news-details

أيقونة الثورة السودانية - حبوبتي كنداكة

لكل ثورة أيقونة، لا أحد يعرف كيف ومتى تبرز، ولكن غالبًا ما يكون ذلك في خضم الاجراءات التي تتوالى سريعًا، فيجد الناس رمزًا لثورتهم في شخصٍ ما برز في تعبيره عن مطالب الثوّار، وإن لم يكن هذا الشخص الثائر من قادة النضال والثورة.

وبينما كنا نحن منهمكين في الانتخابات لدينا هنا، بزغ نجم شابة سودانية وقفت أمام الجمهور تحيي الثوّار بهتاف مميز، مرتدية ثوبًا أبيض وتضع قرطين ذهبيين، لمعا في سماء الخرطوم مع لمعانها في أفق هذه الثورة الجبّارة. وانتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي جداريات ورسومات للشابة السودانية آلاء صلاح (22 عامًا) التي تحوّلت في هتافها الشهير، أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، أيقونة للثورة السودانية للاطاحة بعمر البشير...

قبل الانتخابات بيوم كنت قد أعدت (عبر تويتر) تغريد هتافها في إحدى المظاهرات المسائية التي اجتاحت شوارع العاصمة السودانية، وقد أعجبت بصوتها وأدائها وكلمات نشيدها الحماسي المأخوذ من التراث السوداني، دون أن أعي أن هذه الفتاة ستتحوّل في اليوم التالي الى أيقونة الثورة السودانية الباسلة.

الصورة الأصلية (تصوير رويترز)

في اليوم التالي ذهبت أبحث عن الفيديو للشابة ذات الثوب الأبيض، لأتفاجأ بأن الشابة ذاتها هي هي التي كانت قد جلبت البسمة لوجهي بأدائها الرائع وصوتها العذب وهتافها الثوري، والتي سرعان ما ارتبط صوتها ومشهدها في خاطري بشعارنا النضالي: #صوت_المرأة_ثورة. في الأيام التي مرّت مذ تلك اللحظة في ساعة ليل متأخرة، يبدو أن هناك من ترجم أفكاري بصورة جديدة ليجعل من آلاء صلاح رمزًا للثورة السودانية. خلال كتابتي لهذه المقطوعة، اكتشفت أن من حوّل تلك الصورة لأيقونة ومن ربطها بشعارنا الثوري "صوت المرأة ثورة" ليس الا رسام الكاريكاتير الفلسطيني الفنان عماد حجّوج، والذي نشر عبر حسابه في "تويتر" شكره للناشطة السودانية آلاء صلاح، معبرًا عن اعتزازه بأن رسمته تزيّن صفحة هذه "الأيقونة الحيّة" كما وصفها. ولكن، يا للمؤامرة الغربية.. ضمن بحثي عن الشابة عبر الفضاء الافتراضي، وجدت أن تويتر أوقف حسابها بادعاء أنه ينتهك قوانين تويتر!

وانهال المغردون على إطلاق أوصاف المدح على الناشطة، فمنهم من قال إنها جعلت "الثورة السودانية أنثى"، ووصفها البعض الآخر بأنها "تمثال الحرية الجديد". ولا يسعني الا أن أعلق على هذا المطلب بالتذكير بأن تمثال الحرية الشهير الذي يقف شاهدًا على الثورة الأمريكية في جزيرة "الحرية" في نيويورك، وقد أصبح مزارًا ومعلمًا من معالم الشعب الأمريكي الثقافية والسياحية الأشهر في العالم أجمع، هو في الأصل لفلاحة مصرية من بلاد النوب، وقام بتصميمه فريدريك بارتولدي من النحاس وأهدته فرنسا الى الولايات المتحدة في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1886 كهدية تذكارية احتفاء بمئوية الثورة الأمريكية. ويمثل هذا التمثال الديمقراطية والحرية من الاستبداد والاستعباد، واسم العمل الفني رسميًا هو "مصر تحمل الضوء لآسيا"!  وكان هذا التمثال قد صممه برتولدي في الأصل ليكون منارة توضح على مدخل قناة السويس حديثة الافتتاح عام 1869 فرفض الخديوي اسماعيل المقترح، ولكن بعد سنين قليلة قررت فرنسا أن تهدي التصميم ذاته للولايات المتحدة احتفالًا بالذكرى المئوية لاعلان الاستقلال عن بريطانيا العظمى.

وفي حين يشير البعض الى الملابس التي ارتدتها الشابة في تلك التظاهرة، كسبب مباشر في تحوّلها الى أيقونة، في ظل التزام العديد من الفتيات المشاركات بالثورة بارتداء ملابس باللون الأبيض خصوصًا في اعتصام جامعة الأحفاد للبنات الشهر المنصرم، تحوّلت آلاء صلاح الى رمز لمشاركة النساء في كل أنحاء العالم العربي بالثورات وبالنضالات الشعبية، وقد علا على اثرها شعار "صوت المرأة ثورة" الى الواجهة من جديد. فيما أشار البعض الى أن أثوابًا مشابهة ارتدتها جدات وأمهات الشابات الثائرات من هذا الجيل في الثورات السابقة ضد حكم العسكر بالسودان. وقد يكون لبساطة الثوب بلونه الأبيض الناصع والرداء المحتشم والأداء الحماسي الذي أثار تفاعل الجماهير هو السبب في تحوّل الكنداكة لرمز الثورة. وكنداكة هي إحدى ملكات النوبة قديمًا. وخلال الثورة أطلق على الفتيات والنساء المشاركات بالثورات لقب الكنداكات كناية وتشبيهًا بأولئك الملكات المحاربات اللواتي حملن الدروع والرماح.

كما تتشابه صورة آلاء الأيقونية هذه بتمثال في الصومال للمناضلة كشاوو تاكو التي أصبحت رمزًا للحرية من الاستعمار في الصومال. حيث أن التمثال لامرأة ترفع يدها اليمنى حاملة الشعلة وتحمل بيدها اليسرى طرف ثوبها.

الشابة آلاء صلاح كانت قد نشرت عبر تويتر تهديدات تلقتها بالقتل مؤكدة أنها لن تخنع "لن أنحني، صوتي لا يمكن قمعه. سيًعتبر البشير مسؤولا اذا حدث لي أي شيء".  وهتفت الكلمات التي ستصبح في يوم من الأيام نشيد الثورة السودانية المستمرة، ولعل أبرز كلماتها "سرقونا باسم الدين" فيرد الشعب "ثورة"، وتكمل "قتلونا باسم الدين، ثورة. سجنونا باسم الدين ، ثورة. الدين بريئ يمّة، ثورة".

اما كامل كلمات هتافها فهي:

يا والدة أعفيلي/ وعدي القطعتو معاك/ إنو الكلام ممنوع/ في شلة الحكام/ يا والدة دمي بفور/ لما البلد تغلي/ لما العساكر ديل/ الشوهو الاسلام/ جايبين تفاهاتهم/ سجنونا باسم الدين/ حرقونا باسم الدين/ فصلونا باسم الدين/ قتلونا باسم الدين/ الدين بريء يمة/ الدين يقول الزول / إن خلى حقو يموت/ بيخاوي في شيطان/ الدين بقول تمرض/ ما قال نشيل ساطور/ نمرق نقيف في الضد/ ونواجه الحكام/ الدين بقول الزول/ ان شاف غلط منكر/ ما ينكتم يسكت/ ببقى الغلط ستين/ كوز السجم بيغرف/ من دمنا الفاير/ ما بننكتم نسكت/ في وش عميل جاير/ الخوف يما الخوف/ الخوف عديم الساس/ وأنا جدي ترهاقا/ حبوبتي كنداكة/ وعبد الفضيل الماظ/ فراس بشيلو الراس/ عيشتنا صبحت هم/ وأنا مشتهي الأعراس".

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب