news

مرشّح نازيّ المرجعيّة في "كحول لفان"

خلال مقابلة اجرتها معه رفيت هيخت في "هآرتس" مؤخرًا، تناولت شؤون الانتخابات وما حولها وخلفها، صرّح عضو الكنيست عن تحالف "كحول لفان" يوعاز هندل بما يلي: "أنا أعتقد أن الثقافة العربية من حولنا هي الأدغال. يوجد هناك انتهاك فظ لكل واحد من حقوق الإنسان التي نعرفها في العالم الغربي. هذه الحقوق لم تنمُ هناك حتى. إنهم لم يصلوا إلى مرحلة النشوء والارتقاء التي توجد فيها حقوق إنسان. ليس هناك حقوق للنساء، ولا حقوق للمثليين، ولا حقوق للأقليات، ليست هناك تربية".

جاء هذا ردا على السؤال: "قلت في السابق إن اسرائيل هي فيلا في الأدغال. وتكرر الآن القول إن أفضليتنا على الفلسطينيين هي الأخلاق. هل تعتقد أن الثقافة العربية هي الأدغال"؟

هذا نصّ جدير بالتوقف والمقارنة. هندل لم يقل إن الظروف الاجتماعية القائمة لم تؤدّ بعد الى رسوخ حقوق الإنسان لدى هذه الشعوب. لم يقل إن الأنظمة الدكتاتورية أو الاستبدادية (التي تقيم مؤسسة دولته حالة عشق معها) تعيق تطور نظام سياسي تعددي يفتح الباب على تعزيز مختلف الحقوق. لم يقل أن غياب العدالة الاجتماعية يمنع تحقّق سائر الحقوق. هذه ادعاءات قابلة للجدل، يستخدمها ليبراليون مثلما يستخدمها ماركسيون، كلّ بموجب مفاهيمه وأدواته التحليليّة. لا، فالسيّد هندل استخدم مفهوم "النشوء والارتقاء"، الذي يتطرق الى حقب تطوّر هائلة أنتجت أصنافًا متعددة من الكائنات، من الضفدع وحتى الهوموسابيانس، البقاء فيها للأقوى. وبالتالي فبمجرّد وضعه الشعوب العربيّة في "مرحلة نشوء وارتقاء" مختلفة متخلّفة، فهو يخرجنا من دائرة البشر كصنف. ليست المسألة استعارة تؤوّل القول بل ترجمة دقيقة للقول.

أردتُ بدايةً القول إنني لست متأكدًا إن كان هذا الشخص واعيًا لتبعات كلامه، فربما نطق من جهل وقصور معرفي بإدراك معنى الكلام، لكن من يحمل شهادة دكتوراه في التاريخ، ويترأس "معهد الاستراتيجية الصهيونية" وألّف عدة كتب، يعرف بالضرورة ما يقوله، مما يجعله مدانًا مع سبق الإصرار والترصّد بالفوقيّة الاستعلائية العنصرية على العرب. فهو يقول إنهم في مرحلة تاريخية سابقة للبشر. إنه يضع العرب في مرتبة أدنى، كشعوب، كمجموع، وليس بسبب ظرف اجتماعي تاريخي، بل بسبب قصور جوهري فيهم. من يشبهه في هذا، أو بالأحرى من يشبه هو في هذا؟

سأقتبس ما تقوله وزارة الخارجية الاسرائيلية على موقعها، وهي بالطبع مؤسسة يفاخر بها ويثق هذا السياسي الذي يضع جماعته في موقع "أسمى" من سواها في الجوار، بمشرقه ومغربه العربيين. جاء في مقال منشور على موقع "الخارجية" بعنوان: "حين تتغلب العنصرية على العِلم":

["لم تجرِ صياغة العنصرية بطريقة واضحةٍ ووقحة أكثر ممّا فعله منظّرو الأعراق النازيون"، و "الفرضيّات التي بُنيت عليها النظرية"، "تُفيد بأنّ المنتمين إلى عروق معيَّنة هم "أدنى" ولا يمكنهم بلوغ إنجازات ذهنيّة وروحانيّة يمكن أن يبلغها فقط بنو العروق "الأسمى"]. 

يصف باحثون كثر إحدى إشكاليات نشوء النظريات العنصرية العرقية في القرن العشرين (وها هو السيّد هندل يمضي حاملا شعلتها في قرننا هذا أيضًا) بكونها نابعة في صميمها من الدياجير الأكثر ظلاميّة ولاعقلانيّة، لكنها تُقدَّم بلغة وصياغة وبناء وحجج ومسوّغات تختبئ خلف العقلانيّة. لكنها طبعا ككل نظرية تفتقر للشرط النظري الكافي، غير قابلة للإثبات ولا للدحض (سوى بالمجازر والتطهير العرقي!).

هندل ينظر الى الشعوب العربية والى الأقلية العربية الفلسطينية هنا من منظور "النشوء والارتقاء"، ويعتقد أننا لم نصل الحقبة التي مَنّ بها التاريخ البشري عليه. نحن برأيه لم نتمكن من "بلوغ إنجازات ذهنيّة وروحانيّة" مثل حضرته وقومه، لأننا أناس "لم يصلوا الى مرحلة النشوء والارتقاء التي توجد فيها حقوق إنسان" على حد قوله.

لقد موضع هندل نفسه ووعيه وأخلاقياته في أحطّ أشكال العنصرية التي كان يجدر بالبشر تركها تتفسّخ وتنفق تحت ركام الحرب العالمية الثانية حيث طُمرت الأحلام النازية المتوحشة (بفضل بطولة الجيش الأحمر، خصوصًا وأولا). لكنه، وعلى الأغلب بفعل الغطرسة المنتنة، لا يتورّع عن نفخ الروح في بعض الإرث النازي كي يدافع عن رفضه لأية تسوية سياسية واقعية وعادلة مع العرب عموما، والفلسطينيين خصوصا، لأنه لا يتنازل عن الاحتلال والاستيطان والفوقية الصهيونية في هذه البلاد. من هنا تنبع عنصريته، من أكثر أشكال الجشع السياسي ماديّة، وليس من أيّ شيء آخر. لا أتهمه بالتنظير لأجل التنظير ولا بالانشغالات العقلية لأجل ذاتها، حتى لو كانت منحطة المنتوج. فهو مجرّد سياسي كولونياليّ العقيدة يبحث عن مبرّرات لإبقاء هيمنته.

هذا الانحطاط هو أحد تجليات المقولة الثاقبة: إن الاحتلال سيعود بكوارث أخلاقية على ممارسيه. هذه التفوّهات العنصرية لهندل، هي واحدة منها؛ إهانة عنصرية لمئات ملايين العربيات والعرب – نحو 430 مليون فرد، إنسان، ذات. كلّ هذا ولم نتوقّف بالمرة عند "احترام حقوق الإنسان" الذي تشتهر به اسرائيل الرسمية في الضفة الغربية وقطاع غزة! يبدو أن العنصرية والنفاق لا يأتيان إلاّ متلازمَين.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب