news

هجرة العقول.. أكثر ما يؤرق حكومة الجزائر قبل الانتخابات

أيا كان من سيفوز بانتخابات الرئاسة في الجزائر، فإن ذلك لا يؤثر على قرار طبيب ممارس عام يدعى كالي أمين (38 عاما) في التماس الرزق في مكان آخر.

فهو واحد من عدد آخذ في الزيادة من الشباب الجزائري المتعلم الذي يسعى للعمل في أوروبا أو الخليج هربا من الدخول المتدنية التي يفرضها اقتصاد تهيمن عليه الدولة في الداخل.

ونزوح الأطباء والمهندسين وغيرهم من أصحاب المهن المتميزة يقض مضجع الحكومة التي تأمل في التواصل مع جمهور الناخبين الواسع من الشباب قبل الانتخابات المقررة في 18 أبريل نيسان.

ولم يعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (81 عاما) ما إذا كان سيترشح لفترة رئاسة خامسة، وإن كان حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم والنقابات العمالية وأباطرة قطاع الأعمال يحثونه على ذلك.

أما بالنسبة لأصحاب المهن المتميزة من الشباب، فالأمر لا يكاد يعنيهم. فكثيرون يشعرون بأنهم بمعزل عن نخبة يهيمن عليها كبار شاركوا في حرب الاستقلال عن فرنسا التي دارت رحاها من عام 1954 إلى عام 1962، في عهد لم يعرفوه إلا من خلال روايات الأجداد.

وهم يطمحون لبناء مستقبل مهني، لكنهم محبطون من نظام لا يوفر إلا وظائف برواتب زهيدة ويحجب الأمل في فرص معيشة أفضل.

وقال أمين "أود أن أهاجر للحصول على التجربة، لأن هناك الإمكانيات في الخارج. نحن نود أن يكون لدينا كل شيء في بلدنا ونريد الحصول على خبرة هناك ثم نعود هنا للعمل في بلدنا، فنحن نفضل العيش هنا. ما يدفعني إلى المغادرة هو عدم وجود الإمكانيات مقارنة مع ما لديهم في الخارج".

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن ما يقرب من 15 ألف طبيب جزائري يعملون في فرنسا الآن وأن أربعة آلاف قدموا طلبات لمغادرة بلدهم العام الماضي.

ولا تقبل الحكومة تحمل كل اللوم. وقال رئيس الوزراء أحمد أويحيى ردا على سؤال صحفي عن هجرة الأطباء الشبان إن الصحافة ضخّمت من الظاهرة وإن هذه مشكلة بالنسبة لكل الجزائريين لا الحكومة وحسب.

لكن في أوروبا، بمقدور الأطباء أن يتقاضوا عشرة أمثال ما يتقاضونه في الجزائر حيث يوجد اقتصاد يتقاضى الطبيب فيه ما يزيد قليلا عن موظف عام أقل كفاءة.

وأضاف أمين "الشيء الثاني هو الاحترام. للأسف الناس هنا لا يحترمون الطبيب، لا يتم احترام الطبيب أو مساعد طبي أو حتى مدرس. شيء آخر، الراتب منخفض للغاية".

وتشير بيانات رسمية إلى أن الجزائر ضخت مليارات الدولارات في قطاع الصحة خلال العقد الأخير، وكان بها حوالي 50 ألف طبيب و150 ألف سرير طبي عام 2018.

وتكفل هذه الدولة المنتجة للنفط والغاز رعاية اجتماعية للمواطنين من المهد إلى اللحد، لكن غياب المنافسة من القطاع الخاص أصاب بعض الخدمات بالضعف.

وتشغل الجزائر المرتبة 85 بين 189 بلدا في مؤشر التنمية الإنساني لمستويات المعيشة والذي يعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وتجيء هذه المرتبة بعد دول غرب وشرق أوروبا ودول الخليج بل وإيران التي تعاني وطأة العقوبات.

ولا يقدم الكثير من المستشفيات العامة نفس مستوى جودة خدمة المراكز العلاجية الخاصة التي تظهر ببطء على الساحة. أما المقتدرون، فيسافرون للخارج من أجل العلاج.

وورد في تقرير لوسيلة إعلام جزائرية خاصة أن الأطباء ليسوا وحدهم الذين يريدون الهجرة، فالطيارون ومهندسو الكمبيوتر والبترول بل والصحفيون يسعون للسفر.

ومن بين هؤلاء شاب حاصل على درجة جامعية في الترجمة، ويدعى محمد لمين، لم يتسن له الحصول على وظيفة بمؤهله فعمل في مغسلة سيارات ومقهى وأعمال أخرى. ويعمل حاليا في مخبز محلي يبيع حلوى تقليدية بمدينة بوفاريك.

وقال لمين "لديّ شهادة جامعية. تخرجت من جامعة الترجمة ولكنني لم أجد وظيفة. لذلك عملت قليلا في الخياطة الجلدية، وعملت كنادل، وفي غسيل السيارات وكدهّان، والآن أقوم بطهي زلابية (الحلوى التقليدية الجزائرية). لم أجد وظيفة كمترجم، وضعت سيرتي الذاتية في مكتب مترجم ولكنهم لم يتصلوا بي أبداً. لقد وجدت هذه الوظيفة الآن. أنا متزوج ولدي ابنة، يجب أن أعمل، الحمد لله أنني أعمل في زلابية. بدأت خطوة بخطوة والآن تعلمت. إذا وجدت فرصة قانونية في الخارج سأذهب، ولكن بشكل غير قانوني لا أستطيع أن أجازف مع زوجتي وابنتي. الحمد لله أنني أفضل البقاء في بلدي وأنا آكل وأنام بسلام على المخاطرة مع زوجتي".

وقالت طبيبة تدعى شهناز (20 عاما) "أريد أن أذهب للعمل في المستشفيات في الخارج لأنها أفضل من مستشفياتنا. هناك الكثير من الأسباب والأدوات هناك أفضل، ويمكنني الحصول على تجربة أفضل، وأريد أن أعود بعد ذلك. فلو كان لدينا نفس الإمكانيات في الجزائر لما فكرت في الذهاب".

وقال طالب يدرس الكيمياء يدعى روان زكريا "الحل الوحيد الذي نراه كطلاب هو الحصول على الليسانس، والعمل قليلا لكسب المال أو اقتراضه ثم الذهاب لإنهاء دراستنا سيد في الخارج. أريد أن أدرس في أي مكان بالخارج، أي بلد في أوروبا لأن مستوى الدراسات مرتفع ويمكنك العمل مع بشهادتهم حيثما تريد".

وقالت طالبة تدرس الأحياء تدعى وسام "طبعا أريد الهجرة لأن الدراسة هناك مدعمة أكثر من الجزائر، أنا أريد الذهاب للحصول على فرص أفضل".

وفي الماضي، تمكنت السلطات من ضمان الدعم الشعبي من خلال زيادة الأجور وتمديد العمل بالدعم الاجتماعي.

وعندما اندلعت احتجاجات بالجزائر العاصمة عام 2011، سعت الحكومة لدرء احتجاجات الربيع العربي بعرض المليارات في صورة زيادات في الرواتب وتوفير قروض حسنة وآلاف من فرص العمل بالقطاع العام.

لكن 95 في المئة من الدخل الحكومي يعتمد على إيرادات النفط والغاز التي تقلصت إلى النصف في السنوات من 2014 إلى 2017 مما اضطر المسؤولين لتجميد التوظيف بالقطاع العام.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب