news-details

إختراق يساري في بريطانيا بلفور وتاتشر

في تقرير لصحيفة الاندبندت البريطانية البارحة كشفت عن أن جيريمي كوربين، الزعيم الاشتراكي في حزب العمال، المناصر للقضية الفلسطينية، هو الأوفر حظًا في الفوز بسباق رئاسة الوزراء البريطانية، متفوقًا على المنافسين المحتملين من حزب المحافظين لخلافة تريزا ماي.

أن يصل الى هذا المكان، وبهذه الحظوظ في الفوز، زعيم لا يخشى أن يُقدم مشروعه السياسي بملامحه الاشتراكية هو ليس أمر مفهوم ضمنًا في دولة مثل بريطانيا، أحد المراكز الرأسمالية الكبرى في العالم. والامبريالية القديمة، والحليفة الوثيقة للولايات المتحدة في غزواتها في الشرق. من هذا المكان بالذات خرجت النيوليبرالية المعولمة على يد مارغريت تاتشر.

كوربين لم يكن يومًا مرشحًا لرئاسة الوزراء، لكنه كان دائمًا هناك، في هامش قيادة حزب العمال، "يساري متطرف" كما لقبه البعض، "مجنون" ربما. عارض السياسات البريطانية تجاه الشرق الأوسط بصورة مستمرة، عارض بصورة بارزة الحرب على العراق وقاد مظاهرات حاشدة ضدها، والحرب على أفغانستان والتدخل العسكري في ليبيا والضربات العسكرية على سوريا، وقف موفقًا قل نظيره في ردهات السياسية البريطانية-بريطانيا الانتداب وعهد بلفور- مع حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والتحرر من الاحتلال وعودة لاجئيه، لا يخشى في أن يوجه نقده اللاذع لسياسيات إسرائيل وأن ينتقد جرائمها بالعلن ضد الشعب الفلسيطيني. هذه المواقف القيمية التي حملها كوربين طوال حياته السياسية والتي لم تتغير يومًا ووضعته دائمًا في هامش المنافسة على رئاسة الحكومة البريطانية. بقي ثابتًا حتى نضجت الظروف الداخلية في حزب العمال بعد أزمات وتخبطات عديدة ليُنتخب رئيسًا له واستغل تضعضع حكومة تريزا ماي والغضب الشعبي ضدها ليطرح نفسه بديلًا حقيقيًا لحكومة المحافظين.

ومع إقترابه أكثر وأكثر من مكتب رئاسة الحكومة البريطانية، بدأت عصابات رأس المال والطغم البرجوازية المحافظة بتحسس رؤوسها. فاستنفروا مستعينين بحليفتهم الصهيونية وحكومة اسرائيل بصورة هستيرية بشن حملة شعواء غير مسبوقة بهدف تصفيته سياسيًا بإلصاق التهمة القديمة لكل من يعادي سياسة إسرائيل، معاداة السامية، لعبة قديمة للوبيات الصهيونية تحاول تصوير كُل موقف من دولة إسرائيل وسياستها العدوانية على أنه عداء لليهود ولاسامية واضحة. الاعلام المرتبط بهذه اللوبيات حاول أن يُوصل فكرة بأن "حكومة بقيادة جيرمي كوربين ستشكل خطرًا وجوديًا على اليهود في بريطانيا حتى". حملة تكسير عظام بالفعل، معتمدة على كبرى الامبراطوريات الاعلامية، داخل بريطانيا وخارجها.

لكن هذا الرجل يُثبت أنه من طينة خاصة، شجاع بحق، بدلاً من أن ينحني أمام هذه الهجمة ويتراجع عن بعض مواقفه التي يُمكن أن تُستعمل في الحرب الاعلامية ضده، يُقرر أن يواجه بصلابة غير معهودة ويعلن بوضوح عن سياساته الاشتراكية وإنحيازه التام لقضية الشعب الفلسطيني.

وفي قلب العاصفة وحينما كانت على أشدها يتشح مؤتمر حزب العمال بقيادته بالأعلام الفلسطينيةـ ويؤكد على الموقف الداعم لقضية الشعب الفلسطيني، ويقر قانون يحظر بيع الأسلحة لإسرائيل بسبب إستخدامها ضد الشعب الفلسطيني، القرار الذي من شأنه أن يتحول الى سياسة حكومية رسمية في حال إستلم حزب العمال الحكم. ثم يصرح كوربين أنه سيعترف بدولة فلسطينية مستقلة بمجرد أن يستلم المنصب.

أي متابع من بعيد لهذه العاصفة من الهجوم والتشويه كان يظن أنها ستقضي على فرص كوربين بالفوز، وخاصه بثباته العنيد على موقفه ورفضه للتراجع، لكن ما حدث بعد إنحسار العاصفة هو أنه أصبح أكثر من أي وقت مضى أوفر حظًا بالفوز. أعداء كوربين لا يدركون أنهم يواجهون قائدًا ثابت القيم المبادئ والاخلاص لإنحيازاته الاخلاقية والسياسية يرتكز على حركة عمالية بريطانية هي الأعرق في أوروبا وذات تراث ثوري صلب، تحتاج لمن يوجهها في الطريق الصحيح.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب

المزيد..