا انفسنا نحمل بعض الذنب في مسبب ابادة ثلث شعبنا" وبرأي كاتب هذه السطور تتحمل الصهيونية العالمية اكثر من بعض الذنب في ابادة ثلث اليهود، وسأكتب عن هذا الموضوع في مقال آخر.

ففي عام 1898، وبفضل براعته في الابتزاز – قابل القيصر الالماني: وكتب هرتسل في مذكراته "حينما عرضت عليه مشروع الشركة ذات الامتياز تحت الحماية الالمانية رحب بذلك" وراح هرتسل يغري قيصر المانيا بالدور الذي يمكن ان تلعبه الصهيونية لتخليصه من الاشتراكية. وكان كل ما يخشاه الامبراطور غليوم هو "ان اليهود لن يغادروا المانيا اذا تولد لديهم الشعور بأنهم تحت حماية امبراطورها"، من هذا الطرح نرى بان هرتسل رأى بدولة اليهود – اسرائيل حاليا – شركة ذات امتياز في خدمة الاستعمار، وهذا ما تقوم به اسرائيل الآن في كونها شركة لا بل قاعدة امامية في خدمة طبقة رأس المال العالمي والصهيوني في خدمة الامبريالية العالمية وخاصة الولايات المتحدة.

وخلال لقاء هرتسل مع امبراطور المانيا حاول وبجهد ان يبرهن للامبراطور على ان الصهيونية تخدم المصالح الالمانية لا في وجه انجلترا فحسب وانما في وجه فرنسا وروسيا "ففرنسا منهكة وهيبة روسيا تنحسر... وفرنسا ليست في حالة تسمح لها بان تعوق مشروعنا"، كان هرتسل على دراية بسياسة المانيا تجاه الشرق ورغبتها في مد الخط الحديدي من برلين الى اسطنبول الى بغداد بغية مد نفوذها الى الشرق. 

كتب هرتسل في مذكراته حول هذا اللقاء ما يلي: "حينما تحدثت الى الامبراطور عن الطريق البرية الجديدة الموصلة الى آسيا من البحر المتوسط الى الخليج العربي (وهذا ما تحاول اسرائيل القيام به مع السعودية ودول الخليج خدمة للامبريالية العالمية)، بدا الامبراطور غارقا في افكاره ودلت ملامحه وتصرفاته على انه قد وقع في الفخ". واستغل لقاءه مع القيصر الالماني الذي كان يثق به السلطان عبد الحميد حسب قول القيصر الالماني، سأل القيصر هرتسل: "قل لي بكلمة موجزة ماذا يجب ان اطلب من السلطان؟" اجابه هرتسل: "شركتي ذات الامتياز تحت الحماية الالمانية (وهنا مرة اخرى يصف هرتسل دولة اسرائيل العتيدة بانها شركة امتياز تحت الامتياز الامبريالي)، وبعد هذا اللقاء اصبح طريق هرتسل الى فلسطين يمر عبر اسطنبول، وهكذا استطاع هرتسل ان يقابل السلطان عبد الحميد بتوصية من الامبراطور الالماني وكان الهدف واضح من هذا اللقاء وهو شراء فلسطين على الرغم من تردد او تحفظ روتشيلد، الذي كان في البداية معاديا للصهيونية، حصل هرتسل في المؤتمر الصهيوني الثاني في بال 1898 على التصريح بانشاء المصرف الذي كان يحلم بانشاءه، انه التروست اليهودي للإعمار، وحصل بذلك على اشعارات بفتح اعتمادات مصرفية من (كريدي ليونيه) في باريس ومن (بنك دريسدنر) في برلين ومن بنك لويدز في لندن وأودعت مبالغ الاعتمادات في المصارف التركية، وبعد هذه الخطوة شعر هرتسل بانه يستطيع ان يتحدث مع السلطان العثماني عبد الحميد المهدد بالافلاس من موقع القوة، وكان كلامه الى السلطان واضحا: "انت تبيعني فلسطين وانا اصلح وضعك وأدفع عنك ديونك".

كان هذا المشروع الذي تقدم به هرتسل مبطنا بالدهاء والمكر والعنصرية والشوفينية حيث يطرح فكرة شراء وطن لشعب آخر له تاريخه وجذوره ووجوده وحقوقه الانسانية، مقابل المال وكأنه يشتري بضاعة متروكة او معروضة للبيع. هرتسل نفسه الذي كان بمكر وحقد وكراهية عملية التزاحم على استغلال تفسخ الامبراطورية العثمانية من قبل القوى الاستعمارية الامبريالية والذي يحتقر كل الاحتقار محاوره سلطان الدولة العثمانية الآيلة الى السقوط لم يتورع عن تملق السلطان العثماني عبد الحميد فراح يحدثه عن حيوية تركيا التي يؤمن بها اشد الايمان، وهذا الكلام قمة التملق والديماغوغية والغطرسة والشوفينية وهذا ما يميز الحركة الصهيونية حتى يومنا هذا.

وهنا اذكر ما قاله السلطان عبد الحميد لصديق هرتسل نفلنسكي: "ولكن فلسطين مهد لديانات اخرى"، اجابه هذا ممارسا الضغوط ذاتها التي مارسها هرتسل على قيصر المانيا ليقول: "اذا لم يحصل اليهود على فلسطين فسيوجهون دونما شك الى الارجنتين.." وفي هذه الحالة ستخسر تركيا كل هذه الهبات المالية.

بعد ذلك ذهب هرتسل الى ابعد من ذلك، حيث اخذ بنصيحة صديقه (فامبيزي) الذي نبهه الى ان السلطان يعتبر القدس مقدسة شأنها شأن مكة.. فكان رد فعل هرتسل لا بأس، اذا فيمكن تنبيه السلطان الى ان الصهيونية قد تقف في وجه المسيحية، ولم يعترض هرتسل عندما قام السلطان وعبر عن حذره من المسيحيين قائلا: "انا كما كنت دائما صديق لليهود.. وانا اعتمد على المسلمين واليهود معا، وليس لدي الثقة نفسها بالباقي من رعيتي". ولكن بعد كل اتصالات هرتسل رفض السلطان التركي ان يبيع فلسطين... وكان قد سبق له ان قال لهرتسل: "لا استطيع ان ابيع مقدار انملة من هذه الارض فهي ليست ملكي وانما هي ملك شعبي الذي حصل على الامبراطورية بعد ان سقاها بدمه.. ويمكن لليهود ان يحتفظوا بأموالهم وقد يحصلون على فلسطين مجانا بعد تقسيم الامبراطورية، وأنا قد ارضى بتمزيق جثتي بعد موتي ولكن لا ارضى بتشريح جسدي وأنا حي".

بعد فشل هرتسل في اسطنبول يعود هرتسل الى بريطانيا والتي رأى فيها بانها المؤلهة لتشريح فلسطين، ففي خطاب هرتسل في افتتاح المؤتمر الصهيوني الرابع في لندن عام 1900 راح يقول بلهجة حماسية: ان "انجلترا العظمى"، انجلترا الحرة التي تهيمن على البحار السبعة ستفهمنا وتفهم اهدافنا... ومن هنا ستنطلق الفكرة الصهيونية لتحلق بعيدا في الاعالي، نحن واثقون من ذلك". وخلافا لما كان يقوله هرتسل للسلطان عبد الحميد بدأ هرتسل بتسويق سياسته الايديولوجية حيث بدأ يتحدث عن الدولة اليهودية وما يمكن ان تقدمه من منافع وخدمات لصالح المجموعة الاوروبية هذا وستكون الدولة اليهودية قلعة امامية للحضارة الغربية في مواجهة الهمجية الشرقية وهو في روايته (ارض قديمة ارض جديدة) يكشف عن هذا التوجه اذ يمجد روح الحملات الصليبية ويلوم اوروبا على انها فقدت هذه الروح. "لقد كان غود فروي د يبوبون وفرسانه الشجعان يعتبرون بقاء فلسطين في ايدي المسلمين جريمة.. فأين نجد مثل هذا الشعور لدى فرسان ونبلاء نهاية القرن التاسع عشر؟.. اما الحكومات فمن منها يجازف اليوم بان يقدم الى البرلمان مشروعا بفتح اعتماد استثنائي بغية تحرير الارض المقدسة". 

حمل هرتسل بعد ذلك مشروعا لتصنيع فلسطين على النمط الغربي، فهو يحلم بان يقيم على ارض فلسطين كل ضروب الصناعات المعروفة مستوحيا نظرية "سان سيمون" الاقتصادية التي تجسدت حركة تصنيع كبيرة بلغت اوجها على يد الاب انفانتين ورجل المال فردينادز دي لسبس منفذ حفر قناة السويس. ووصف هرتسل فلسطين المستقبل حيث "المدن الكبرى العامرة بالحركة، والتقدم التكنولوجي العام حيث تمتد خطوط السكك الحديدية على هذه الارض التي هي عقدة لطرق المواصلات العالمية.. وحيث الكهرباء الشاملة للبلاد وجر المياه من جبال حرمون ولبنان وحفر قناة تصل بين البحر الميت والبحر المتوسط للاستفادة من فرق المستوى بين البحرين"، ويحدد هرتسل في يومياته مشروعه فيقول: "حينما نكون في العريش تحت المظلة البريطانية.. ستقع فلسطين حينذاك في دائرة النفوذ البريطاني.. ولكن لكي نصل الى اهدافنا لا بد من جلب مزيد من اليهود الى فلسطين، زد على ذلك اننا نحتاج الى مزيد من الحماة" (وبالفعل الحركة الصهيونية العالمية وجدت العديد من الحماة كبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، وهذه الحماية حولت اسرائيل الى دولة متطورة اقتصاديا وعسكريا واليوم اسرائيل تعتبر قوى عسكرية عظمى تمتلك السلاح الذري وتمارس سياساتها الرجعية التخريبية العدوانية ليس فقط في منطقة الشرق الاوسط بل في جميع انحاء العالم، وتاريخ اسرائيل المتعاون مع الابرتهايد في جنوب افريقيا ومع سوموزا في امريكا اللاتينية اكبر مثل على ذلك ومن اجل لفت الانتباه يستعمل هرتسل في مذكراته كلمة فلسطين عشرات المرات، واذكر ذلك للتنويه لكل من يدعي من الصهاينة بانه لم تكن هناك بلاد اسمها فلسطين (د.خ).

في يومياته عام 1902 يكتب هرتسل ما يلي: "أهذا ممكن؟ نحن نوشك ان نحصل على تأسيس الشركة البريطانية ذات الامتياز. ولدى موت هرتسل حُدد بوضوح مستقبل الصهيونية وعرف سر نجاحها – مثلما رعاه وخطط له هرتسل – وذلك على ضوء التوافق بين حسابات تشمبرلن الاستعمارية وحسابات بريطانيا الاستعمارة، وحسابات الصهيونية العالمية الاستعمارية، والاتفاق العرضي بين اهداف القوى الاستعمارية وبين حركات العداء للسامية حفرت الحركة الصهيونية العالمية مجراها الى حد ما يفعل ذلك الاتفاق العرضي، وهكذا وضعت الصهيونية سفينتها في هذا التيار في هذا المسار حتى الآن. فالعداء للسامية والحركة الصهيونية هما وجهان لعملة واحدة، واستمرار اسرائيل في ممارسة سياستها العنصرية الشوفينية ورفضها للآخر أي الشعب العربي الفلسطيني هي انعكاس لمفاهيم "الغيتو" في عصرنا الحالي.

خلال حياته كان هرتسل قد تنبأ لبريطانيا من بين القوى الاستعمارية ان تكون ورقته الرابحة، حيث خلال حياته بدأ بانجلترا وانتهى بها، وهكذا راحت الحركة الصهيونية تستمد دعمها الثابت من السياسة الاستعمارية البريطانية، مثال على ذلك انه بعد المعاهدة الروسية التركية عام 1883 بين القيصر الروسي والسلطان العثماني (بحجة حماية المسيحيين الاورثوذكس في الشرق الادنى)، ردت انجلترا على ذلك وادعت ان لها كذلك من تحميه بغية حماية مناطق نفوذها الاقتصادي. وهكذا اصبحت فلسطين وخاصة منذ ضعف الامبراطورية العثمانية وظهور اول مشروع للسياسة الدولية الاستعمارية تجاه المسألة الشرقية – موضوعا للرهان لدى القوى الاستعمارية الكبرى المتصارعة، وهنا نذكر بانه سبق وان قام نابليون بونابرت، بغية اجتذاب المسلمين الى صفه في وجه بريطانيا ان اعلن لدى نزوله مصر انه يمثل الاسلام الحقيقي، ولكنه حينما اقترب من عكا اقترح انشاء دولة يهودية في فلسطين ليجتذب الى صفه رجال المال من اليهود، وذلك بغية الوقوف في وجه انجلترا آنذاك، وهنا اذكر ما ورد في رسالة وجهها حاييم وايزمن الى ونستون تشرتشل انه يعتبر نابليون "اول صهيوني معاصر من غير اليهود" واُذكر البعض بان رئيس فرنسا الحالي ماكرون والذي سيزور اسرائيل عن قريب وصل الى الرئاسة من موقعه كموظف في احد بنوك عائلة روتشيلد، وبعد ان تزوج احدى نساءها التي تكبره في السن بعدة سنوات بفضل دعم عائلة روتشيلد الصهيونية. 

وفي عام 1845 كتب منفورد يقول "ان الدولة اليهودية – بالاضافة الى منافعها الاقتصادية والاستراتيجية التي لا تحصى – ستعمل على تنظيم طرق مواصلاتنا وتؤمن لنا مركزا مرموقا في الشرق نستطيع بفعله احباط اية محاولة لتعطيل هذه الطرق، وصد هجمات اعداءنا قبل الانتصار عليهم". اما الانجليزي اوليفانت 1829 – 1888، وهو اكبر متحمس لمشروع اقامة دولة يهودية في فلسطين في ذلك الوقت فقد كتب يقول: "على انجلترا ان تقرر القيام بمهمة التنقيب على اطلال المدن الاثرية وتطوير الموارد الزراعية الكبيرة في فلسطين، بان تعيد اليها اهلها من اليهود الذين هم اصحابها منذ ثلاثة آلاف عام فتؤمن انجلترا بذلك لنفسها المنافع السياسية الجمة الناجمة عن تلك السياسة"، وكان مشروع اوليفانت هذا الصهيوني العنصري يضع في حساباته طرد البدو المحاربين وعزل الفلاحين العرب في محاجر خاصة شأنهم شأن هنود امريكا الشمالية وما قامت به الحركة الصهيونية واسرائيل الدولة عام 1948 من تطهير عرقي وهدم اكثر من 400 قرية هي اعمال اجرامية عنصرية هي نكبة الشعب العربي الفلسطيني.

وحينما نظمت الحركة الاستعمارية اساليبها توضحت الاهداف البريطانية، ففي عام 1876 ظهرت في انجلترا المجلات اليهودية الصهيونية التي كانت مسرحا، سلسلة من المقالات بتوقيع اسحق آشر توحي بتشكيل شركة ذات امتياز على نمط شركة الهند الشرقية بغية شراء الاراضي في في فلسطين وتطويرها بفعل الرساميل المتدفقة التي تعمل على تحسين الارض واقامة المشاريع.. وتأمين الحماية العسكرية لهذه الشركة، وكان هذا المشروع سابقا لما يسمى الصندوق القومي اليهودي الذي سينشأ بعد ثلاثين عاما. وأدى الانحلال المتفاقم للامبراطورية العثمانية الى اقتطاع جزء منها، وكان هذا مخطط دزرائيلي، وكان اهم شيء لدى دزرائيلي – وهو موجه السياسة الامبريالية البريطانية – المحافظة على طريق الهند، وهكذا اكتسبت فلسطين اهمية جديدة على رقعة السياسة العالمية، هذه الاهمية التي تستمد جوهرها من الآن، من ان فلسطين قريبة من مصر ومن قناة السويس وتقع على شواطئ البحر الابيض المتوسط، اما اللورد كيتشنر المناصر للسياسة الجديدة الخاصة بالشرق فينصح حكومته بان تجعل من فلسطين قلعة للنفوذ الانجليزي في مصر وهمزة وصل لهذا النفوذ بالشرق، واليوم اسرائيل هي قلعة للهيمنة والسيطرة الامبريالية العالمية على منطقة الشرق الاوسط ومع الولايات المتحدة تتاجر بدم الشعوب العربية من اجل النفط.

وخلال الحرب العالمية الاولى دخل المشروع الصهيوني العالمي لاحتلال فلسطين مرحلة حاسمة في تحقيقه، حيث اصبح هذا المشروع من اولويات الاستعمار البريطاني وهكذا اصبحت قضية الاستعمار الصهيوني لفلسطين تُطرح بشكل استعماري عنصري شوفيني بعيد كل البعد عن العدل والانسانية، ومنطق هؤلاء المستعمرين يقول: ان ارضا لا يسكنها البيض او الغربيون تعد ارضا شاغرة، وقد عبر عن هذا المنطق بكل صفاقة ووقاحة صهيوني امريكي اذ قال: "انا اعلم ان امريكا تُنتقد على انها حاصرت واحتلت تكساس وكاليفورنيا في اثناء حرب المكسيك التي وصفت بأنها عمل عدواني، ولكن ما قيمة مثل هذا النقد اذا حرمت هاتان المنطقتان من خيرات الحضارة الامريكية ونعمها؟ وحينما تكون هناك ارض فارغة في عرفنا فلا بد ان يتحمس الناس لانقاذها. اما فلسطين فلم تكن الا صورة مصغرة لتكساس.

 ان منطق التاريخ يقتضي ان لا تبقى المساحات الشاغرة غير مأهولة لأن الطبيعة تكره الفراغ"، وكأن فلسطين كانت شاغرة ولم يكن يسكنها شعب عريق متجذر في هذا الوطن وليس كالصهاينة، لا وطن لهم فهم يتواجدون حيث توجد المصالح الاقتصادية والمالية وهم خدمة طبقة الرأسمال العالمي. ولكن منطق الامريكيين تجاه الهنود الحمر ومنطق البيض في جنوب افريقيا تجاه السود ومنطق الصهاينة تجاه العرب يعتبر فلسطين ارضا شاغرة. كتبت غولدا مئير عام 1921 رسالة ذات دلالة تقول فيها: "لن يختار الانجليز العرب لتعمير فلسطين، وانما سيختاروننا نحن". (يتبع)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب