في تلك السّنوات القاسية من منتصف القرن الماضي ما كنّا نحن القرويين نعرف طعم الكنافة أو البقلاوة أو البورما أو جوز الهند وغيرها من الحلوى، فقد اكتفينا بحبّات من القطّين أو كرات صغيرة من العوّامة أو قطعة من الملاتيت الّتي تطبخها الأم، وعندما كان يطلّ "عمّو سعيد" أو "سعيد العنبر" كما كنّا نسّميه، قادمًا من البلدة الجارة طمرة يحمل على صدره صينيّة رحبة تطلّ منها حبال حلوى زهريّة وصفراء يسيل اللعاب لرؤيتها، يشدّ كل صبيٍّ منّا راحته الصّغيرة على الشّلن- وهو قطعة نقديّة معدنيّة من خمسة قروش- الّذي حظي به من والده أو والدته مخافة أن يفلت منها ويضيع فيخسر قضيب القِرمِش الحلو اللّذيذ.

كنّا ننتظر بائع القِرمِش أي الحلوى الّتي تقرش بين الأسنان، فالقرمشة في لغتنا المحكيّة تعني أكل الأشياء القاسيّة مثل الحمّص والقراقيش، وكان البعض منّا يسّمي هذا النّوع من الحلوى "العنبر" ربّما لطعمه ورائحته فالعنبر هو الطّيب، وأما والدي رحمه الله فكان يسّميه "الكعكبان"، وكان لا يعود من سفرته الى مدينة عكّا بدون رزمة من قضبانه يوزّعها على أولاده.

كان سعيد العنبر يأتي الى قريتنا مرّة أو مرّتين في الأسبوع بقامته الطّويلة الممشوقة والبسمة تمرح على وجهه الأسمر وينادي بصوتٍ شجّي: يا ولد! اركض لإمّك! وهات شِلنَك!.

كنّا في تلك السّنوات نعرف بائعي القِرمِش في البلدات المجاورة مثل عوض في شفاعمرو والبائع العجوز عند بوابة السّوق القديمة في مدينة عكّا والّذي لا أذكر اسمه.

زارتني هذه النوستالجيا مساء الأربعاء 23 أكتوبر عندما دعانا مشكورًا الأخ سعيد أبو شقرا صاحب صالة العرض للفنون في مدينة أم الفحم الصّامدة الباقيّة شوكةً في حلقِ أعدائِها الى تناول طعام العشاء في مطعم "قِرمِش" بعد ندوة راقيّة عن كتابي "نوم الغِزلان" شارك فيها المؤرّخ والأكاديميّ البارز ا.د مصطفى كبها والنّاقدة والمحاضرة الجامعيّة د.علا عويضة وتلميذي د.سهيل محاميد وأدارها الشّاعر د. زياد محاميد.

أثار انتباهي الاسم الغريب للمطعم فقد عرفت مدننا وقرانا مطاعم عديدة تحمل أسماء تراثيّة مثل التّنّور والمنزول والدّيوان والطّابون والمنقل، أو أسماء عواصم عربيّة مثل دمشق وبغداد وبيروت وغير ذلك من أسماء تفتح الشّهيّة، فكيف اختار صاحب المطعم هذا الاسم الغريب " قِرمِش"؟.

كان والده رحمه الله بائع القِرمِش في بلدة أم الفحم وما زال المئات من الفحماوييّن يذكرون صوته وهو يصدح في زقاقات البلدة "قِرمِش قِرمِش" أو وهو واقف على النّاصية والصّبيّة متحلّقون حوله يشترون بضاعته اللّذيذة. وعرفه الفحماويّون في تلك السّنوات باسم "قِرمِش"، ورأى الأبناء أن يسّموا هذا المطعم على إسم الوالد احترامًا لنشاطه وتعبه.

سألت أحدهم: ألم ترث صناعة القِرمِش منه؟ فأجابني بأسى: خسارة. لم نتعلم ذلك.

محمّد علي طه

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب