news

الانهيار المالي، أزمة نظام؟ (أجوبة خادعة وأخرى ضروريّة)

*خصّ الدكتور سمير أمين صحيفة «الأخبار» اللبنانية بهذه المداخلة عن الأزمة الاقتصاديّة العالميّة، وهو يركّز فيها على دور التجمّعات الاحتكاريّة في النظام الرأسمالي كما نعيشه اليوم، ويحدّد الشروط الأساسيّة لأيّ ردّ إيجابيّ على التحدّيات الاقتصاديّة المطروحة*

 

لم نتفاجأ بالانفجار العنيف لهذه الأزمة الأخيرة، التي كنت قد ذكرتها على كل حال قبل أشهر عدة، فيما كان الاقتصاديّون التقليديون يسعون للتخفيف من نتائجها، وخصوصا في أوروبا.
وللوصول إلى جذورها، يجب التخلّص من التعريف السائد للرأسمالية القائل إنها «نيوليبرالية معولمة».
هذا التصنيف خادع ويخفي ما هو جوهري. النظام الرأسمالي الحالي تسيطر عليه حفنة من تجمّعات المحتكرين الذين يحكمون القبضة على القرارات الجوهريّة في الاقتصاد العالمي.
محتكرون ليسوا ماليّين مؤلّفين من مصارف وشركات تأمين فحسب، بل جماعات تساهم في الإنتاج الصناعي، وفي قطاع الخدمات والنقل... ميزتهم الأساسية هي صبغتهم الماليّة. يجب أن نفهم من ذلك أنه جرى نقل المركز الأساسي للقرار الاقتصادي، من إنتاج القيمة المضافة في القطاعات الإنتاجية، إلى إعادة توزيع الأرباح التي تأتي بها المنتجات المشتقة من التوظيفات المالية.
إنها استراتيجية متّبعة إرادياً، ليس من جانب المصارف، بل من جانب المجموعات التي جرى «تمييلها» (جعلها مؤسسات ماليّة). تجمعات المحتكرين هذه، لا تنتج أصلاً أرباحاً، بل تنهب ببساطة مدخولاً من الاحتكارات عن طريق التوظيفات المالية.
هذا النظام هو مربح إلى الحدّ الأقصى بالنسبة إلى القطاعات المسيطرة في رأس المال. فهو ليس بالتالي اقتصاد سوق، كما يحب أن يقول بعضهم، بل رأسمالية تجمعات احتكارات ماليّة.
غير أن الهروب إلى الأمام في التوظيفات المالية، لم يكن ليستطيع الصمود إلى الأبد، في الوقت الذي لم تكن فيه البنية الإنتاجية تنمو إلا بنسب ضعيفة. هذا الوضع ليس قادرا على الصمود. من هنا وُلدَ ما يسمّى «الفقاعة الماليّة» التي تترجم منطق نظام التوظيفات المالية.
إنّ حجم التبادلات الماليّة هو ألفا تريليون دولار، فيما البنية الإنتاجيّة، وإجمالي الناتج الوطني على الصعيد العالمي هو فقط 44 تريليون دولار: تفاوت عملاق في النسب. فقبل 30 عاماً، لم يكن الحجم النسبي للمبادلات الماليّة بهذا المقدار. وكانت هذه المبادلات الماليّة مخصّصة أساساً لتغطية العمليات التي يفرضها الإنتاج والتجارة الداخلية كما العالمية. كان الحجم المالي لنظام تجمعات الاحتكارات المالية كما سبق وذكرت، «كاحل أخيل» النظام الرأسمالي برمّته. وبالتالي، كان على الأزمة أن تبدأ فعلياً بانهيار مالي.
خلف الأزمة الماليّة، أزمة نظام رأسمالي عجوز (متهالك).
لكن لا يكفي لفت الانتباه إلى الانهيار المالي، فخلفه، ترتسم أزمة في الاقتصاد الحقيقي، لأن الانحراف المالي نفسه، سيؤدّي إلى شلل النمو والبنية الإنتاجيّة؛ فالحلول المقدّمة للأزمة المالية، لا تستطيع إلا أن تؤدي إلى أزمة في الاقتصاد الحقيقي، أو بكلام آخر، إلى ركود نسبي في الإنتاج، مع ما سيتسبب به ذلك من تراجع مداخيل العمال وارتفاع في نسب البطالة، والمزيد من الهشاشة الاجتماعية وتعميق الفقر في دول الجنوب. بات علينا اليوم الكلام عن انهيار لا عن نمو.
وخلف هذه الأزمة، تتبلور بدورها الأزمة البنيوية النظامية للرأسمالية. إن مواصلة اللحاق بنموذج نمو الاقتصاد الحقيقي كما نعرفه، وبنموذج الاستهلاك المرتبط به، أصبح، للمرة الأولى في التاريخ، تهديداً حقيقياً لمستقبل البشرية والكرة الأرضية.
إنّ البعد الأساسي في هذه الأزمة النظامية، يتعلّق بالوصول إلى الثروات الطبيعية للكرة الأرضية، وهي ثروات أصبحت بشكل ملحوظ أكثر ندرة مما كانت عليه قبل نصف قرن. الصراع بين الشمال والجنوب يمثّل في هذا السياق، المحور الرئيسي للنضالات والصراعات المستقبليّة.
إن نظامي الإنتاج والاستهلاك ـــ التبذير المطبّقين حالياً، يمنعان وصول معظم سكّان المعمورة، وتحديداً سكّان الجنوب، إلى الثروات الطبيعيّة التي تختزنها الأرض.
في الماضي، كان يمكن لدولة صاعدة اقتصادياً أن تأخذ حصّتها من الثروات، من دون تهديد امتيازات الدول الغنيّة. لكن اليوم، لم يعد الأمر يسير على هذه الحال. فالدول الغنيّة التي يسكنها 15 في المئة من مجموع سكان العالم، تستحوذ على 85 في المئة من ثروات الأرض، لمصلحة استهلاك وتبذير مواطنيها وحدهم، ولا تحتمل بأي شكل أن تتمكّن دول أخرى من الوصول إلى هذه الثروات، لأن ذلك سيؤدي إلى نقصان هائل سيهدّد مستويات معيشة سكان الدول الغنيّة.
وإذا كانت الولايات المتحدة أوكلت لنفسها هدف السيطرة العسكرية على العالم، فذلك لأن حكامها يدركون أنه من دون هذه السيطرة، لا يقدرون على تأمين الوصول الحصري إلى هذه الثروات الطبيعية.
وكما نعلم، فإنّ الصين، كما هي حال الهند ومجمل دول الجنوب، بحاجة أيضاً إلى هذه الثروات الطبيعيّة لتنمية اقتصادياتها. أمّا بالنسبة للولايات المتحدة، فالهمّ مرتبط بالضرورة بالحدّ من وصول الآخرين إلى هذه المصادر الطبيعية، وفي نهاية المطاف، ليس هناك سوى وسيلة واحدة: الحرب.
من جهة أخرى، ولكي يقتصدوا في استخدام مصادر الطاقة (الحجريّة) (SOURCES DENERGIE DORIGINES FOSSILES)، تطوّر الولايات المتحدة وأوروبا وآخرون، مشاريع إنتاج طاقة حيويّة على نطاق واسع، وذلك على حساب الإنتاج الزراعي الذي يحمّلونه مسؤولية ارتفاع الأسعار.

 

*الأجوبة الخادعة للسلطات القائمة*

إن السلطات السياسية القائمة، كونها في خدمة التجمعات الاحتكارية المالية بالكامل، لا تملك مشروعاً غير إعادة موضعة النظام الرأسمالي نفسه. إن تدخلات الدول، هي تلك التي تأمر الأوليغارشيّة باتخاذها.
غير أن نجاح إطالة عمر هذا النظام ليس مهمة مستحيلة، إذا كانت حقنات الأدوات الماليّّة كافية، وإذا كانت ردود فعل الضحايا (الطبقات الشعبية ودول جنوب الكرة الأرضية) محدودة. ففي هذه الحالة، لا يكون النظام يفعل سوى التحضّر لانفجار انهيار مالي جديد، سيكون حتماً أعمق، لأن الترتيبات المتوقّعة لإدارة الأسواق المالية والنقدية هي غير كافية إطلاقاً، لأنها (أي الترتيبات) لا تمسّ سلطة التجمّعات المالية الاحتكارية.
في المقابل، فإنّ تلك الأجوبة المقدمة في وجه الأزمة المالية، التي عبرت عنها عمليات ضخّ الأموال العامة الهائلة لإعادة الاستقرار إلى الأسواق المالية، تبدو مسلّية: فيما تمّت خصخصة الأرباح، يجري تأميم الخسائر فور ظهور التهديدات ضدّ التوظيفات الماليّة!

 

*شروط لإجابة على مستوى التحديات*

لا يكفي القول إن تدخلات الدول يمكن لها أن تغيّر قواعد اللعبة، وتخفّف من حدّة الانحرافات. فيجب أيضاً تعريف المنطق والأبعاد الاجتماعيّة لهذه التدخلات. من دون شك، يمكننا العودة نظرياً لمعادلات دمج قطاعات عامّة مع قطاعات خاصة، في ما يُعرَف بالقطاعات المختلطة، كما كان يُطبّق في الثلاثينيات من القرن الماضي في ما كان يُعرَف بـ«الثلاثين المجيدة» في أوروبا، وكما كان يحصل في عصر منظّمة باندونغ في آسيا وأفريقيا، حين كانت رأسماليّة الدولة مسيطرة إلى حدّ بعيد، ومتزامنة مع اعتماد سياسات اجتماعية قويّة.
لكن هذا النمط من التدخّل الحكومي لم يعد اليوم ملائماً للظروف، ولا موضوعاً على جدول الأعمال. إلى جانب ذلك، هل وضع القوى الاجتماعية يسمح لها اليوم بفرض تحويل بهذا الحجم؟ لا أعتقد ذلك، وبرأيي المتواضع، لم تصل تلك القوى إلى هذا المستوى بعد.
البديل الحقيقي يمر بقلب السلطة الحصرية للتجمعات الاحتكارية المالية، وهو ما يستحيل تماماً من دون تأميمها في النهاية، لإرساء إدارة تندرج في إطار الاشتراكيّة الديمقراطيّة التقدمية.
هل هي نهاية الرأسماليّة؟ لا أعتقد ذلك. بل أظنّ أنه في المقابل، يمكن أن تولد ترتيبات جديدة لموازين قوى اجتماعية تفرض على رأس المال أن يتأقلم مع مطالبات الطبقات الشعبية والشعوب. لكنّ لكل ذلك شرطاً جوهرياً، هو أن تتمكّن النضالات الشعبية التي لا تزال مجزّأة وقائمة على المواقف الدفاعية لا الهجوميّة، من التجمّع في مشروع سياسي بديل ومتناسق.
وفي هذا المنظار، تصبح بداية المرحلة الانتقالية الطويلة من الرأسمالية إلى الاشتراكيّة ممكنة بالفعل. والخطوات التي تدفع بهذا الاتجاه ستكون بالتأكيد ودائماً غير متساوية بين بلد وآخر، وبين حقبة انتشارها وأخرى.
إنّ أبعاد البديل المأمول والممكن عديدة، وتتعلق بكل أوجه الحياة، الاقتصادية منها، والاجتماعية والسياسية. وسأذكّر هنا بأبرز العناوين العريضة لهذه الأجوبة الضرورية:
1ــ إعادة اختراع تنظيمات متناسبة وكافية من العمّال، تسمح ببناء وحدتهم التي تسمو على أشكال استغلالهم (الهشاشة الاجتماعية والبطالة والعمل غير المشروع).
2ــ المنظار هو ذلك المتعلق بوعي نظرية وممارسة الديمقراطية المرتبطة بالتقدم الاجتماعي وباحترام سيادة الشعوب، حيث لا تناقض بين كل هذه العناصر.
3ــ التحرر من الفيروس الليبرالي القائم على أسطورة تمجيد الفرد الذي بات العنصر الأهم في التاريخ. إن الحالات العديدة لرفض أنماط الحياة المرتبطة بالرأسماليّة (الأشكال العديدة للتغريب (ALIENATION)، والبطريركية الذكورية، والنزعة الاستهلاكية وتدمير الكرة الأرضيّة)، كلها إشارات إلى إمكان تحقق هذا الانعتاق.
4ــ التحرّر من حلف شمالي الأطلسي ومن النزعة العسكرية التي ترافقه، وهي نزعة أطلسيّة تهدف إلى إرغامنا على القبول بكرة أرضية منظمة على أساس «الأبارتهايد» والتمييز العنصري على الصعيد العالمي.
في دول شمال الكرة الأرضية، التحدي يفرض ألا يُسمَح بأن ينغلق الرأي العام في توافق على الدفاع عن امتيازاتهم في وجه شعوب الجنوب. الأممية الضرورية تمرّ عبر مناهضة الإمبريالية، لا عبر الإنسانويّة.
أما في دول الجنوب، فإن استراتيجية التجمعات الاحتكارية المالية، تؤدّي إلى رمي ثقل الأزمة الحالية على الشعوب (من خلال إفقاد قيمة احتياطات الصرف، وانخفاض أسعار المواد الأولية المصدّرة وارتفاع أسعار الواردات).
وتمثّل الأزمة مناسبةً لتجديد التنمية الوطنيّة، تنمية شعبية وديمقراطية متمحورة حول نفسها، تُخضع العلاقات مع الشمال لمصالحها. بكلام آخر، تمثّل الأزمة مناسبة لفكّ الارتباط عن نموذج النمو الرأسمالي.
وذلك يعني الآتي:
أ ــ السيادة الوطنية على الأسواق المالية والنقدية.
ب ــ السيادة على التكنولوجيا الحديثة (وهو أمر بات ممكناً).
ج ــ إعادة تحصيل حقّ الوصول إلى الثروات الطبيعية.
د ــ تغيير مسار الإدارة المعولمة التي تسيطر عليها التجمعات الاحتكارية المالية (منظمة التجارة العالمية) وتغيير مسار السيطرة العسكرية للولايات المتحدة والتابعين لها على العالم.
هـ ــ التحرر من أوهام فكرة رأسمالية وطنية مستقلة في النظام الرأسمالي، والتحرر من الأوهام الماضويّة.
و ــ المسألة الزراعية هي بالحقيقة في قلب الآفاق المستقبليّة في العالم الثالث. إن تنمية تستحق هذه التسمية، تفرض اعتماد استراتيجية سياسية لتنمية زراعية قائمة على ضمان حقّ وصول جميع المزارعين (نصف سكّان الأرض) إلى أرض زراعيّة. في المقلب الآخر، فإن الوصفات التي دعت إلى اعتمادها السلطات القائمة (تسريع خصخصة الأراضي الزراعية، وتحويلها إلى سلعة)، تؤدّي إلى حملات النزوح الجماعي التي نشهدها.
وبما أن التطور الصناعي للدول المعنيّة لا يكفي لأن يسمح لها باستيعاب تلك اليد العاملة الوافدة وامتصاصها، فإن هذه الأخيرة تتكدّس في ضواحي المدن، أو تسمح لنفسها بالانزلاق في مغامرات مأساوية في الهرب بالزوارق البدائية في المحيط الأطلسي. هناك علاقة مباشرة بين إلغاء حقّ الوصول إلى الأرض الزراعيّة، وارتفاع وتيرة الموجات المهاجرة.
ز ــ الاندماج الإقليمي: هل يمكن، من خلال نشوء أقطاب جدد في التنمية، أن يكوّنوا شكلاً جديداً من المقاومة ومن البديل الفعّال؟
الإقليمية ضرورية، وقد لا تكون كذلك بالنسبة إلى الدول العملاقة كالصين والهند وحتى البرازيل، لكنها ضرورية بالنسبة إلى عدد كبير من أنحاء أخرى من العالم، في جنوب شرق آسيا وفي أفريقيا وفي أميركا اللاتينية. وقد تكون هذه القارة (أميركا اللاتينية) قد حققت تقدماً في هذا المجال. ففنزويلا أخذت المبادرة ــ وحتى قبل اندلاع الأزمة المالية الحالية ــ لتأسيس «المنظّمة البوليفاريّة البديلة لأميركا اللاتينية والكاريبي»، (alba)، كذلك إلى إنشاء «مصرف الجنوب» (BANCOSUR).
غير أنّ كلّاً من البرازيل والأرجنتين لم تنتسبا بعد لـalba (وهو مشروع للاندماج الاقتصادي والسياسي). في المقابل، فإن الـBANCOSUR الهادف أساساً إلى الترويج لنموذج مختلف من التنمية، يضمّ هاتين الدولتين اللتين لا تزالان تنظران بطريقة تقليدية إلى دور هذا المصرف.
إنّ الخطوات المحقّقة في هذه الاتجاهات، في الشمال وكذلك في الجنوب ــ قاعدة أممية العمّال والشعوب ــ تمثّل الضمانات الوحيدة لإعادة بناء عالم آخر أفضل، متعدّد الأقطاب، ديمقراطي، ويقدّم بديلاً وحيداً لبربرية الرأسمالية المتهالكة.
أكثر من أي وقت مضى، النضال من أجل اشتراكيّة القرن الواحد والعشرين، هو اليوم، على جدول الأعمال.

* (ترجمة أرنست خوري)